يوروبا ليغ: بريق الرياضة في أذربيجان يخفي خلفه فسادا وانتهاكات

باكو (أ ف ب) – ستكون المباراة النهائية لمسابقة الدوري الأوروبي “يوروبا ليغ” في كرة القدم الأربعاء على الملعب الأولمبي في باكو، الأحدث في سلسلة من الأحداث الرياضية التي تستضيفها أذربيجان سعيا لتلميع صورتها السياسية التي تطغى عليها اتهامات بانتهاك حقوق الانسان والفساد المستشري.

من دورة الألعاب الأوروبية 2015، الى جائزة كبرى سنوية ضمن بطولة العالم للفورمولا واحد، وصولا الى النهائي القاري بين أرسنال وتشلسي الإنكليزيين… أنفقت الدولة الغنية بالنفط والمطلة على بحر قزوين، مبالغ مالية طائلة لفرض حضورها على الخريطة الرياضية العالمية.

وبعد نهائي المسابقة الأوروبية الثانية من حيث الأهمية على صعيد الأندية، ستبدأ باكو مبكرا التحضير لتكون إحدى المدن الـ12 التي ستستضيف مباريات ضمن البطولة الأهم للمنتخبات على صعيد القارة، كأس أوروبا 2020.

ويقول وزير الرياضة أزاد رحيموف لوكالة فرانس “كل حدث من هذه الأحداث يعزز حضور أذربيجان على الخريطة العالمية، ويخلق الظروف لتعزيز السياحة”، مشيرا الى أن “83 مليون شخص شاهدوا (عبر الشاشات التلفزيونية) جائزة باكو الكبرى في الفورمولا واحد عام 2018”.

لكن المنظمات غير الحكومية المدافعة عن حقوق الإنسان، ترى في هذه الأحداث محاولة من الجمهورية السوفياتية السابقة التي يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة، لحرف الأنظار عن القمع السياسي والفساد الذي تفشى خلال حقبة عائلة علييف التي يحكم أحد أفرادها البلاد منذ 1993.

وتقول كايت ألن، مديرة المملكة المتحدة في منظمة العفو الدولية (“أمنستي”) “علينا أن نضمن ألا يسمح لأذربيجان باستخدام الرياضة لتبييض سجلها المروع في مجال حقوق الإنسان”.

وبحسب تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية العام الماضي، فإن “43 مدافعا عن حقوق الإنسان، وصحافيا، وناشطين سياسيين ودينيين، لا يزالون محتجزين من دون وجه حق”، مشيرة الى انتهاكات أخرى تشمل “التعذيب الممنهج، التدخل غير المبرر في عمل المحامين، والقيود على حريات وسائل الإعلام”.

ووفق منظمة الشفافية الدولية، صنفت أذربيجان في المركز 152 من أصل 180 دولة في مؤشر الفساد.

– “إرث” لشعب “يحب كرة القدم” –

وبحسب الصحافية المعارضة خديجة اسماعيلوفا التي أمضت فترات طويلة في السجن لكتاباتها وتحقيقاتها، فإن “قادة الدول الاستبدادية يحبون تنظيم أحداث ضخمة. هذه هي نزوتهم”.

وتتابع “المشاريع تفسح المجال أيضا أمام الفساد (…) الشركة التي تنظم سباق الفورمولا واحد في باكو يملكها نجل وزير الرياضة. هذا فساد مقنع”.

وردا على سؤال بهذا الشأن، دافع رحيموف عن “دبلوماسية الرياضة” التي تقدم عليها بلاده، معتبرا أنها “إرث سيترك للشعب”.

ويتابع “يمكننا أن نقول بفخر أن البنى التحتية الرياضية تخدم الشعب”، متحدثا على وجه الخصوص عن الملعب الأولمبي، وقاعة الجمباز الوطنية في باكو، و”القصر المائي” المخصص لمنافسات السباحة.

وبنيت كل هذه المنشآت خصيصا لاستضافة الألعاب الأوروبية في 2015، وهي دورة موسعة برياضات مختلفة مخصصة لرياضيي القارة.

وتقدر التقارير أن حكومة أذربيجان أنفقت ما يناهز مليار دولار لإقامة هذه الدورة، على رغم أنها حظيت باهتمام محدود عالميا.

أما الملعب الأولمبي الذي تبلغ سعته نحو 68 ألف متفرج، فيستضيف عند الساعة 19,00 بتوقيت غرينيتش مساء الأربعاء نهائي مسابقة يوروبا ليغ، ومن المقرر أن يستضيف مباريات من الدور الأول وربع النهائي ضمن بطولة كأس أوروبا في حزيران/يونيو وتموز/يوليو 2020.

لكن استثمار أذربيجان في الرياضة لا يقتصر على تنظيم الأحداث.

فشركة النفط الوطنية “سوكار” تعد من الرعاة الأساسيين للاتحاد الأوروبي لكرة القدم (ويفا) منذ العام 2013، كما أن شعار البلاد “أرض النار” كان مطبوعا لفترة على قمصان لاعبي فريق أتلتيكو مدريد الإسباني.

الانتقادات بحق باكو لم تقتصر على الجانب السياسي. فقد وجه طرفا المباراة النهائية القارية أرسنال وتشلسي، انتقادات للاتحاد الأوروبي على خلفية إقامة المباراة في عاصمة أذربيجان نظرا لصعوبة انتقال مشجعيهما إليها، وارتفاع كلفة حضورها أكان لجهة السفر أو تذاكر الملعب.

والأسبوع الماضي، أعاد الناديان نحو نصف عدد التذاكر المخصصة لهما (مجموعها 12 ألف تذكرة) لعدم تمكنهما من بيعها، كما أن لاعب أرسنال الأرميني هنريك مخيتاريان لن يشارك مع فريقه في المباراة النهائية، بعدما آثر عدم الانتقال الى أذربيجان في ظل التوتر السياسي بينها وبين بلاده لاسيما النزاع حول إقليم ناغورني قره باخ.

ودخلت أذربيجان وأرمينيا في صراع حول هذه المنطقة منذ استولى الانفصاليون الأرمن على الإقليم في حرب أسفرت عن مقتل قرابة 30 ألف شخص في أوائل التسعينات. وتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في عام 1994. وهددت أذربيجان الغنية بالطاقة ويتجاوز حجم إنفاقها العسكري موازنة دولة أرمينيا كاملة باستعادة المنطقة بالقوة. لكن أرمينيا المتحالفة مع موسكو تعهدت صد أي هجوم عسكري. وكاد تبادل إطلاق نار في الاقليم عام 2016 ان يؤدي الى اندلاع الحرب مجددا.

رغم كل ذلك، كان رئيس الاتحاد القاري للعبة السلوفيني ألكسندر تشيفيرين أبرز المدافعين عن قرار اختيار باكو لاستضافة النهائي.

وقال الأسبوع الماضي لمجلة “در شبيغل” الألمانية، إن هذا الخيار يعود الى “وجود ناس يقيمون هناك ويحبون كرة القدم”.

أضاف “وضع حقوق الإنسان مشكلة، لكنه مشكلة أيضا في دول أوروبية أخرى. هل يعني ذلك أنه لا يحق للمشجعين في باكو أن يعيشوا كرة القدم؟”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here