يوسف عبود جويعد: دراسة نقدية.. واقع الوجوه العارية في … الوجهُ العَاري داخلَ الحُلُم

يوسف عبود جويعد

تبدأ الرؤية التأملية , في المجموعة القصصية (الوجهُ العَاري داخلَ الحُلُم) للقاص احمد السعداوي, من صورة الغلاف, التي تعد النص الموازي الذي يكشف ثيمات تلك النصوص , ويكون حالة مكملة لرحلة المتلقي في المضامين والاشكال , التي ضمتها هذه المجموعة, كوننا سنشاهد في هذا الغلاف رجل يرتدي بدلة زرقاء داكنة, وقميص ازرق, ويظهر النصف الاسفل من وجهه, وهو ملتحي,  ويحمل بيده مسبحة, تتدلى منها مدالية على شكل مسدس, وفي ذلك إشارة واضحة لتداخل السياسة بالدين , وإنعدام النظام القويم لكل جانب منهما, وخلق حالة من عدم التوازن في المسيرة الحياتية في البلد, التي سادها طابع العنف والتصفية الجسدية , ومن بنية الصورة في الغلاف يتضح لنا بأننا سوف نرحل معها هي لاحداث ما بعد التغيير لعام 2003, ثم ندخل الى عتبة نصية اخرى , تشكل الخطوة الثانية, للدخول الى عالم تلك النصوص السردية, وهي المستهل , الاول نقل مقطع قصير , من الحكايات الشعبية الكبيرة (الف ليلة وليلة) والتي تتحدث فيه شهرزاد الى  شهريار, ( .. أين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشتُ وأبقاني الملك) وهي إشارة ذكية لمضمون تلك النصوص, الذي تحوي حكايات تشبه الى حد بعيد حكايات الف ليلة وليلة, لما تحمل من غرائبية, وعجائبية, ودهشة, لكنها ليست من بطون الكتب , وإنما من ارض الواقع, الذي شهد أحداث تصل بدهشتها الى تلك الحكايات, ثم مستهل ثان من قصيدة السعادة لبورخيس    ( مباركةٌ كوابيس النوم, فبفضلها نصدّق بوجود الجحيم)  وهي إشارة ثانية لما تحمل هذه المجموعة من أحداث هي كوابيس نوم مرعبة, ولم يلتزم القاص بالسياق الفني المتبع في صناعة القصة القصيرة, والتي تتطلب منه إختزال وتكثيف, وشذب لاحداث وتفاصيل ودقائق وجدها مهمة من أجل ابراز الثيمة, لكونها لم تكن زائدة او يمكن عدم الاستفادة منها لانها جزء من قلب الاحداث, لذا فأنه عمد الى جعلها قصص طويلة تحمل نفس الرواية, أقول هذا لأن عدد الصفحات لاصغر قصة هو عشرين صفحة بينما كانت عدد صفحات القصص الطويلة من اربعين صفحة الى ثمانية واربعين صفحة, الامر الذي لم يشهده هذا الجنس من إتساع, وقد تكون تلك بادرة خير لعودة القصة الطويلة, التي كادت أن تندثر ويكسوها النسيان,وهي جنس مهم علينا اعادة الحياة له, لكي يساهم في عملية الابداع الادبي. ولأنه لاينقل وقائع مكثفة يمكن لها أن توضع في إطار القصة القصيرة, فالاحداث التي ضمتها هذه المجموعة , كبيرة وواسعة ومتشعبة, وتدخل في خضم الحياة التي عشنها بعد التغيير, كما نلاحظ أن القاسم المشترك في تلك النصوص, بروز بطل النص والشخصية الرئيسية, الذي غالباً ما يظهر في بداية سرد الاحداث, ليقودنا ومن خلال السارد العليم, الذي تكون مهمته نقل الاحداث ورصدها لبطل هذه النصوص, وهي السمة الغالبة, وزاوية النظر التي من خلالها دون القاص احمد السعداوي نصوصه السردية. وشهدت تلك النصوص تنوع في الثيمات والاحداث والشخوص والزمان والمكان, وكل نص يبعد عن الآخر بمسافة بعيدة في الادوات االرئيسية,لهذا الفن, كما نلاحظ إختلاف في رسم ملامح الشخصيات لكل نص, حسب مقتضيات الاحداث وشكلها, وفي جولة سريعة ومختزلة جداً لمحتوى هذه النصوص سوف نكتشف قوة السرد واختلافه.

