28 ايلول.. من الجرح … إلى الامل

 maan-bashour11

معن بشور

 

في 28 ايلول عام 2000، وفي الأيام الاولى لانتفاضة الاقصى المبارك، حملت محطات التلفزة والصفحات الاولى من الصحافة العربية والعالمية صورة الطفل الفلسطيني محمد الدرة شهيداً برصاص جنود الاحتلال الاسرائيلي الذين لم تردعهم طفولته عن جريمتهم، كما لم ينفع معهم احتماؤه بوالده من رصاصاتهم القاتلة…

قلة انتبهوا يومها إلى ان شعاراً كان مكتوباً على الجدار الذي استشهد امامه احد رموز الطفولة الفلسطينية الشهيرة يقول “ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة”، وهو قول شهير للرئيس الخالد الذكر جمال عبد الناصر الذي داهمته سكتة قلبية في اليوم ذاته 28 ايلول 1970، أي قبل ثلاثين عاماً بالتمام والكمال من الانتفاضة، وبعد ايام مضنية أمضاها رئيس “الجمهورية العربية المتحدة” في مساعٍ لوقف حمام الدم في الاردن، وصون الأخوة الاردنية – الفلسطينية، وحماية الثورة الفلسطينية.

مع هذا التزامن المفصح عن جملة حقائق تتصل بحقيقة الصراع في امتنا، وفي هذه الرمزية الكاشفة للترابط الوثيق بين جمال عبد الناصر  وفلسطين، بمقاومتها التي قال “انها وجدت لتبقى… وستبقى”، وبانتفاضتها  التي اعادت بدماء محمد الدرة، وكل شهدائها، تجديد شعاره المعبّر عن رؤية دقيقة لصراع الأمة مع عدو لا يفهم الا لغة القوة،  نستعيد اليوم تلك المناسبات، ومعها مناسبات مترابطة كذكرى الانفصال المشؤوم في 28 ايلول 1961، وقد كان منطلقاً لردة التفتيت والتقسيم التي نعيشها حتى الساعة، وكذكرى تحرير بيروت من الاحتلال الصهيوني في 28 ايلول عام 1982 وهو تحرير افتتح عصر الانتصارات المرتبطة بخيار المقاومة ونهجها.

قد يبدو التذكير بهذه المناسبات، سواء المؤلم منها أو الباعث للأمل، نوعاً من الهروب إلى الماضي، فيما حاضرنا مثقل بالجراح والهموم، ومستقبلنا محاصر بالمخاوف والشكوك، لكن الماضي الذي لا يتحول إلى سجن يصبح مدرسة تتعلم منها الشعوب، والذكريات التي لا تأسر صاحبها في مراراتها تتحول إلى منارات تضيء له الطريق.

ولعل الرابط بين هذه المناسبات جميعاً هو المقاومة الممتدة من فلسطين إلى لبنان إلى العراق، الى مصر وسوريا ثم إلى ربوع امتنا كلها، كما العروبة التي هي جامعة بالتعريف، وحضارية بالمضمون، وديمقراطية بالضرورة، وانسانية معادية للعنصرية والاستعمار بحكم تكوينها وانطلاقها وارتباطها بارض الرسالات، بل العروبة كهوية تنطوي على مشروع نهوض، وعلى دعوة لبناء التكامل والوحدة واستكمال الاستقلال والحرية، وكإطار اطلاق التنمية الحقيقية بين ابناء الوطن وابناء الأمة فلا يموت عرب بسبب الجوع، وآخرون بسبب التخمة.

هذه العلاقة بين المقاومة والوحدة تتضح معانيها اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأن كل ما تشهده امتنا من حرب وفتن ومشاريع استعمارية انما تستهدف الوحدة، بكل مستوياتها، لتصل إلى رأس المقاومة، وتستهدف المقاومة بكل تجلياتها لكي تحرم الشعوب من قوة تحمي ارادة الوحدة والاستقلال داخلها، وفيما بينهما.

بل ان هذه العلاقة السليمة، مبدئياً واستراتيجياً واخلاقياً، قد بدأت تعطي أُكلها رغم كل ما يحيط بنا من محن ومخططات احتراب اهلي وصراعات داخلية، فالمقاومة تحرر الارض دون قيد أو شرط، والوحدة تحرر الارادة من كل اشكال الاحتلال، بل بتنا نرى عدونا الصهيوني يعيش مأزقه التاريخي الوجودي فلا هو قادر على الحرب والعدوان، كما كان دائماً، ولا هو قادر على العيش في ظل سلام يفقده مبرر وجوده، كما بتنا نرى حليفه الامريكي والغربي مرتبكاً، متردداً تعجز قدراته عن مواكبة نواياه، ويرفض ان يتغيّر في سلوكه أو يغيّر سياساته فيما العالم كله من حوله يتغير…

ألم تحمل 28 ايلول “الأممية” في نيويورك هذه الايام مؤشرات واضحة، سواء في معالجة الازمة السورية، أو في التعامل مع الملف النووي الايراني، إلى ان عالماً جديداً ، اكثر توازناً ، واكثر عدلاً، واقل هيمنة، وأقل سطوة استعمارية، قد بدأ يولد….

من حقنا اليوم في القدس المنتفضة رغم قيود الاحتلال ووحشية “المستوطنين”، وفي بيروت التى اعادت لها مقاومتها دورها وأكدت تمسكها بوحدتها وحريتها وعنفوانها، وفي دمشق الجريحة لكن الرافضة للخنوع والركوع، وفي بغداد التي اوقفت مقاومتها زحف مشروع امبراطوري كبير  فتصدى لها اهل هذا المشروع لمعاقبتها بحرب إبادة تستكمل حرب الاحتلال، وفي القاهرة التي تتجدد ثورتها كلما بدا عليها الوهن أو التراجع عن اهدافها، فتؤكد عمق ارتباطها بتراث امتها الروحي والحضاري وهمومها وأوجاعها وامنها القومي، بل في كل عاصمة عربية واسلامية لا تعدم جماهيرها الوسيلة لتعلن انتمائها إلى الأمة الواحدة، من حقنا جميعاً ان نشعر بالاعتزاز ونحن نرى مشاريع اعدائنا تتحطم على صخرة صمودنا، وان نمسك بايدينا زمام مصيرنا، وان نخوض معارك نغيّر من خلالها وجه العالم ونحن ندافع عن حقوقنا.

المناسبات  التي نحييها اليوم ليست ذكريات من الماضي فحسب، بل هي منارات لزمن جميل لا بد ان تحمله لنا الايام، ونحمله نحن لها، ونتذكر دائماً ان اليأس هو الحليف الاستراتيجي لاعدائنا، وان التفاؤل هو المشعل الذي نضيء به طريق النصر.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. من انجازات الرئيس الوطني عبد الناصر انه رسخ القومية العربية لقرون قادمة بين الشعوب العربية ثانيا انه انتصر في حرب العدوان الثلاثي 56 على مصر و انتصر في حرب الاستنزاف عام 69 ضد العدو الاسرائيلي و وضع اسس نصر حرب اكتوبر الساحق 73 على العدو و انما الاعمال بالنيات

  2. عبد الناصر فكرة و رمز للحرية و الوحدة والعدل الاجتماعي لم يمت و لن يموت. ولايضيره المتسلقون الذين ينتحلون صفته او يتسلقون قامته كالقذافي وهيكل وحمدين والسيسي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here