يعقوب بن محمد بن غنيم الرحبي: التطبيع الفاشل  

يعقوب بن محمد بن غنيم الرحبي

في واقع الأمر بأن التطبيع الذي تم بين إسرائيل و بعض الدول العربية هو أقل ما يوصف بأنه لا يسمن ولا يغني من جوع ، لكل الأطراف ويعتبر  فاشل بكل ما تعنيه الكلمة، سواء كان من الجانب الأسرائيلي أو من الجانب الآخر، لعددة أسباب :

ـ أولا: ما قامت به إسرائيل من تطبيع مع هذه الدول لا يحميها من الجبهة الداخلية، و لايحقق لها الأمن أطلاقا،و لا أي  انتصارات، طال الدهر أم قصر ، لان هذه الدول ليست لها أي إرتباط أمني بإسرائيل ولا بينهم  حدود جغرافية، تبعد هذه الدول عنها بألاف الكيلو مترات ،ولم تكن هذه الدول في يوم من الأيام تمثل خطرا على أسرائيل، أو حصل منها تهديد  لا من قريب ولا من بعيد ، بل كانت بالعكس تعمل مع أسرائيل من سنوات خلف الكواليس ، وتقول للفلسطينين تطمنوا نحن معكم ومع قضيتكم ، وطبعا خلونا صريحين ونتحدث بكل شفافية ، هذا حال معظم الدول العربية للأسف الشديد ، والفرق بين ما كانت عليه وبين اليوم هو ظهورها على العلانية ، هذا ما لم نكن نتوقعه.

ـ ثانيا: كان الأولى على إسرائيل أن تؤمن الجبة الداخلية على حدودها، وهي أكبر جبهة تهددها، وأهمها  فصائل المقاومة الفلسطينية ، ومن الجانب الآخر حزب الله،  وكان جدير بها بل ومن  المفترض أن تضع حل لهذه الجبهات المشتعلة ، وإن كان هذا الحل يكمن في تقديم  بعض التنازلات من قبل إسرائيل ، إلا أنه يعتبر انتصارا لها  لأنها حققت أمن الوجود ، و يجب أن يكون من أولويات الدولة الاسرائيلية ، كي يعيش الجانبين  في أمن، فالتطبيع من أجل السلام خارج حدود الوطن ومع دولة لا تهدد أمن الأخرى، لا جدوى منه أطلاقا .

ـ ثالثا: اذا كانت إسرائيل تهدف من هذا التطبيع هو إنتعاش إقتصادها‘ فأنها غبية جدا ، لانك لو سألت محللا سياسيا أو اقتصاديا لقال:  الأمن والإستقرار مقدم على الإقتصاد، لأن  الإقتصاد مرتبط إرتباط وثيق بالأمن ، وترامب شيطان غبي، لأن وجود إسرائيل في الخليج ليس من مصلحة أمريكا اقتصاديا ولا أمنيا لعدة عوامل لا يسع المجال لذكرها ، وأصلا العرب لم يحققوا اقتصادا قويا لأنفسهم ، فكيف لغيرهم ، إلا اذا عملت إسرائيل  كما تعمل أمريكا اليوم  تسرق النفط بالقوة فهذا شيء آخر .والتطبيع من الجانب الآخر، اذا كانت هذه الدول تهدف من خلال هذا التطبيع إنتعاش إقتصدها ، فهي حالها كحال الذي يجري خلف السراب فيظن  العرب إنه ماء فيجرون خلفه ، ولم يصلوا اليه، فإن إسرائيل حالها كحال السراب بالنسبة للعرب،  لأن إسرائيل لا يمكن أن تسعى الى تنشيط إقتصاد العرب، وانما ستنهب ثرواتهم بإتفاقيات أمنية وعسكرية واهمة ، وخير دليل على من سبقوكم رجعوا الى الوراء لأكثر من عشرون عاما ، فهم يعيشون اليوم في فقر مدقع.

وإذا كان الهدف من وجود إسرائيل في الخليج لتدافع عنهم ضد إيران أو تركيا هذا في الحلم فقط ، فإن إسرائيل تنتهج نفس السياسة الأمريكية، فهي غير مستعدة أن تدافع عن العرب وتقدم جيشها ومالها من أجل عيون العرب، الأن السياسة تغيرت ،وسياسة الولايات المتحدة تغيرت ، وهذا ثبت إثناء هجمات أنصار الله على المملكة العربية السعودية الشقيقة ، وبالأخص عندما دمرت شركة ارامكو النفطية، التى هي مصدر رزق للسعوديين والأمريكان.

أما الأخوة الفلسطينيون أتمنى بأنهم استوعبوا الدرس، وفهموا بأن رهانهم على العرب وعلى الولايات المتحدة الأمريكية  في نصرة قضيتهم كان رهان خاسر ، والإنقسام بين حماس  وفتح  وباقي الفصائل هو من الأمور التى  أضعفت قضيتهم، والفساد الذي ينخر الأمة العربية ، جعلهم مستضعفين في الأرض ، وجعل قضيتهم تهمش من قبل المجتمع الدولي ، ومن الأمور المهمة التي يجب أن يفهمها الإخوة في حماس وفتح بل وجميع الفلسطينين  هو إصلاح البيت الفلسطيني من الداخل ، لتتم الوحدة وتقوية الجبهة الداخلية في المقاومة ، وأن يعلموا بأن إتفاق اوسلو و ما كانت تقدمة الولايات المتحدة الأمريكية من دعم للسلطة هو من أجل تخديرها و للركوع إلى المفاوضات والإستسلام والتنازل عن الثوابت.

