يقولون إن الفلسطينيين دائما يرفضون

 

 

عبد الستار قاسم

تتردد في أوساط الأعداء الصهاينة ومن والاهم من أنظمة العرب السياسية بخاصة أنظمة الخليج مقولة أن الفلسطينيين رفضوا كل الحلول التي تم تقديمها لهم لإحلال سلام في المنطقة وإقامة كيان لهم يتمتع بالاستقلال، وهم يتحملون مسؤولية هذا الرفض الذي يؤدي إلى مزيد من المعاناة والأحزان لهم، واستمرار تشردهم. وكان أبو منشار (محمد بن سلمان) آخر من تفوه بهذا الكلام وهو في الولايات المتحدة وكأنه يعرف بالتاريخ.

أقوالهم غير منطقية وغير صحيحة. بداية أطرح السؤال: من هو الذي لديه الاستعداد للمساومة على وطنه، والتنازل عن أي جزء منه؟ الحقيقة التاريخية واضحة أن الصهاينة هم الذين غزونا في عقر دارنا فلسطين بمساعدة بريطانيا المجرمة.  تكالب أهل الغرب علينا وقدموا كل أنواع الدعم للصهاينة وانتزعوا منا أرضنا وشردوا شعبنا، وبالتعاون مع عصبة الأمم بداية والأمم المتحدة فيما بعد. وإذا كان هناك من يقول إن لليهود حقا في فلسطين، فإن عليه أن يعيد ترتيب العالم وفق الأساطير القديمة التي تميزت بحركة الشعوب وتنقلها من منطقة إلى أخرى. ثم أن اليهود مروا في فلسطين لفترات متقطعة، ولم يكونوا أبدا سكانها الأصليين. والرومان (أهل الغرب) هم الذين طردوا اليهود نهائيا من فلسطين وحرّموها عليهم.

لم يكن من حق الحاج أمين الحسيني، قائد الفلسطينيين قبل عام 1948 أن يتنازل عن أي جزء من فلسطيني ولم يكن لديه الاستعداد للقيام بذلك. ولم يكن لدى الشعب الفلسطيني الاستعداد للتنازل والاعتراف بحق غير الفلسطينيين بأي جزء من بلادهم. هكذا كان الموقف الفلسطيني حتى جاءت منظمة التحرير الفلسطينية لتغدر الشعب وتقدم التنازلات التي أثمرت المزيد من الأحزان والآلام للشعب الفلسطيني.

الأنظمة العربية غدرت الشعب الفلسطيني عام 1948 وأثناء الحرب. تقدمت الجيوش العربية في بداية الحرب، وتراجع جيش الصهاينة على الرغم من أن عدده وعدته كانت تفوق عدد وعدة الجيوش العربية. تقدم الجيش المصري في جنوب فلسطين، والتقى الجيش الأردني في منطقة بيت لحم، واندفع الجيش العراقي نحو حيفا. وحرر الجيشان اللبناني والسوري بعض مناطق شمال فلسطين. فهرع أهل الغرب وأملوا على الحكام العرب وقف القتال لمدة شهر لفسح المجال “للتفاهم”. زود أهل الغرب أثناء هدنة الشهر الصهاينة بمزيد من الأدوات القتالية، وحذروا الأنظمة العربية من التقدم، وأصروا على انكفاء الجيوش العربية. زود الملك فاروق الجيش المصري بأسلحة فاسدة وتمكن الصهاينة من حصار الجيش المصري في الفالوجة، وتسلمت قيادات الجيوش العربية، وفق ما كان يقوله الضباط العراقيون للسكان، خرائط جديدة تحدد خطوط وقف إطلاق النار. وبناء على ذلك، تراجع الجيش الأردني وسلم اللد والرملة وغرب القدس  للصهاينة، والذي سلم بعد ذلك منطقة المثلث للكيان الصهيوني، وتراجع الجيش العراقي من مناطق حيفا وطولكرم، لكنه تمكن من المحافظة على مدينة جنين التي حاول الصهاينة احتلالها.

قررت الأمم المتحدة بغير وجه حق، وبدون نصوص خاصة بتقسيم أوطان، تقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية وذلك وفق القرار رقم 181 لعام 1947. خصصت الأمم المتحدة 53% من المساحة للأقلية اليهودية في فلسطين، و 44% للأغلبية الفلسطينية، وأبقت على منطقة القدس وبيت لحم منطقة مدوّلة.