في قصة عشبة الندم التي تدور احداثها في منطقة البتاويين , وهي احد المناطق بغداد التي, يكثر فيها تعاطي الخمر وانواع المخدرات , ونكون مع ياسر ضابط الشرطة الذي يقف متأملاً جثة أخيه الذي يتعاطى الخمر , ويجد في قعر القدح مادة كحلية اللون, كما يجد على الارض ورقة بقايا لتلك المادة , فيتاكد بأن اخيه مات مسموما, ولكنه يخفي الامر , بعدها تبدأ الاحداث تتفرع في رحلة السبب الذي اودى باخيه الى الانتحار ومن الفاعل, ويبدأ بزوجة اخيه , ثم نكون مع جمعة النوري , وحنون الذي كان مسجوناً بسبب مساعدة الجنود على الهروب, نعيش هذا التشعب في الاحداث , حيث يتبين لنا أن حنون عندما خرج من السجن , اراد الانتقام من الذي اوشى به واودعه السجن , فيكتشف ان جبران الحاج شقيق ياسر الضابط الذي مات منتحراً هو احد الذين اوشى به فسجن خمسة عشر سنة , وخرج مبتور الساق بسبب مرض الم به , وهكذا يعطيه العشبة المسمومه انتقاماً , وفي نهاية هذا النص يموت حنون وجمعة بذات العشبة انتحاراً . تكشف لنا احداث هذه القصة الواقع الغريب والكئيب في حياة اكثر كئابة , وكذلك تكشف لنا عن بيئة هي  في قاع المدينة , بيئة قذرة نتنة لاشيء فيها سوى الخمر والمخدرات , وتكشف لنا ايضاً قلة وعي الناس والاندفاع نحو الشعوذة , لكشف الطالع والرزق , والبحث عن الحبيب او الزواج بشكل يثير الاهتمام , وخطاب إنساني واضح للوقوف على هذه الظاهرة, ظاهرة تصديق الناس بالشعوذة والسحر . وفي قصة كوّة في السماء , يكشف لنا هذا النص, ماحدث بعد التغيير, حيث طغيان التيارات الاسلامية, وإنقلاب نظام الحياة, وتصرف هذه القوى نحو المصالح الشخصية من اجل الفائدة, وليس له علاقة بمسيرة ديننا الحنيف, حيث نكون مع مأمون الذي كان يعود الى بيته يترنح سكران قبل الآذان بوقت قصير, وعندما يؤذن الجامع القريب من بيتهم, من قبل المؤذن داود ابو غزيل, كان ينزعج لأنه يريد أن ينام, حتى يصل الامر الى غلق الشبابيك ولصقها بالنايلون من اجل لا يتسلل صوت المؤذن , الا أن هذا الصوت كان يتسلل رغم كل الاجراءات التي يتخذها, وبعد ان ينتمي الى حزب الامة الاسلامي  ويتعلم تجويد القرآن , وتلاوة الآذان , يتسلم مأمون اقامة الآذان في الجامع , لا أنه لم يجده اي الآذان كما كان في ذلك الزمن الجميل, إذ أن هذا الحزب وكل الاحزاب الاسلامية تعمل من اجل الوصول للسلطة, ولا تعير اهمية لمسيرة الدين, وهنا نكون مع نسيج الخطاب الديني النقي والذي تشوهت ملامحه , بسبب ثلة من الاحزاب المنتفعة والمنضوية تحت خيمته, ونلاحظ ظهور الثيمة , ورسم لملامح الشخصية كبنية أساسية في النص. اما قصة التمرين ,ففي هذا النص ايضاً  ومن خلال مدخل النص , العتبة النصية, نكون مع بطل النص مروان كما هو الحال في النصوص السابقة , وهو يخرج متأبط حقيبة , داخلها مسدس صغير, وفي النية التخلص من التاجرعبد العزيز , الذي كان شريك لوالده , وعند هبوط العملة عام 1996 خسر والده مبالغ , فإستغل عبد العزيز الوضع السيء , وفك الشراكة بعد ان استحوذ على المحل التجاري , مما تسبب في موت والده, الا انه اخفق في تنفيذ مهمته , مما حدى أن يستعين بصديقه لطيف الذي دربه على الرمي وكيفية تنفيذ , وتدور احداث تدخل ضمن محور التدريب , وينتهي هذا النص بأن يضع مروان خطواته الجديدة نحو القتل, ويستعرض لنا القاص الحياة في السنوات العصيبة التي انتشر فيها القتل وعمليات الاغتيال.

