يزن زريق: ياسين الحافظ وتجديد الفكر السياسي العربي

يزن زريق

استطاع ياسين الحافظ خلال أقل من ربع قرن من العمل الفكري والنظري إرساء منظورات سياسية في الفكر العربي المعاصر ليس من السهل أبدا تجاوزها. يتميز الحافظ في أنه لم يتناول إطلاقا أي مسألة من وجهة نظر تقليدية أو اعتيادية. على الرغم من أن جميع المسائل التي تناولها كانت على درجة من الكبر والاتساع والعمق والشمول بحيث أنها تمثل فعلا روح عصر ومصالح أمة. هنا النقطة الأولى في فكر الحافظ: التعامل مع أهم قضايا العصر وأكبرها. وليس هذا فقط بل العمل عليها معرفيا ونظريا من جوانب ووجهات نظر استثنائية وغير مطروقة، مما يجعلها ذات راهنيه غير اعتيادية.

عندما درس الناصرية وحللها بوصفها أهم وأكبر حالة عربية في العصر الحديث فانه تناولها بشكل نقدي وعلمي بلغة كانت (ولا تزال) جديدة على الفكر العربي السياسي. إنها لغة الأرقام والإحصائيات وبتلك العقلانية الباردة والصارمة بعيدا عن العواطف والديماغوجيا والأحقاد والعصبيات التي تسف من مستوى الخطاب الفكري والسياسي. تلك هي حال المسائل الكبرى في الفكر العربي السياسي المعاصر: يعجز هذا الفكر عن تناولها معرفيا فيلجأ إلى الثرثرة و “الكلامولوجيا” والذاتوية العاطفية الجياشة الانفعالية الفاقدة لأي قدرة على التحليل أو التركيب أو الإنتاج المعرفي على أي صعيد. أليس هذا هو حال التعاطي مع المسألة الفلسطينية على سبيل المثال؟ فليس غريبا أن يكون عنوان أول أبحاثه المنشورة في العام 1962 “قضية فلسطين بين الواقعية الثورية والثرثرة الديماغوجية” ليحارب بهذا المقال –عبر منطق بحثي ملفت-أولى مهرجانات الردح والتطبيل الصحفي واليساروي التي كانت قد بدأت حول هذه القضية التي لطالما هزت بنيان الكيان العربي على أكثر من صعيد. فوقف الفكر العربي أمامها عاجزا بصخب أجوف وفارغ أحسن الحافظ كشف عقمه.

مقولات كثيرة كان يتناولها الفكر السياسي العربي دون أن يكون لها أي معنى أو عمق مفهومي. مصطلحات كالبرجوازية الصغيرة والرأسمالية والاشتراكية والسوق البرجوازية… كلها كانت تستخدم كنعوت للسب أو إغداق المديح بأكثر الأشكال سطحية وابتذالا. لقد كان دور الحافظ هنا خاصة في كتابه الصادر في العام 1965 “حول بعض قضايا الثورة العربية” تبيان أن هذه المصطلحات تضمر مفاهيم. خلفها تقف أفكار ومفهومات هي ليست سوى أدوات لإنتاج المعرفة. والمعرفة التي يعنيها الحافظ هي المعرفة الموضوعية والملموسة للمجتمع العربي الراهن والملموس. هذه المعرفة التي لطالما كان هدف الحافظ في جميع محاولاته الفكرية الإسهام في إنتاجها. تخليص هذه المقولات من بعدها الذاتي والكلامي الصرف وفصلها عن العواطف والنوايا بحيث تصبح فعلا مفاهيم وأفكار ترشدنا نحو إدراك الواقع وتوصيفه. هنا كانت مأثرة الحافظ وإسهامه التجديدي فيما يتعلق بكل مقولات اليسار العربي التقليدي.