وهذا التضح اخيرا في صفقة القرن وفي قرارات ترامب التى كشر فيها عن أنيابه القبيحة للعرب ، اليوم يتطلب من الفلسطينين توحيد صفوفهم وتقوية الجبهة الداخلية، كي تركع أمامها أمريكا وأسرائيل للمفاوضات، كما ركعت أمريكا أمام المفاوضات مع حركة طالبان ،قبل حوالي عشرون عاما قامت أمريكا بحملة شرسة ضد حركة طالبان ، وجمعت أكبر قوة عسكرية كي يتم القضاء عليهم وطاردتهم شرق البلاد وغربها، وهدمت الجبال على رؤسهم ورفضت التفاوض معهم لأنها صنفتهم منظمة إرهابية مرتبطة بتنظيم القاعدة، وبقيت طالبان تقاوم أكبر قوة الشر على جبال ( تورا بورا ) في نهاية المطاف ، ركعت أمريكا للتفاوض  معهم بعد إن تكبدت خسائر بشرية وإقتصادية تفوق الخيال، ورات نفسها مطوقة لا تتحمل البقاء في أفغانستان، أما طالبان لم تتأثر، بل بعكس ذلك تقوت جبهتها وظلت تضرب في عمق القواعد والمعسكرات الأمريكية ،والسوأل المهم الذي يتبادر للأذهان،  لماذا أنتصرت طالبان على أكبر قوة عسكرية  وأين يكمن سر ذلك ؟

من وجهة نظري وقرأتي للواقع لا أرى طالبان تمتلك قوة عسكرية كبيرة، ولا تقنية حديثة ، ولم تكن لديها خبرة عسكرية للقتال ، كما تمتلك أمريكا وأعوانها ، لكن طالبان انطلقوا يقاتلون من مبدأ عقيدة قوية وإيمانا راسخ ، ألا وهو الإيمان القوي بالله وتحكيم  شرع الله، فكانت أوامر الله ورسوله وثقتهم بالله تتجسد في كل حياتهم من أقوال وأفعال ، وكان كتاب الله لا يفارقهم ابدا ، يقاتلون بعزة، وهم متيقنون من النصر، رغم أن العالم بأكمله وقف ضدهم وفي مقدمتهم الدول العربية،  تلبيتا لنداء أمريكا، من لم يكن معنا فهو ضدنا، وكانوا يطلقون عليهم بأنهم شعوب متوحشة ومتخلفة ، كان لي ألشرف بأن التقيت ببعض منهم ،وجدتهم أتقياء عباد ، قيام ليلا وصيام نهار ، زهاد في الدنيا لا يهمهم زخرفها، قلوبهم متعلقة بربهم ، لا يتقاتلون أويتهافتنون من أجل المناصب، لذلك اليوم أكبر قوة في العالم تعترف بهم، وتتفاوض معهم، وكان وزير الخارجية الأمريكية يقف بجانب أحدهم ليحصل على شرف التصوير معه ، رغم أنف ترامب وأعوانه في العاصمة القطرية الدوحة ، بل و يفرضون شروطهم وعلى رأسها خروج الولايات المتحدة من أفغانستان، وإقامة دولة الخلافة الإسلامية، وأن دينهم من الثوابت وهو خط  أحمر لا يمكن المساس به.

إنها المقاومة والصبر والإيمان بالله، هكذا يجب على الفلسطينين اليوم أن يعلموا بأن رهانكم بغير الله رهان خاسر، وانقسامكم وأنتم تنتظرون النصر لقضيتكم رهان خاسر، واعتمادكم على العرب والولايات المتحدة الأمريكة لحل قضيتكم رهان خاسر، كما ثبت لكم الأن، لذا يخاطبكم الله قائلا (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ صدق الله العظيم ال عمران 105.هذا هو الحل .

كاتب عماني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. بارك الله فيك وجزاك الله خير الجزاء مقال جميل وتحليل رائع

    اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأرزقنا فرحة سماع خبر نهوض الأمة وتحرير كامل ترابها الوطني وعلى رأسها فلسطين

  2. كلام جميل إلا أن فلسطين واجب على جميع المسلمين تحريرها ولا يحمل أهلها فقط ذلك بإعتبار أولى القبلتين بها ولا يتأتى ذلك إلا بهذا لوقوف دول الكفر جميعهم وراء اليهود ولو نظرنا لطالبان لوجدنا هناك دول كبرى تقف وراءهم بالسلاح والمال وهي لا تريد أمريكا ان تكون على حدودها عكس الانظمه العربيه المحيطه بفلسطين.

  3. لكن المصالحة الفلسطينية التي يريدها الرئيس محمود عباس هي برأيه بأن تسلم المقاومة الفلسطينية سلاحها للصهاينة ثم يجلسون بانتظار تفضل أمريكا وإسرائيل لإكمال مفاوضات عبثية لا تسمن ولا تغني من جوع.
    أما الخطوة الأولى الصحيحة لتحرير فلسطين فهي بالتخلص من إثم جريمة أوسلو والتحلل مما لحقها فتحل السلطة الفلسطينية نفسها ويعود أهل فلسطين للحجارة والبالونات الغزاوية فهاتان الوسيلتان البسيطتان يسمعها ويفهمها الصهاينة والأمريكيين والأعراب أكثر بكثير من خديعة المفاوضات..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here