ويصف لنا الشورجة بعد فترة الظهيرة , التي تتحول الى ساحة للقتل. أما قصة إختطاف, فأنها تزجنا في عملية إختطاف جدو عبد السميع الضابط المتقاعد, والكبير في السن, من قبل أثنين من الخاطفين,لمحاولة إبتزار ولديه منير ونذير ودفع مبلغ الفدية مائة الف دولار(عشرشدات) لقاء اطلاق سراحه, الا انهما يفشلان بمهمتهما بعد ان اكتشفا ومن خلال الاتصالات أن ولديه لا يعيران اهمية لمسألة إختطافه التي بدت لهما وكأنها لعبة سخيفة مكررة, فيطلق سراحه ليعود حيث مكان اختطافه ليشتري لحفيده زيودي الحلوى التي يحبها هو منذ طفولته بسكويت مع لقم احمر, في هذا النص تبرز إشارات مهمة وعملية تنبيه الى ضرورة أن يقوم الاب بزرع معالم المحبة والحنان , وأن ينفذ رغبات عائلته  وليس رغباته وان يحفر في ذاكرتهم حبه من خلال بعض المبادرات التي تصب في تربية الابن وزرع حب الوالدين في قلوبهم.

قصة سفر فلسفي ,في هذا النص نكون مع شخصية كريم ,وهي الشخصية المحورية والرئيسية في دورة الاحداث, كما في النصوص السابقة, الا أن في هذه النص, نكتشف الحياة بعد التغيير, والذي كان نحو الاسوء, إذ أن اصدقاء كريم, إنتشرروا واغمروا في الحياة الجديدة,وانضموا الى الاحزاب والمليشيات والظواهر التي برزت في عملية التغيير, ووجد لابد له من إيجاد وسيلة للهرب من هذا العالم, الى العالم الافتراضي, وسماه السفر الفلسفي, بتغيير ملامحه واطلاق لحيته وارتداء نظارة تخفي ملامحه لكي لايتعرف عليه احد, الا ان محاولته باءت بالفشل, فقد عثر عليه صديقه سلام, وهو مجرم قتل اكثر من عشرين شخصياً ويسمى (بالصكاك)ويريد منه أن يكتب رساله موجهة للامم المتحدة يعترف فيها بكل جرائمه, لكي يريح ضميره, وبعد محاولات هروب عديدة الا انها لم تنجح, يكتب كريم الرسالة, ويظن ان الامر انتهى لكن سلام يظل يطارده, ثم يغتال سلام من قبل ثلاث مسلحين, وعندما يرى مشهد مقتله, يعود كريم الى حياته مع اخته, الا  أن شبح سلام ظل يرافقه.اما قصة شهرزاديون, التي هي تناص لموروثنا الكبير حكايات الف ليلة, فيقودنا البطل ساهر, وعبر السارد العليم, الذي هو القاسم المشترك في كل النصوص سابقة الذكر, الى حكاية عائلته آل رشيد العريقة لاصل, والتي تسكن احدى مناطق بغداد, وتمتاز تلك العائلة بأنهم حكائون(قيصخون) وان الزوج يحكي لزوجته حكايات تشبه حكايات الف ليلة وليلة, واحيانا تفعل الزوجة ايضا, وكلما كانت الحكاية جميلة وممتعة , فإن الجنين سيكون جميل عندما يولد, تداخل في هذا النص الموروث الشعبي حكايات الف ليلة, بل أن ساهر اشار الى ان حكايات الف ليلة وليلة من خيال ال رشيد, وتدور احداث هذا النص على هذا المنوال بخيال خصب, وتداخل في الحكايات داخل النص,اما قصة الوجهُ العاري داخل الحُلُم, والذي حملت المجموعة اسمها,حيث يشكل هذا النص البؤرة الرئيسية , لثيمات النصوص, كونه يعكس واقع الحياة بعد التغيير اي بعد عام 2003 , حيث سنعيش كوابيس بطل هذا النص , والتي يراها بشكل متواصل ولكن في محطات مختلفة, هم أنفسهم هؤلاء الملثمين , الذين يحملون السلاح للقتل بدون رأفة>