بعد الحرب، استولى الصهاينة على حوالي 77% من مساحة فلسطين الانتدابية (أي التي صنعها الانتداب البريطاني المشؤوم) وتجزأ الباقي إلى الضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة صغيرة ثالثة اسمها الحمة والتي بقيت جزءا من سوريا الصغرى واحتلها الصهاينة عام 1967. تجاوز الصهاينة قرار الأمم المتحدة الذي دعمته الدول الكبرى في حينه مثل أمريكا والاتحاد السوفييتي، ولم يرفع أحد صوته ضد هذا التجاوز، ما يشير إلى تآمر الجميع على فلسطين وشعبها، وكان الصهاينة قد أعدوا لطرد الفلسطينيين من وطنهم وذلك بالقيام بمجازر ضد بعض القرى والمدن لكي يرتعب الناس فيغادرون خوفا من القتل. قتلوا الناس في دير ياسين وحيفا والدوايمة والطنطورة ومسجد دهمش في اللد وغير ذلك، فهرب الناس وتشردوا ليصبحوا لاجئين في أراضي بلاد الشام المجاورة . وماذا فعل العالم لإعادة اللاجئين إلى وطنهم؟ اتخذت الأمم المتحدة قرارا هزيلا عام 1948 يدعو الكيان الصهيوني إلى السماح للفلسطينيين بالعودة في أقرب وقت ممكن. الصهاينة لم يسمحوا، وأقرب وقت ممكن لم يأت بعد والعالم لم يتصرف. يحظى كل اللاجئين في العالم بتأييد الدول لعودتهم إلى بيوتهم وممتلكاتهم إلا اللاجئين الفلسطينيين. أغلب الدول تتجاوز حقهم في العودة، وتنهمك بالبحث عن حل على حساب اللاجئين. ودول العالم تنشغل بالحفاظ على أمن الكيان الصهيوني بمن فيها روسيا، ولا تعير انتباها للأمن الفلسطيني.

ما هي الحلول التي طرحها العالم وتحافظ على حقوق الشعب الفلسطيني؟ لا يوجد إطلاقا. كل الحلول التي تم طرحها كانت على حساب الشعب الفلسطيني، فكيف يقبل الفلسطينيون؟ تجرأت منظمة التحرير على الحقوق الفلسطينية واعترفت بالكيان الصهيوني وجندت نفسها دفاعا عن الكيان، وعلى ماذا حصلت في المقابل؟ حصلت على الإهانات والإذلال مقابل بعض المال لربانها. استمر الصهاينة بالاستيلاء على المزيد من الأراضي وبناء المستوطنات وملاحقة الفلسطينيين أينما ثقفوا وبمساعدة الدول الغربية.

(لو) كان للفلسطينيين أن يقبلوا طروحات أهل الغرب، لما توقفوا هم والصهاينة عن الاستمرار في الزحف على كامل التراب الفلسطيني. وأكبر دليل على ذلك أن الفلسطينيين لم يحصلوا على أي جزء من حقوقهم التاريخية الثابتة على الرغم من أن منظمة التحرير قد قدمت كل التنازلات المطلوبة أمريكيا وإسرائيليا فألغت الميثاق الوطني الفلسطينية واعترفت بالكيان الصهيوني وأخذت تدافع عن الأمن الصهيوني. إنكار حق اللاجئين ما زال مستمرا، وكذلك مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات، وملاحقة الفلسطينيين على كافة المستويات.

والأهم أن الفلسطينيين لم يتأخروا في إعلان استقلالهم وتشكيل حكومتهم بعد هزيمة عام 1948، لكن مصر بقيادة الملك فاروق احتجزت الحاج أمين الحسيني قائد الفلسطينيين حينئذ، وأرسلت قوات مصرية إلى قطاع غزة واعتقلت أعضاء الحكومة الفلسطينية، وقضت على الاستقلال الفلسطيني. والآن وبسبب أن الحكومات العربية أكثر انحطاطا وسفاهة من تلك التي كانت في أواخر الأربعينات والخمسينات، ستدمر الاستقلال الفلسطيني إن حصل.

