يوم عربي كئيب اخر.. وهل من علاقة بين كارثة بيروت واعلان التطبيع بين الامارات العربية واسرائيل؟

د. سعد ناجي جواد

مرة اخرى يهرع نظام عربي اخر لانقاذ حكام الكيان الصهيوني من مازقهم، ويرمي لهم طوق نجاة ليس فقط لا يستحقونه وانما بالتاكيد سيزيدهم غطرسة وتجاهلا للحقوق العربية، والفلسطينية منها بالذات. ناهيك عن كونه يمثل اعترافا بالوجود الغاصب لارض فلسطين واستهانة بالمشاعر الشعبية العربية. وفي تقديري المتواضع ان كارثة بيروت، والتي نتج عنها ارتفاع الاصوات النشاز المطالبة براس المقاومة واتهامها بانها المسؤولة عن كارثة المرفا، كانت هي ما شجع الامارات العربية على الاقدام على هذه الخطوة، وبتشجيع من الولايات المتحدة. وهو الامر الذي يوكد النظرية التي تقول ان اسرائيل هي من يقف وراء ما حدث في بيروت، وانها ارادت من وراءه ان تضع المقاومة في موضع المتهم، وان تثير الراي العام العربي واللبناني ضدها،  وان تشجع الراغبين في التطبيع على المجاهرة بمواقفهم التي ظلت سرية خشية من الغضب الشعبي. وهذا موضوع مهم يحتاج الى نقاش اكبر، والى انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات اللبنانية الوطنية، وليست التحقيقات الخارجية المغرضة. ويبدو ان اسرائيل قد نجحت لحد الان في ذلك استنادا الى الاعلان الاماراتي الاخير والى ما يكتبه ويصرح به الكثير من الكتاب العرب الذين عرفوا سابقا بشعورهم الوطني والتوازن في مواقفهم.

لم تكن الخطوة الاماراتية مفاجئة، فلقد كتب وقيل الكثير عنها وعن ترقب وقوعها وعن قرب الاعلان والتصريح والمجاهرة بها بعد ان كانت سرا مفضوحا، ورغم كل التصريحات الرسمية الاماراتية التي انكرت ذلك. فالكل يعلم ان هذه الخطوة سبقتها خطوات كثيرة تمهيدية للتطبيع اقدمت عليها دولا عربية، وبالذات في الخليج العربي توكد قرب تثبيت واعلان ما كان يعتبر سرا. وربما تُقدِم اطرافا عربية خليجية اخرى على اتخاذ خطوة مشابهة في الايام او الاسابيع القليلة القادمة. وهناك لابد من التذكير بان من فتح هذا الباب المودي الى النفق المظلم هو النظام المصري ايام انور السادات، وان مصر التي كانت تقود العرب نحو التحرر من التبعية للاستعمار قادته مع الاسف الى هذا المسلسل الذي لم ينتج عنه سوى المزيد من القتل الاسرائيلي للفلسطينين وللعرب والكثير من التوسع الصهيوني على حساب الارض العربية.

والسوال الذي يثار هنا هو هل ان من توصل الى هذا الاتفاق مقتنع حقا بانه تمكن من ايقاف عملية التوسع الصهيوني وانه نجح في ان يوقف قرار ضم اراضي الضفة الغربية للكيان الغاصب، كما حدث عندما وقعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقات اوسلو ومدريد واعترفت بالدولة اليهودية على اساس ان ذلك سيمهد الطريق لاعلان الدولة الفلسلطينية، الامر الذي لم يحدث طبعا. وفي الوقت الذي كانت اسرائيل قد انتظرت فترة طويلة لكي تعلن تنصلها عن اتفاق اوسلو، وبعد ان حصلت على الاعتراف التي تريد،  فان رئيس وزراء اسرائيل هذه المرة لم يترك الامر الى اي تاويل، ولم يسكت لكي يترك للطرف الاماراتي بعض الوقت للتبجح بهذا الانجاز على اساس انه يحفظ الحقوق القلسطينبة، حيث اعلن مباشرة ان خطط الضم ما تزال سارية المفعول وتنتظر الوقت المناسب والموافقة الامريكية لتطبيقها.

