يرسلون الشباب الى “المحرقة” ويلوذون بالصمت

 moubarak alkhaldy1

د.مبارك الخالدي

مراهق في الخامسة عشرة يظهر في صورة  حاملاً بندقية كلاشينكوف ، وفي صورة أخرى شادّاً أحزمة  الرصاص حول جسمه،  وفي الخلفية يظهر علم القاعدة. قاعدي سعودي جديد يقول الخبر (جريدة الحياة)إن أمه زفته الى الجهاد ضد بشار الأسد.  يحدث هذا في الوقت الذي يتوفر على أرضية الواقع السوري من الأدلة والحقائق والمعطيات مايدعم القول إن أمل هذا القاعدي الصغير في إطلاق رصاصة صوب جندي من جند بشار الأسد ضعيف جداً؛ فسوريا التي قصدها “مجاهدا” لم تعد ميداناً للقتال بين جيش بشار الأسد والمعارضة السورية المسلحة؛ فبنادق ومدافع  المعارضة التي دفع ثمنها الخليج الذي تركه وراء ظهره،  أصبحت تستخدم في الاقتتال البيني، بين مايسمون “مجاهدين”، بين داعش (دولة الإسلام في العراق والشام) والجيش الحر، في انعطافة خطيرة أدت الى مفاقمة وضع المعارضة السورية المأزوم منذ إندلاع الثورة السورية ، جراء فقدان البوصلة والرؤية السياسية الواضحة بما تفضي اليه من توفر امكانية  رسم خارطة طريق للنضال الشعبي السوري، وتفكك وتهلهل بنية قيادة الثورة المتمثلة بالإئتلاف السوري، الذي أوقع نفسه مبكراً في شرك حسابات المصالح الخاصة لأطراف اقليمية ودولية، فكان مصيره الانتقال من  جيبٍ خلفي الى آخر، مقدماً أنصع الأمثله على ما يعنيه  فقدان الحرية والاستقلالية والتحكم في المصير، بالإضافة الى حالة الطفولة السياسية والنضالية وغياب الكرزماتية اللذين يعاني منهما من دفع بهم الآخرون الى تصدر الإئتلاف. من البداية،لم يكن الإئتلاف السوري سوى بيدق يحركه لاعبون كبار في لعبة شطرنج التوازانات السياسية والصراعات على مناطق النفوذ في المنطقة العربية.

إزاء انزلاق الحال الثورية السورية الى  الاقتتال بين الحلفاء وتفكك المعارضة المسلحة السورية، لم يعد بالإمكان تسمية القتال الدائر هناك “جهادا”، رغم انه لم يكن “جهادا” منذ البداية، من وجهة نظر شخصية، كان يتعذر اقناع آخرين بها في ظل حالة الاهتياج الشعبي  والتعبئة والتجييش للجهاد الذي أُلْبِس قناعاً طائفياً.

أما الآن وبعد ترسخ  صورة سوريا كـ”صندوق باندورا” لكل انواع القتل والتدمير من كافة الأطراف، فان “تجهيد” الاقتتال هناك- أي خلع صفة الجهاد عليه-  بدأ يفقد قدرة الإقناع والتأثير على كثير من الناس، كما يستتنج من خفوت أو انطفاء أصوات الدعاة الجهاديين التي ارتفعت بالدعوة الى الجهاد، وجندوا أنفسهم لتجهيز الشباب والدفع بهم في أتون “المحرقة” التي سموها “جهادا.” في ظل هذه التطورات الخطيرة، يبدو غريباً وجود من لا يزالون يدفعون بفلذات أكبادهم  الى “المحرقة” في سوريا.

لم نسمع منذ اندلاع ا لاقتتال بين حلفاء الأمس ، من الدعاة والشيوخ الجهاديين  ما يميز الفئة الباغية من الفئة السائرة على صراط “الجهاد” المستقيم، أو مايفيد بأن الاقتتال بين الطرفين جهاد ثنائي مزدوج، يكون قتلى الطرفين فيه شهداء، تصعد أرواحم الى الجنة على الفور، حيث الحور العين في إنتظارهم. لكن هذا الصمت المريب والمتوقع لم يمنع من إنطلت عليهم دعوى الجهاد من الاستمرار في تقديم انفسهم أو اقربائهم قرابين  تحولهم الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة الى أشلاء ونتف تتطاير في الهواء لحظة الانفجار لتملأ الجو، بعد أيام، برائحة العفن.