اكاديمي وكاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. إقتباس :(أطرح السؤال: من هو الذي لديه الاستعداد للمساومة على وطنه، والتنازل عن أي جزء منه؟)
    السؤال موجه الى الامير ابو منشار الذي انتقد رفض الفلسطينيين التنازل عن ارضهم للعدو الغاصب ؛ لماذا لا تعيد الاراضي اليمنية التي انتهى عقد تأجيرها للسعودية منذ فترة قريبة ؟ (عسير وجازان ونجران الى ابها) اليمن دولة عربية شقيقة موحدة و جارة (يعني من العب للجيبه) ، وليس دولة اسرائيلية صهيونية احتلت اراضي الغير بقوة السلاح .

  2. سلمت يا دكتور ، كلامك كله حقيقه ، من قال من العرب أن الفلسطينين دوما يرفضون ، هم لا يفهمون معنى الوطن أو قيمه الوطن ، لو كانوا مكان الفلسطينين لاندثروا منذ زمن وباعوا أنفسهم بأبخس الأثمان . نعم ، سنبقى نرفض ونرفض ونرفض . مقوله أن الفلسطينين دائما يرفضون هي في أصلها اسرائليه صهيونيه بدأها أبا ايبان عندما قالها بالأنجليزيه في الأمم المتحده عندما كان مندوبا لأسرائيل ، Palestinians neve lose opportunity to lose opportunity . الآن تبناها العرب دون أن يفهموا أصلها ومعناها وكرروها كالبغبغاء . فشلت اسرائيل والغرب منذ أكثر من سبعون عاما من انهاء الشعب الفلسطيني فأوكلوا الأمر للعرب ليقوموا بالمهمه وسوف يفشلون ، وسيبقى الفلسطيني شوكه في حلوقهم حتى لو كان مشردا أو سجينا أو مهجرا أو صامدا راسخا في أرضه مثل حضرتكم ، ولك ألف تحيه ومحبه .

  3. مقاله ممتازه ويجب أن يكون لها تتمه لشرح اللي صار بعد عام ٤٨. إسرائيل هي اللي هاجمت مصر واحتلت أراضيها عام ٥٦ و٦٧. وبعديها حاربت مصر عام ٧٣ لاسترداد سيناء. إذا لم تكن أي حرب من أجل الفلسطينيين. وبعديها خلت غزه تواجه مصيرها رغم أن الوجود المصري فرض على غزه وسقطت غزه وهي تحت الوصايه المصريه تماما كما حدث مع الضفه التي هي الأخرى كانت تحت الوصايه العربيه عندما سقطت. في كلا الحالتين منع العرب اقامه أي كيان فلسطيني على ما تبقى من أرض فلسطين وعند ما احتلت الضفه وغزه التي كانت تحت حكمهم قالولنا هذه الآن قضيتكم ومشكلتكم وإحنا ما إلنا دخل وبعديها راحوا وقعوا إتفاقيات سلام مع اسرائيل ومنعوا الفلسطينيين من العمل المسلح من أراضيهم وحموا حدود إسرائيل . هذه هي ما يجب أن يسمى مرحلة الوصايه العربيه على القضيه الفلسطينية والتي لم تجلب لنا سوى الخراب. لقد استخدم الحكام العرب القضيه الفلسطينية لتثبيت حكمهم واوجدوا فصائل ومنظمات فلسطينيه مواليه لهم مستغلين وجود اللاجئين في بلدانهم وفرقوا كلمه الفلسطينيين وبكل وقاحة أدعوا أن هذا دعم للفلسطينيين والآن كل حاكم او نظام فاشل يريد تثبيت حكمه يحاول إرضاء إسرائيل وأمريكا على حسابنا ويقولوا ان القضيه منعتهم من التقدم وكأن التقدم لا يأتي إلا من إسرائيل.
    الخطوه الاولى لتحرير فلسطين هي بابعاد الحكام العرب عن قضيتنا حتى لا تكون ورقه مساومه لهم من أجل مصالحهم الضيقه. هذه مسؤوليه السلطه التي تدعي حكم الفلسطينيين. السلطه بإمكانها عمل الكثير. من الذي يمنعهم من قطع العلاقات مع البحرين مثلا حتى نسحب هذه الورقة منهم وجعلهم عبره لمن يحاول الغدر بالفلسطينيين. المساعدات من الدول العربيه قليله ولها ثمن سياسي كبير. قطع العلاقات مع هذه الدول سوف يضع النقاط على الحروف ويكشف الأقنعة وبعدها لنرى مواقف الشعوب ونعرف من هو الشعب الصديق من العدو بدل إيهام الفلسطينيين بأن العرب يساندون قضيتهم ولكن الواقع أن غالبيه الشعوب لا تساندهم او لا تبالي. هذا سيدفع الفلسطينيين للاعتماد على أنفسهم فقط وبمساعدة بعض الدول فقط. من هنا يبدأ التفكير العملي وربما من هنا يأتي الخلاص.

