يحيى حسن عمر: في تحية ثورة يناير الملهمة

 

يحيى حسن عمر

(1)

لم تكن ثورة 25 يناير عام 2011 في مصر وليدة الصدفة، أو تسلسل إصطناعي، بل كانت نتاج حراك تاريخي أصيل الجذور، ومتصاعد دومًا منذ عشر سنوات قبلها على الأقل، وفي العام الأخير 2010 كانت إرهاصاته واضحة لا تخفى على الأريب، فقط موعد الإنفجار وملابساته كانت هي المجهولة، حتى رأيناها جميعًا في تونس أولًا لترتد بسرعة نحو القاهرة.

(2)

  بدأ الموات السياسي في عهد مبارك منذ عام 1990، حيث إطمأن إقتصاديًا بعد حرب الخليج فكانت تلك نهاية الحياة السياسية في مصر، ثم في بداية القرن جاءت حكومة عاطف عبيد الفاسدة والمعادية للفقراء فباعت القطاع العام (برخص التراب) وصادرت أموال التأمينات، وبدأت مشروع التوريث لجمال مبارك، ثم تلتها حكومة أحمد نظيف التي سميت (حكومة رجال الأعمال) حيث أصحاب المليارات الذين لا يمكن أن يشعروا أو يفهموا تأثير زيادة سعر سندوتش الفول جنيها، أو تأثير زيادة أسعار المواصلات على أسرة فقيرة.

(3)

    وفي النصف الثاني من العشرية الأولى تصاعد الغليان ضد مبارك وحكمه البائس الطويل القمعي، والذي يريد أن يختمه بالتوريث، فظهرت الحركات الشعبية المعارضة، ظهرت حركة (كفاية) وشعارها (لا للتمديد ولا للتوريث)، وظهرت حركة (6 إبريل) إستجابة لإضراب عمال المحلة الكبرى في إبريل 2008، وشهد عامي 2009 و2010 مئات الإضرابات العمالية والفئوية والإحتجاجات الشعبية، فكيف كان إستجابة عهد مبارك، أجرى إنتخابات هزلية عام 2010 تراجع بها عن إنتخابات 2005 – التي أجراها تحت ضغط جورج بوش الإبن وجاء بربع المجلس النيابي من المعارضة – فإذا به يسقط جميع المعارضة بالتزوير عام 2010 ويأتي بمجلس خالي من المعارضة، بل ويفاخر بذلك على صفحات الجرائد، ويكتب (أحمد عز) رجل جمال مبارك صفحات في الجرائد كيف (قاد) معركة الإنتخابات وحقق إنتصار الحزب الوطني على خصومه !!.

(4)

  وهكذا وصل مبارك بالبلاد إلى حافة الإنهيار السياسي والإجتماعي، جرائد حكومية متهرئة، أحزاب ميتة، إنتخابات مزورة، إستخفاف بالمعارضين حتى قال (خليهم يتسلوا)، قمع للإحتجاجات على يد وزير الداخالية الباطش حبيب العادلي، وفي الوقت ذاته صحافة معارضة نشطة – تركها مبارك كي يتسلوا دون أن يدرك خطورتها – عززتها وسائل التواصل الإجتماعي الحديثة وقتها، ومنها إنتشرت أخبار حادثة مقتل الشاب (خالد سعيد) وغيرها، وزادت النقمة الشعبية على طغيان السلطة، وجاء عام 2011 وفي يومه الأول حادثة كنيسة الإسكندرية والتي زادت نقمة المسيحيين هم أيضًا على عهد مبارك، ولم يقتنعوا أن الإسلاميين كانوا وراء ذلك، ولم يرضهم أن الداخلية الباطشة قتلت الشاب (سيد بلال) تحت التعذيب، ولم ينخدعوا بذلك.