لا يمكن إدراك كامل البعد التجديدي في فكر الحافظ إلا عن طريق مقارنة موضوعاته مع الموضوعات “الرائجة” في سوق الأفكار العربية ولازالت. ففي دراسته مثلا للمسألة الطائفية في لبنان وملاحظاته حول المسألة الطائفية في مصر 1973 يظهر أمامنا مفهوم جديد ومتكامل على نحو خاص حول العلمانية كما يفهما الحافظ. العلمانية كنظام اجتماعي وصيرورة تاريخية مأخوذة بعمق غير معهود عربيا. أما الوحدة العربية كقضية تحظى بمكانة استثنائية في فكر الحافظ السياسي تصبح فجأة ذات مضمون راديكالي وموضوعي وحداثوي لا وبل عقلاني (بالمعنى المعرفي) على الرغم أنه لم يسبق أن تم تناول قضية مع كل هذا الفيض من اللاعقلانية واللاموضوعية والانفعالية كما هو حال قضية الوحدة العربية في الفكر العربي. لقد كانت رسالة ياسين الحافظ أن هذا النوع من التعاطي غير مجدي وفاشل ولا يصب إلا في مصلحة أعداء الأمة ومصلحة التأخر والتخلف العربي. لقد مضى في فكره عدة خطوات نحو الأمام: التناول العقلاني والموضوعي للقضايا الأكثر جوهرية والأكثر حساسية في تاريخ العرب هو الطريق الوحيد والممر الإجباري نحو الممارسة السياسية السليمة التي يمكن أن تفضي إلى نتائج تقدمية. العواطف والنوايا والشعارات لا تنفع في قضايا على هذا المستوى وعلى هذه الدرجة من الأهمية. بل على العكس إنها تضر. هذه القضايا ولكي تحل في صالح العرب تحتاج إلى عقل عربي لطالما اعتبره الحافظ مفقودا في السياسات العربية. فعليا كان هذا هو منهجه السياسي: التقاط اللاعقلاني في السياسات العربية ونقده. التقاط اللاعقلاني في الفكر السياسي العربي وتفنيده وتبيان فشله وفراغه وعدم قدرته لا على إنتاج معرفة ولا على إنتاج ممارسة سياسية. وقد سار على هذا المنهج الذي ظل مخلصا وأمينا له في تعاطيه مع الناصرية (كفكر وكممارسة سياسية) في كتابه ” اللاعقلانية في السياسة العربية”، وفي تعاطيه مع الماركسية العربية في كتابه “الهزيمة والأيديولوجية المهزومة”. لقد وقف الحافظ على مسافة واحدة من الجميع بشجاعة ونزاهة فكرية نادرة، متمسكا بعقل علمي ومنطق تحليلي هو حتى اليوم مفقود إلى هذا الحد أو ذاك (خاصة إذا ما أخذنا فكر ياسين الحافظ كمقياس) في الفكر السياسي العربي المعاصر.

لم يشخص أحد عمق الهاوية العربية كما فعل الحافظ أبدا. الفوات الحضاري والتأخر العربي يغدو لدينا واضحا وعيانياً. إن مقولات النكبة والنكسة تأخذ هنا معناها الحقيقي الكامل: كنكوص حضاري عربي عام وليس فقط محض عسكري أو سياسي. وحده فكر علمي على هذا القدر من الموسوعية والصفاء قادر على إدراك أن العرب لم يدخلوا العصر الحديث بعد. ووحده استطاع وبموضوعية فذة تحديد الأسس والركائز التي يحتاجها العرب لانجاز قفزتهم الحضارية هذه ودخول عتبة التاريخ. فياسين الحافظ لم يكن مفكرا وحسب بل ومناضلا أيضا لتأخذ لدينا مكانته أبعدا أخرى جديدة لا يكفي مقال واحد بالتأكيد لسبرها وليجعلها واحدة من تلك الشخصيات الجديرة بدخول التاريخ العربي السياسي والفكري من أوسع أبوابه.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here