اما الاسئلة الاخرى التي تثار فهي : اولا ما الذي ستجنيه الامارات من هذه الخطوة التي لن تاتِ باية فوائد مادية او سياسية لها، بل على العكس فان الحديث الان يجري عن استثمارات اماراتية في فلسطين المحتلة، (طبعا ليس في الضفة الغربية وغزة)، وهي بالتاكيد استثمارات تدعم الاقتصاد الاسرائيلي الذي يعاني من صعوبات جمة. والسوال الثاني هو لماذا الاصرار على تمزيق الوطن العربي واشعال الحروب والفتن الداخلية فيه، ولماذا يصر بعض العرب على الاستمرار في السير وفق المخططات الامريكية-الصهيونية التي لم تثبت باية مرحلة من المراحل بانها تضع بعين الاعتبار المصالح العربية الاساسية. فبالامس كانت سوريا التي اشعلها وادام الحرب الداخلية فيها المال العربي والخليجي بالذات، ثم ليبيا، وبعدها جاء الدور على اليمن الذي انتقل الهدف من اشعال الحرب الداخلية فيه بدعوى (تطبيق الديمقراطية) الى الاصرار على تقسيمه، وغير ذلك من المشاريع التي ستكون نتائجها وبالا على الامة العربية وعلى من خطط لها بالذات. اما الامر الاخر الذي يصعب تفسيره فهو لماذا تهرول انظمة لم تكتوِ بالاحتلال الصهيوني ولم تعاني منه ولم تتاثر به من قريب او بعيد باتجاه تحسين صورة الدولة اليهودية التي تقتل يوميا الشعب الفلسطيني الذي اغتصبت ارضه؟ ولماذا تصر الامارات على المطالبة بالجزر العربية الثلاث، وهو حق مشروع لها، بينما تستكثر على الفلسطينين المطالبة باراضيهم التي اغتصبت في وضح النهار؟

وطبعا يبقى ما جرى في العراق منذ الاحتلال نموذجا صارخا على المخططات الرامية لتمزيق الامة وتدمير مراكز قوتها. قديما كان العراقيون يقولون ان شرذمة العراق وتاجيج الحروب الطائفية فيه واضعافه سوف لن يزيد من يعمل بهذا الاتجاه قوة ولن يكسبه دورا قياديا في الوطن العربي، بل على العكس   ان الفتن   والعمليات الارهابية التي تنتشر هناك ستنتقل الى المناطق الاخرى التي هي بالاساس كيانات ضعيفة وهشة. وهذا ما حدث حيث انتشر الارهاب الى مناطق عديدة كانت بعيدة عنه. وهذا الوضع العربي الماساوي سيستمر طالما استمرت بعض الانظمة في الهرولة خلف المخططات الصهيونية- الامريكية.

وعلى كل حال فمهما قيل ويقال عن تبرع اطراف عربية (للدفاع) عن الحقوق الفلسطينية، او عن (اعادة) هذه الحقوق عن طريق المهادنة مع العدو الصهيوني، فان هذه الاتفاقات تبقى حبرا على ورق، حتى وان انضمت حكومات عربية اخرى لهذه العملية، لان الطرف الاساس المعني والذي له الحق في ان يصدر القرار في هذا المجال هو الشعب الفلسطيني ومقاومته. ومن افشل وسيفشل مخططات اسرائيل التوسعية هي المقاومة المسلحة التي اجبرت الكيان الاسرائيلي على ان يرتدع وان يتحدث عن قوة ومنعة المقاومة التي استطاعت ان تفرض قواعد اشتباك جديدة في الصراع العربي الصهيوني. كما اكدت الاحداث ان كل ما وقعته السلطة الفلسطينية من اتفاقات وما قدمته من تنازلات لم يكسبها شيئا سوى استهانة الحكومات الاسرائيلية بها، في حين ان حتى رئيس وزراء متغطرس وعدواني مثل نتنياهو اصبح يحسب الف حساب لكل عمل يقوم به تجاه المقاومة، بل ويسارع الى التراجع عن مهاجمتها او الاشتباك معها خشية من الهزائم التي الحقتها وتلحقها (بالجيش الاسرائيلي الذي لا يهزم). ويبقى الامر الاكثر ايلاما ان هذه الخطوة الاماراتية جاءت لتنقذ نتنياهو وترامب من مازقيهما في الوقت الذي بلغت فيه شعبيتهما ادنى مستواها، وخاصة بالنسبة لنتنياهو، وفي الوقت الذي يجري فيه الحديث في اسرائيل نفسها عن السياسة المدمرة التي ينتهجها والتي يقول اغلب المحللين الاسرائلين بانها ستجلب الكوارث للكيان.