(5)

    كانت البلاد في يناير 2011 مثل حجرة ممتلأة بالغاز، فقط تنتظر شرارة لتنفجر، وجاءت الشرارة من بعيد، من (سيدي أبو زيد) في تونس، شرطية تصفع مواطنًا، فيشعل النار في نفسه، وفي المنطقة جميعًا، وتندلع المظاهرات في تونس، ويسقط طاغية تونس من خلال المظاهرات، وتزلزل الأخبار القاهرة، هل هذا معقول ؟!، هل يمكن للمظاهرات أن تأتي بنتيجة ؟!، هل يمكن للمظاهرات أن تسقط طاغية ؟!، كان السؤال ومعه إجابته تزلزلان ليل القاهرة يوم 14 يناير 2011 يوم سقوط بن علي، إن بن علي أشد طغيانًا وجبروتًا من مبارك، فإذا كان بن علي قد سقط بالمظاهرات فلم لا نفعل ؟!، لم لا نحاول ؟!، وهكذا المصريون حتى في مراحل التعليم في المدارس، قد يصعب عليهم فهم الدرس الأصلي، لكن ما أن تعطيهم مثالًا محلولًا حتى يستطيعوا أن ينسجوا على منواله ويحلوا عشرات المسائل اللاحقة بأنفسهم، فقط أعطهم مثالًا محلولًا، وقد تكفلت تونس بذلك، أعطتهم مثالًا محلولًا يحل للمصريين عقدة حالة (الغليان) بدون حركة، لم يؤمن المصريون أبدًا قبل 14 يناير 2011 أن المظاهرات يمكن أن تغير الحاكم، كانت هباتهم السابقة دومًا أعوام 1946 و1968 و1972 و1977 لأسباب محددة، ولم تصل طموحاتها يومًا لتغيير النظام، إلى أن جاء يوم 14 يناير 2011، فطرح أمام المصريين السؤال ومع الإجابة، لم لا ؟!، إن كان قد حدث في تونس مع جبار أطغى من مبارك والعادلي، فلم لا ؟!.

(6)

    وقد ساعدت البلادة التي طبعت عهد مبارك وحكمه خاصة في العشر سنوات الأخيرة في تسهيل الأمر على الشعب، فلم يقرأ لا هو ولا أحد من بطانته الرسالة، وخرج إعلامه كله على صرخة واحدة أن (مصر ليست تونس) !!، وظلوا يرددونها في الأيام التالية كالمهاويس (إن مصر ليست تونس) !!، وللأسف شاركهم بعض ذوي الفكر ممن لم يؤمنوا بالشعب المصري حتى وقتها، وكان منهم على سبيل المثال د. عمرو حمزاوي الذي خرج يقول أن مصر ليست تونس لأن النُخَب في مصر ليست بوعي النخب في تونس…إلخ !!، فربطوا جميعًا – هؤلاء وهؤلاء – في إزهان الناس بين مصر وبين ما حدث في تونس، وهيؤوا الناس نفسيًا لشيئ قد يحدث في مصر مقارب لما حدث في تونس، وكان أن جاءت إجابة الشعب المصري لعمرو حمزاوي سريعًا، وليس عن طريق النخب يا عمرو ولكن عن طريق التداعي الشعبي لنداء قيام مظاهرات يوم 25 يناير (يوم إجازة سنوية بمناسبة عيد الشرطة –  في مفارقة لافتة).

(7)

    وبينما كان الشعب ممثلًا في كل طبقاته – خاصة الطبقة الوسطى – يحتشد للتظاهر كانت عين الأمن بالدرجة الأولى على جماعة الإخوان المسلمين، وكان العادلي ينوي إستخدام القوة منذ اللحظة الأولى لو نزل الإخوان المنظمون في المظاهرات، بينما كان على إستعداد ليبدي مسحة هادئة حال عدم نزولهم، ومن حسن الحظ ومن بركات القدر أن شاء الله أن تردد الإخوان، وأرادوا إمساك العصا من المنتصف، فمنعوا كوادرهم من النزول، في مقابل وقفة رمزية لبعض قادتهم مع بعض الرموز السياسية الأخرى عند دار القضاء العالي، وعلى ذلك لم تصدر أوامر بإستعمال العنف مع المتظاهرين، فخرجت المظاهرات من شارع جامعة الدول العربية، ومن العباسية ومن شبرا ومن حلوان، وإستطاعوا كسر كردونات الأمن التي مُنِعَت من إستعمال العنف، حتى وصلت تلك المظاهرات إلى ميدان التحرير (قلب القاهرة ومديانها الرئيسي) وسيطرت عليه.

(8)

    في تلك اللحظة بدا واضحًا لكل من جعل الله له بصيرة أننا بصدد نظام يتداعى بعد أن فقد شرعيته وشعبيته عند الناس، فقد شعبيته بالفساد والإهمال وفقد شرعيته بالتزوير والطغيان، وأن شمسه تغيب وراء الأفق لتفسح الطريق لظهور فجر جديد، كان الغني مع الفقير في ميدان التحرير الذي دخلوه إقتحامًا رغم أنف قوات الأمن المدججة التي لم تستطع الوقوف أمام إنتفاضة الشعب، وفي المساء كان الميدان ممتلئًا عن آخره، ولم تكن الأعداد تقل بحال من الأحوال عن أربعين ألف متظاهر، ومثلهم كان في الإسكندرية، وفي غيرها من مدن مصر الكبرى.