  4. متى يا ترى سينصف التاريخ الفلسطينيين؟ منذ مائة عام لم يلق الفلسطينيون إلا الغدر والظلم الصارخ والجحود من العالم أجمع ومن العرب خاصة . في تقديري أن سبب ذلك يعود إلى تخلف الشعوب العربية التي تشبه قطعانا من الأغنام تعيش في مزارع تسمى زورا وبهتانا ب”دول” ولا تملك هذه الشعوب من أمرها شيئا والأسوأ من ذلك أن وعي هذه الشعوب قد غيب وأصبحت تجهل تاريخها وواقعها واستكانت واستسلمت لجلاديها .
    الأمل أن يأتي يوم تفيق هذه الشعوب من سباتها العميق وتملك زمام أمرها وعندها فقط ستنتصر الأمة للشعب الفلسطيني المظلوم ولا يتجرأ العالم الظالم على حقوقنا كما حصل في الماضي وكما يحصل الآن.
    متى سيأتي ذلك اليوم؟ بل هل سيأتي؟ الله وحده يعلم …..

  5. من لا ثوابت له لا امان له فقد كان العرب في الجاهلية يصنعون اصناما من العجوة وان جاعوا اكلوها، و م.ت.ف كان صنمها وما زال وهما يسوقونه “من يهن يسهل عليه الهوان”. ومذ تخلينا عن هويتنا الاسلامية اصبح لا يجمعنا جامع.
    واقتبس من مقال د. عبد الحي زلوم “فلسطين معروضة للبيع..”
    “”” وصلنا الى ما نحن فيه خلال قرنيين بدأ أولهما بدراسات معمقة علمية من علماء المستشرقين بالتآلف مع الحركات التبشيرية . توصلوا ان هيمنة الغرب على العالم العربي بل والاسلامي تتم عن طريق طمس الهوية الجامعة التي وحدت الاعراب وجعلتهم أمة واحدة سادت وهيمنت على العالم من الصين حتى الاطلسي وقدمت للعالم انجازات علمية وثقافية لا ينكرها أحد. وبفقدان تلك الهوية الجامعة التي فجرت الطاقات سيتم ارجاعهم الى اعراب كما كانوا . فتم تفتيت والغاء الهوية الجامعة بهويات جزئية اثنية وطائفية ومذهبية وقومية وبذلك اشعلوا اخطر خطرٍ تتعرض له اي أمة وهو اقتتال الهويات الجزئية داخل الامة مما اشعل عملية التدمير الذاتي التي نراها اليوم. عملية تفتيت الهوية كانت في القرن التاسع عشر أما بداية صراع الهويات الجزئية فبدأ منذ سايكس بيكو حيث تم تنصيب القبائل والعوائل بثقافاتها وتقاليدها لتكون هي الهوية. انا وبوضوح اتكلم عن الحضارة العربية الاسلامية”””
    وانهي بقول سيدنا عمر “نحن قوم اعزنا الله بالاسلام وان ابتغينا العزة بغير ذلك اذلنا الله”

  6. نعنم أستاذي الكبير
    الثورة والمنظمة والسلطة أدوات صهيونية لإنضاج الناس ليتنازلوا
    إذا كان نجاح الثورات يقاس بأهدافهاالحقيقية فإن ما سمي بالثورة الفلسطينينة أنجح ثورة في التاريخ
    فقد مكنت اليهود من كامل أرض فلسطين وأعطتهم الشرعية عبر أنهار من دماء الشهداء البررة الذين
    كانوا وقود المؤامرة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here