علمتنا تحارب التاريخ ان الحقوق لا تسترد من اي طرف محتل وتوسعي الا بالقوة، وان المتخاذلين او الذين يعتقدون انهم يستطيعون ان يحموا انفسهم عن طريق ارضاء القوى المعتدية والمحتلة والغاشمة سوف لن يكون لهم اي مكان في التاريخ، وان الحق لا بد ان ينتصر في النهاية ومهما طال الزمن، وان الغلبة لا بد وان تكون للاجيال الجديدة التي لا تزال متمسكة بحقوقها وثوابتها على الرغم من انها لم تشهد اي من نكبات الامة السابقة، وخاصة نكبتي 1948 او 1967. هذه الاجيال وتمسكها بالرفض والمقاومة هو ما يشعر القيادات الاسرائيلية بالقلق على مستقبل وجودها على ارض فلسطين المحتلة. وهذه الحقائق هي التي تملا التحليلات والمناقشات والاخبار في الصحافة الاسرائيلية، وليست الاحاديث عن توقيع اتفاقيات ثنائية مع اطراف عربية تظل عاجزة عن اكراه الفلسطينين وحركات المقاومة على القبول بالامر الواقع او بالتطبيع.

كاتب واكاديمي عراقي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

12 تعليقات

  1. يا دكتورنا العزيز لقد ابدعت الطرح يوم عربي كئيب اخر وانا اتفق معك قرن عربي كئيب اخر ابتدانا في القرن الماضي مع سايكس بيكو والان في قرننا اتانا ترامب وماكرون ليمكروا بنا قرنا اخرمع الاسف انا في السبعينات ولن اعش طويلا سوف يعاتي اولادي واحفاد احفادي خلال هذا القرن الكئيب ايضا

  2. + بدأ السادات هذا المسلسل في إضعاف الحق الفلسطيني في 1979 ، وتبعته السلطة في 1993 ، وبعدها الاردن في 1994 ، واليوم الامارات ، وغداً البحرين . ومشكلة فلسطين بدأها عبدالناصر في 1967 في إستفزاز اسرائيل ولم يكن المبرر فلسطين بل حقوق مصر في مضيق تيران . ولا تزال غلطة عبدالناصر معنا .
    + اراد محمد بن زايد ارضاء ترامب بهذا التطبيع ، وليس اسرائيل ، وعلى حساب الحق الفلسطيني . لان التطبيع بين الامارات واسرائيل على قدم وساق منذ سنوات وان كان من وراء جدر ، والاعلان عنه لتعظيم فرص ترامب في الفوز في نوفمبر 2020 .
    + منذ 2014 لم تدفع الامارات ريالا واحدا لدعم السلطة الفلسطينية وتدعم ولايات امريكا عندما يجتاحهم الفيضان .
    + للامارات او بالاحرى محمد بن زايد عدوان : الاخونجية والديمقراطية ، ويعتمد على ترامب في مساعدته القضاء عليهما في المنطقة العربية حتى لا يصلا الى الامارات فيفقد عرشه .

  3. مقال هام و وجيه من الاستاذ الجليل سعد جواد.. بغض النظر عن ما يدعيه النظام الاماراتي من انتماء اسلامي و عربي، كيف يمكن لهذا النظام، من منطلق انساني بحت، من اقامة علاقات ودية و طبيعية مع كيان دنىء انبثق غاصباً و نما ظالماً و يعيش وغداً، كيان طائفي موبوء بالجور منذ ان كان جنيناً في رحم قوى البغي و العدوان، كيان يدنس اولى القبلتين و ثاني المسجدين و ثالث الحرمين؟.. ما الذي دفع حاكم الامارات ان يسخم وجهه و يمد يدهه لايادي ملطخة بدماء مئات الالاف من الابرياء في فلسطين و العراق و لبنان و سورية و مصر؟.. العتب ايضاً يشمل نظام دولة الفقيه الذي نهجه الطائفي المتضمن تصدير مفهومه المذهبي و هيمنته على دول الجوار ادى ارعاب انظمة هذه الدول و جعلها ترتمي في احضان قوى الضلال و الاستكبار اعتماداً على المبدأ الاحمق “عدو عدوي صديقي”.. في نهاية الامر لا يصح الا الصحيح. عاجلاً او اجلاً سترفرف من جديد رايات العروبة و المجد في سماء القدس الشريف و يافا و حيفا و ستعود فلسطين الى اهلها بعد طرد غزاتها الجدد كما طُرد الصليبيين (و الصليب منهم براء) من قبلهم.