(9)

    وقدر الله لكاتب هذه السطور أن يكون له شرف التظاهر في هذا اليوم من شارع جامعة الدول العربية وصولًا إلى التحرير، وأن يكون شاهد عيان على كل ما سبق ذكره، وعلى عكس الأسطورة التي يشيعها أنصار مبارك والذين لم يؤمنوا يومًا بهذا الشعب أن المطالب في البداية كانت مجرد إزاحة العادلي، بل ما كان للمصريين وقد رأوا مثال تونس المحلول وفهموه أن تكون مطالبهم بأقل مما حدث في تونس، بل كانت الهتافات منذ اللحظات الأولى للمظاهرات هي :

– الشعب يريد إسقاط النظام.

– يسقط يسقط حسني مبارك.

– قول يا محمد قول ليونس…بكره مصر تحصل تونس.

– يا حرية فينك فينك…حسني مبارك بيننا وبينك.

– يا مبارك يا مبارك الطيارة في إنتظارك.

– يا مبارك يا مبارك…. السعودية في إنتظارك (في إشارة لرحيل بن علي إلى السعودية).

(10)

  في هذا اليوم المشهود رآى العالم كله وسمع عن مصر التي لم يعرفها، لقد كتب الشباب يا مصر سطرًا جديدًا في تاريخك، ومحوا عار الصمت والسكوت والخنوع، وهكذا تبني الشعوب أمجادها، وكما حدثنا الأجداد أنهم كانوا هناك فوق كوبري عباس يواجهون الطغيان، وكما حدثنا الآباء أنهم كانوا هناك عندما خرجوا من الجامعة بالآلاف عام 1968 يرفضون التكتم على الهزيمة واعمدتها، ويواجهون مراكز القوى ويوجهون عبد الناصر، ويقودون هم قائدهم، فقد رفع الشباب رأس مصر يوم 25 يناير في التحرير وفي ميادين مصر، وقاموا بما هو أكبر بكثير مما حدث 1946 و1968، قاموا يواجهون الطغيان والفساد ونهب المال العام وتزوير إرادة الشعب من الإنتخابات الطلابية وحتى النيابية، حتى قتلوا الأمل في النفوس أو كادوا، فإذا بالمارد يقوم في 25 يناير وبصورة سلمية تمامًا، لقد سارت المظاهرات من حي المهندسين إلى الدقي ثم التحرير، كان السيارات تمر من أمامهم، لم تقذف طوبة، ولم يكسر زجاج، سارت الفتيات في المظاهرة قبل الفتيان، لم تسجل حالة تحرش واحدة، لم يكن هناك تخريب ولا تدمير، هذا هو شباب مصر الذي لفت أنظار العالم، كانت الرسالة واضحة للذين تخوفوا أو يتخوفون من الفوضي والتدمير والنهب، إن الذين شاركوا في إنتفاضة 25 يناير لم يفعلوا هذا لأنهم ليسوا أهله، إنما أهله هم البلطجية والشباب الضائع، وكلاهما نبت عهد مبارك بإمتياز، أما البلطجية فهم أعوان عهد مبارك، وهم الذين يزورون له الإنتخابات ويؤدبون له الخصوم، ويأخذون حقهم بإطلاق يدهم في الشعب ترويعاً ونهباً، وأما الشباب الضائع فإن الفساد ونهب البلاد هو الذي أطاح بفرصه، ولم يجعل له من أمل إلا ركوب قوارب الموت لينتحر بها في عرض البحر، أو أن يعيش في غيبوبة يأس في الداخل تنتهي به إلى التحرش أو المخدرات أو التطرف، (الشبان الأحرار) لا يفعلون هذا، لقد جاء شبان مصر الأحرار إلى الميادين على قدر يسقطون عهد مبارك ويكتبون صفحة هامة في تاريخ مصر الحديث عبر ثورة ملهمة لها أهدافها ومبادئها.

وللحديث بقية إن شاء الله

كاتب سياسي مصري وباحث في التاريخ

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here