يوسف عبدالله محمود: المفكر الراحل محمود العالم يروي ذكرياته مع عبد الناصر

 

 

يوسف عبدالله محمود

محمود أمين العالم -رحمه الله- من ارفع القامات الفكرية المعاصرة ، لا في وطنه مصر، بل في جميع انحاء الوطن العربي. محمود امين العالم أثرى المكتبة العربية بعشرات المؤلفات والدراسات إن في الأدب او النقد او السياسة. عاش هذا المفكر المرحلة الناصرية بكل ما شهدته من انجازات وطنية عملاقة. اعتنق الفكر الماركسي بعد ان كان مثالياً في توجهاته المبكرة، اعتنقه بعد ان قرأ الجدلية المادية والتاريخية لدى لينين وانجلز وماركس، وجد نفسه فيها كما يقول. اقتنع بالماركسية لأنها تؤمن ب”التغيير”.

في حوار معمق اجراه معه المفكر عمر بطيشة أفرغ فيه العالم بَوحاً وجدانياً عن حياته بعنفوانها وصخبها. أيد ثورة 23 يوليو 1952 التي اخرجت بلاده من الاستبداد الى الاستقلال. وفياً ظل على امتداد حياته لمبادئه.

مما قاله وهو يفرغ مخزونه الوجداني: بقينا كماركسيين اوفياء للرئيس عبد الناصر رغم زجّه لنا في السجون لأننا آمنا بمشروعه الوطني بينما -والكلام له- “خانه من كان حوله”.

مقولاته: الانسان كينونة وصيرورة.

أحب محمود العالم عبد الناصر لا لمنصب كان يطمع فيه ولا لجاهٍ ينشده، بل لأنه رأى فيه الزعيم الوطني الحقيقي لبلاده.

ومع ذلك انتقده حين تسرّع في إقامة وحدة اندماجية مع سوريا كان يريدها محمود العالم وحدة فدرالية او كونفدرالية. انتقاده هذا أدّى الى سجنه مع رفيقه د. عبد العظيم أنيس خمس سنوات عجاف ذاق خلالها المُرّ.

المفاجأة كانت -وكما ذكر في الحوار الذي أجري معه- انه بعد الافراج عنه استدعاه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وسأله عن مرارة السجن، فرد عليه قائلاً: تمنيتُ ايها الرئيس لو كنت خارج السجن لاشارك في الانجازات الوطنية التي قُمتَ بها. هذا ما حز في نفسي. أنا -والكلام له- لم أكن في يوم من الايام ضد الوحدة العربية بل من الحريصين عليها. أما الوحدة التي أقمتها مع سوريا أيها الرئيس، فلم تأخذ بعين الاعتبار واقع التنمية في مصر المختلف عن الواقع السوري. فالتنمية في مصر تقوم على ماء نهر النيل بينما في سوريا تقوم على الامطار. وشتان بين تنميتين.

احترم الزعيم عبد الناصر -رحمه الله- وجهة نظر العالم، واصطفاه صديقاً مخلصاً ثم أسند اليه رئاسة ادارة جريدة اخبار اليوم لثقته في وطنيته وغيرته على وطنه ومازحه قائلاً: لا تحولها الى “برافدا”، ظل محمود العالم في هذا المنصب يكتب مقالاً يومياً في الجريدة دون ان يسمح لأحد ان يحول دون نشره الى ان فؤجيء ذات يوم بسامي شرف من رموز الحكم يقول له: مقالك الجديد اليوم عليك ان تغيره، وكان الراحل عبد الناصر حينها في الجزائر، وَمَن يدير الحكم نائبه المرحوم انور السادات. بالطبع رفض العالم تغيير المقال، وأعلن استقالته.

وكما ذكر في حديثه لعمر بطيشة، بعدها، تصدر مقال لمحمود حسنين هيكل جريدة أخبار اليوم يشير فيه الى ان محمود العالم كان فاشلاً في ادارة الجريدة التي تكبدت الكثير من الخسائر.

وكما يشير فحين علم عبد الناصر بما حصل أسف كثيراً.

وقبل حرب 1967 بايام -وكما ذكر- طلب منه الرئيس عبد الناصر ان يغادر الى الخارج، فغادر الى فرنسا استاذاً في احدى جامعاتها.

وعن وفاة عبد الناصر يورد العالم معلومات صادمة إنه والطبيب المعالج للرئيس فوجئا بالوفاة السريعة الى حد جعل الطبيب من شدة الألم يصرخ لدى استفسار العالم منه عن سرعة الوفاة قائلاً: “لقد قتلوه”!

هذا ما يذكره محمود العالم.

وفي انتقاده للسادات -رحمه الله- يقول: حين طلبت منه ان يواصل حرب الاستنزاف بعد عام 1971 و1973 أجابني: ان استمرارها يجعل اسرائيل تستهدف السد العالي!

يبقى ان اقول إن محمود امين العالم قامة فكرية قلّ نظيرها في أيامنا هذه. لم ينافق او يتسلق. آمن بالانسان القادر على صنع التغيير. وفياً لزعيم خدم وطنه وعروبته. لم يمهله القدر ليواصل نضاله الوطني.

أخلص له في حين “خانه من حوله”.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here