  4. يقول الكاتب (ولماذا تصر الامارات على المطالبة بالجزر العربية الثلاث، وهو حق مشروع لها) ارجو التوضيح للحقيقة والتاريخ إيران لم تحتل الجزر الثلاث بل باعها حاكم رأس الخيمة في اوائل السبعينات على زمن الشاه. والمرجع بالبنط العريض جريدة الرأي العام الكويتية وبالضبط 10 أيار 1970 المرجع al-hekmah.net وذلك قبل الثورة الإسلامية بتسع سنوات ولهذا لم يطالبوا بها في الأمم المتحدة

  5. العلاقة بين الانفجار واتفاق العار هي نفسها العلاقة بين الزيت والنار
    لننتظر نتائج التحقيق وسينجلي الغبار!

  6. أخي العزيز سعد , طاب نهارك
    كانت دراستي للماجستير والدكتوراه في جامعة لندن هي عن اليهود أثناء الإحتلال الألماني لفرنسا
    ومن خلال البحث قرأت العديد من المصادر
    بضمنها كتابات برنارد لويس راول هلبرج , وأخيراً أفكار هينري كبسنجر

    جميعها ترتكز على تفكيك الشرق الأوسط وذلك بخلق خلافات وجعل الفئات تقتتل بينها وتتفكك
    وهذا ما حققوه , خير مثال أنهم خلقوا الطائفيه في العراق لكي يقتتل الشيعي والسني والمسيحي
    كما مزقوا باقي الشرق الأوسط من سوريا ولبنان واليمن وليبيا
    وللأسف الحبل على الجرار , ولم ينتهوا منا بعد
    الحلقه الحاليه هي إغراء الأمارات للإلتحاق بصفوف اسرائيل لخلق شرخ في الشرق الأوسط
    ستتبعهم السعوديه و قطر والبحرين والكويت
    وسيبقى العراق وحيداً يطالب بتحرير فلسطين
    بينما يضحك علينا بينيامين نيتانياهو ويتشدق

  7. A very sad day indeed. The Emarati leaders have lost their mind behaving recklessly and dangerously. what a pity

  8. استاذنا العزيز
    تحية طيبة
    رويتكم للاحداث تنم عن قراءة مستفيضة وثاقبة للوضع العربي المزري ، وكن على ثقة ان التقارب الاماراتي الصهيوني لم يفاجئ احد لان خيانة حكام ألعرب للقضايا العربية اصبح امر مفروغ منه ، ثم بالله عليك منذ متى كانت الامارات وصعاليك العرب طرف في الصراع الانساني الصهيونى ، نعم انه صراع بين الانسانية من جهة والصهيونية ومرتزقتها من جهة اخرى. اعلم جيدا ان احد الاخوة سيتحفنا باتهامات جاهزة ويقول عملاء صدام و عملاء البعث ، وهنا اقول له شرف لي و لاهلي ان اكون عميل لصدام و للبعث ، صدام المجرم كما تدعون ضرب تل ابيب ٣٩ صاروخا ، فكونوا شرفاء وضربوا اسرائيل طلقة واحدة

  9. لا داعي لإضافة الكثير من الحزن على خطوة الإمارات العربية المتحدة على التطبيع المجاني مع الصهاينة ،فالقليل من الحزن يكفي ، لأن الكثير منه يجب سكبه على تطبيع الفلسطينيين أنفسهم مع الصهاينة منذ 27 سنة وإصرار هؤلاء الفلسطينيين على استمرار هذا التطبيع إلى اليوم على الرغم من تتصل الصهاينة أنفسهم من اتفاقية أوسلو المتهورة..

  10. احسنت دكتور. من يعتقد ان هذه القرارات ستنهي المقاومة للوجود الصهيوني الغاصب فهو واهم. على من يفكر هكذا عليه ان يتذكر مصير من سبقه، الحق الفلسطيني لن يبعثره اشخاص ارتبطوا بالخارج ونسوا تاريخ امتهم

  11. نعم لقد كان السكوت عن مبادرة السادات وتطبيعه الاثر في جر المتخاذلين والمرتبطين بالغرب والولايات المتحدة الى هذا المنزلق. واذا لا تعود مصر الى دورها الريادي وتنهي هذا التطبيع الذي لم تجني منه اية فائدة فسيستمر مسلسل التخاذل والانبطاح وسيكون عدد الذين يطبعون من الحكام العرب اكبر من الصامدين في وجه هذه الكوارث. وانا لله وانا اليه راجعون

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here