واغلب الاحيان يكون في تلك الكوابيس , يكون مقتولاً او معتقل, وفي هذه التركيبة الغريبة والخيال الخصب الذي تحلى به القاص احمد سعداوي, فينقل احداث كثيرة من هذا النوع وهي حصلت فعلاً في الواقع, لكنه جعل هذه الاحداث المقيتة المفزعة المرعبة, أشبه بكوابيس مرعبة , وماكان الحلم الا تعرية لهم لكشف حقيقتهم, انهم وجوه رغم انهم ملثمين, ولكن وجوهههم عارية, وقد ساد هذا النص جو من الرعب , الذي يشبه تلك الكوابيس, واستطاع ان ينقل الاحلام برؤية غريبة مركبة فاختلط الواقع مع الكوابيس , وصارت الكوابيس هي الحياة, والتي آن لنا فيها أن نعري هذه الوجوه التي مهمتها القتل . وقصة الرومانسي ,يقدم لنا القاص معالجات فنية جديدة, إذ جعل هذا النص جسد إمرأة , وقسمها الى مقاطع تحمل عناوين الجسد, قدم, ركبة, فخذ, مؤخرة, فرج, سرة, نهد, زند, كف, رقبة, شفاه, عينان, وجعل كل مقطع من هذه المقاطع في بدايته رؤية رومانسية, تتصل بالجزء المثبت على العنوان, أي أنه في القدم يزجنا في الاحداث التي تعلق فيها خليل بطل هذا النص بقدم النساء من خلال عمله في محل والده, وكيف كان يجلب لهن الاحذية ويلمس أقدامهن ويتحسس معالم الجمال في السيقان, وهو كذلك مدخل لمتابعة الاحداث التي ترتبط بحياة خليل, حيث أن عائلته كانت تملك بيت كبير, الا أن الحزب الوطني الاسلامي, استولى على المنطقة, وجعل فيها حواجز كونكريتية , وسيطرة وصار الدخول والخروج الى المنطقة معقد جداً, مما اضطر سكان هذه المنطقة, بيع دورهم لهذا الحزب بمبالغ زهيدة تساوي ربع سعر البيت, وكذلك فعلت عائلة خليل ,وتدور أحداث كبيرة جعلها متصلة بحركة الجسد واجزاءه,وكل جزء كلما تقدم, تتقدم الاحداث وتزداد سخونتها, حتى تبلغ نهايتها بقتل من تسبب في بيع البيت, وهروب خليل خارج البلاد.

وفي قصة القرار الذي يتخذه الله , نكون مع يوسف الذي يعتمد , في حياته على الخيرة , بفتح القرآن لا على التعيين , وقراءة الآية التي تقع على عينه,ويكون معناها هو المسار الذي يسير فيه, فأن تدعو للخير يسير في نيته, وان كانت شراً يعدل عن قراره, ويحسه أن قرار يتخذه الله له , وكان يعتمد في ذلك على الشيخ الراضي، الا ان الشيخ رحل عنه بعد ان اصبح عضواً في البرلمان, فحصل على مصحف صغير يستخيره في ذلك, وهي تضع امامنا مظاهر غير صحيحة, وافكار قليلة الوعي,والاحداث تدور ايضاً بعد التغيير . أما قصة شاميرام وفضيل , تنقلنا هذه القصة الى ادب الخيال العلمي, حيث سوف نشهد ما يحدث بعد عام 2040 , وهي قصة تنبؤية متخيلة, حيث يصيب هذه الارض الجفاف بسبب جفاف المياه في نهري دجلة والفرات, وتدور حرب بين العراق وتركيا, وهناك اخبار ترصد عن هجوم للارض من قبل كواكب اخرى, والبحث عن الحياة في المريخ, هذا من جانب وتكشف لنا الاحداث ايضاً العلاقة الزوجية بين شاميرام وفضيل, وقصة الحب بينهما الى غير ذلك من التفاصيل المهمة التي تصب في دورة الاحداث.

وبعد رحلتنا القصيرة هذه التي لاتعني سبر اغوار تلك النصوص بكامل تفاصيلها, وانما رؤية مختزلة عنها ,نكتشف أن المجموعة القصصية ( الوجهُ العَاري داخلَ الحُلُم) للقاص احمد السعداوي, توظيف لقيم الجمال في التناول السردي لفن صناعة القصة, وكشف كبير عن وقائع حدثت بعد عام 2003 تستحق التدوين, وهي اشارة لاعادة فن صناعة القصة الطويلة, إضافة الى التنوع في إستخدام الانماط الادبية المتبعة في هذا الفن , الواقعية الغرائبية, الواقعية العجائبية, الواقعية الانتقادية, الخيال العلمي, إضافة الى توظيفه للاحلام والكوابيس, والموروث الكبير حكايات (الف ليلة وليلة), انها رحلة موفقة بين الواقع والخيال والجمال.

من اصدارات – الرافدين – لبنان – بيروت – الحمرا- بغدد – شارع المتنبي عمارة الكاهجي – الطبعة الاولة لعام 2018

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here