الذين يدفعون غيرهم الى “المحرقة” في سوريا لا يحبونهم، هذا رأيي.  من يدفع إنساناً الى الجحيم في سوريا، ثم يتباهي ويتفاخر بفعله وصنيعه أناني، يحب نفسه، يحب الحياة، ويكرهها لمن يقذفهم في “المحرقة”، هذا امتداد لرأيي الذي لن يقنعني المجهزون الإنانيون بالتخلي عنه مهما ساقوا من حجج ومبررات.  ما يحدث في سوريا إلقاء بالشباب في جوف آلة الموت.

صَمَتَ دعاة الجهاد الخليجيين، كأنهم لايرون ولايسمعون بالإقتتال بين (المجاهدين). وتركوا  المُضَلَلِين المخدوعين في قبضةِ إنخداعهم.

[email protected]

twitter:@RashedAlkhaldi

 

Print Friendly, PDF & Email

9 تعليقات

  1. كلام جميل ومنطقي من رجل مثقف .. الله يكثر من امثالك يادكتور مبارك ونسأل الله ان يصلح احوال المسلمين ويؤلف ما بينهم

  2. مقالة جميلة ومتزنة جداً… لكن هناك من توجعهم الحقيقة.. أما أنهم سـذج وجهلاء أو أنهم مشاركون في عملية اذكاء نار الحرب والفتنة. فاتيارات الإخوانية لا زالت قوية وفاعلة في الوطن العربي بشكل عام وفي مملكتنا الحبيبة بشكل خاص… وهذا هو سر تخلفنا.

  3. هذا الطفل الصغير الذي دفعته امه الى المحرقة السورية ضحية شيوخ القتل قرضاوي واتباعه في الخليج الذين يحرضون ابناء غيرهم للجهاد بينما يرسلون ابناءهم الى امريكا واروبا لدراسة‏!

  4. كلام جميل , يبعث على الأمل ويثبت أن الأقلام الشجاعة موجودة أينما ذهبت في هذا الوطن العربي الكبير حتى وإن كانت نادرة.
    وإلى الأمام

  5. ما تفضل به الدكتور الخالدي وفيما يخص مواقف الدول الداعمة لهؤلاء الجهاديين اصاب جزأ من الحقيقة ومن وجهة نظري الشخصية فاني اعتقد ان ماكانت تصبوا له هذه الول هو الوصول بسوريا الى حالة شبيه بالحالة الليبية ومن ثم انقضاض الدول الداعمة سواء بشكل مباشر او من خلال حلفائها على هؤلاء المجاهدين حيث تم تجميع اصحاب هذا الفكر في منطقة ما بعد كشفهم وكما حدث ويحدث في افغانستان(الم يكن هؤلاء مجاهدين في فترة الاجتياح السوفيتي)

  6. دكتورنا العزيز، رداً على استغرابك في آخر المقال، أقول من قال بأن هؤلاء كانوا فعلاً مقتنعين بالجهاد “عقائدياً” وليسوا سوى أحجار شطرنج ممن ذكرت في مقالك. وأكبر أسطورة وأكذوبة سيسجلها تاريخ العرب والمسلمين هي أن الدول العربية أو الإسلامية التي زعمت دعمها للمعارضة السورية وحمستها وأغوتها ثم تركتها للسباع، كان يهمها في الأساس حصول الشعب السوري على حريته!!!! لأن فاقد الشيئ لا يعطيه……. والأيام دول…. وإنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض

  7. السيدة التي ارسلت ابنها المراهق إلى المحرقة لم ترسله لأنه تحبه بل تكرهه ولا تريده أن يشاهدها ورأسها على صدر
    عاشقها أي سيدة تحب اولادها لا تنام إذا غاب احدهم نهيك ترسله إلى الموت وهو صغير

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here