يا أهل سوريا … احذروا الإشاعة

كمال خلف

تعيش سوريا ظروفا اقتصادية صعبة ، بعد انتهاء وتعثر الشق العسكري في جهود تغيير دور سوريا في محيطها وفي الإقليم ، ولم نصدق يوما ان دعم الجماعات المسلحة المتطرفة ، و إدخال السلاح والمال إلى سوريا كان يهدف إلى إعطاء الشعب السوري حياة أفضل ، أو أن الولايات المتحدة و من معها من حلف إسقاط الرئيس الأسد ، كانوا يفكرون بالشعب السوري ، إنما الحقيقية كانت تكمن في أن دور سوريا يجب  أن يتغير ، لضرب حلف يجمعها مع إيران وحزب لله و المقاومة الفلسطينية واحرار الشعب العربي  ويشكل خطرا على إسرائيل من ناحية ،  وحجر عثرة في وجه إعادة تشكيل المنطقة العربية وفق الرؤية الإسرائيلية الأمريكية  .

تستمر الحرب على سوريا ، ولكن بشكل أخطر واعمق من ارسال الوحوش البشرية و شذاذ الآفاق لقتل الشعب السوري ، تتجه الحرب بشكل اكبر إلى عمق المجتمع السوري .

 هي بالأساس عندما انطلقت كانت تستهدف المجتمع من بوابة الاختلاف الطائفي والمذهبي ، وفق مقولة ترددت بداية الأحداث في سوريا ، وتكررت مرارا  “اغلبية سنية يحكمها أقلية علوية ” . كان الاقتتال الطائفي طويل الأمد هو هدف أخذ الأحداث منذ بدايتها إلى هذه الهوية من الصراع . كان هذا العامل الأول في استقطاب كم هائل من المقاتلين المتطرفين من خلف الحدود ،  كان وقتها كل شيء مباح في سبيل تحقيق الهدف وهو إسقاط النظام .  لا شك أن ذلك فشل ، لكن علينا الاعتراف بأنه ترك ندوبا في بنية المجتمع السوري .

من المعروف اليوم ، ان الشعب السوري يعاني من ظروف معيشية صعبة ، لها أسباب عديدة ، تتراوح بين ما خلفته الحرب من دمار ، وسوء الإدارة و الحصار والعقوبات العربية والغربية .

يتحرك الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن المعاناة اليومية  ” نقص المواد الأساسية ، انقطاع الكهرباء ، بعض القرارات الارتجالية الضارة من قبل مسؤوليين في الدولة ” . هذا النقد يعبر عن حالة نضوج في المجتمع السوري ، وتعبير عن الذات . هو مقياس بلا شك لتوجهات الرأي العام . قد لا يحسن البعض في إدارة  الدولة الاستفادة من هذه الآراء وهذا الانتقاد لتحسين مستوى الأداء   وبدلا من ذلك يوجهون الاتهام للناشطين بالاشتراك في مؤامرة  . يغضب الناس من هكذا مقاربة لهمومهم .

 يتحرك صحفيون سوريون للنقد ، هذا دورهم ، وهذا مفيد جدا للتصويب  ، وغير مألوف سابقا ، وهذا شيء يدعو للتفاؤل في مستقبل البلاد ،   من المهم أن تعبر النخبة عن معاناة الشعب وان تقف في صفه وتدافع عنه  .

ما يجب الإشارة إليه والتحذير منه في ضوء هذا المشهد ، هو كم من الشائعات التي تغزو مواقع التواصل فيما يخص الوضع في سوريا ، يتناقلها الناشطون على أنها حقيقة ، ومع مشاعر الاستياء من الوضع المعيشي الصعب و سوء الإدارة ، يتحمس الكثيرون لتفعيل الإشاعة دون أن يدققوا في مدى صحتها . وتجد الإشاعة وفق هذه الظروف بيئة خصبة للتكاثر والتأثير والتحريض .

 عشرات القصص والأحداث تشغل بال الرأي العام السوري يوميا  ” لانتشارها بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي ، عند التدقيق بعينة منها والبحث عن جذورها والسؤال من المصدر عن حدوثها تجد أن بعضا منها وليس كلها ، لا وجود لها في الواقع . بينما تكون قد أدت دورها في تحريض الرأي العام و زيادة الاحتقان في الشارع .

ولذلك يغدو التحذير واجبا هنا ، لأن الشائعات ليست ظاهرة عشوائية ، وليست نتاج مصادفات ، هي أحدى أهم وسائل تدمير المجتمعات ، هي آفة تتغلل لتشكل رأيا عاما جاهزا لتلقي الأهداف التي يقف خلفها مطلقوا الشائعات . وجزءا من التمهيد لإسقاط الدولة في لحظة ما . هي ليست كامل  المخطط هي جزء منه فقط  ، هي المدافع التمهيدية للحظة الانقضاض . حيث يكون كل شيء جاهز لتقبل ذلك  . لا يجب أن يبدو هنا الإشارة إلى وجود ضخ من الشائعات ، مبررا للتقصير أو نفيا لوجود أزمة معيشية .

ليس من الحكمة مواجهة الشائعة ، باخرى كاذبة مضادة ، أو أتهام الرأي العام بأنه متآمر،  أو اتهام الناس بالجهل ، هذا كله غير مفيد . إنما الواجب هو اللجوء إلى الشفافية ، ومصارحة الرأي العام بمكامن الخلل ، والعمل على تحسين حياة الناس وليس زيادة معاناتهم . يجب أن تشرح كل جهة معنية بالتفصيل للرأي العام أسباب وخلفيات أية حادثة ولا تترك للشائعة مجالا لظهوها كمصدر وحيد .

 ولكن لماذا لا يحصل هذا في سوريا خاصة في الآونة الأخيرة ؟   ، ولماذا تتراكم الأخطاء في إدارة المؤسسات ؟ هل هم دواعش الداخل كما يسميهم السوريون  ؟ هل هناك من اخترق المؤسسات ويعمل ضد مصالح الدولة ؟؟ لا نعرف وليس لدينا دليلا على ذلك  .

الشائعات علم يستخدم لتحقيق أهداف في مجالات شتى ، في عالم الاقتصاد يتم الاعتماد على الشائعة ، وفي كسب المال والتجارة ، كما حدث في السعودية عام 2009 عندما أطلقت شائعة ماكينات الخياطة القديمة التي تحتوي على” الزئبق الأحمر”  ، ما ادى الى ارتفاع سعرها بعد أن كانت خردة ، وأصبح التجار يبحثون عنها بين عامة الناس وبقية القصة معروفة . وبقدر أكبر تستعمل الإشاعة لأهداف سياسية ، كما جرى في زمن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ، عندما أطلقت المخابرات الانكليزية بالتعاون مع الحركة الصهيونية إشاعة مفادها أن السلطان احرق كتب الشريعة الإسلامية ، ما أدى إلى عزله و مهد لانهيار السلطنة بعد ذلك .

مع تطور عصر الاتصالات و ظهور شبكات التواصل الاجتماعي ، بات إطلاق الشائعات أمرا سهلا . وأصبح انتشارها ميسرا، وبالتالي زادت مخاطرها على المجتمعات . وأصبحت وسيلة تسقيط شخصي وجماعي ، ووسيلة تحريض و صناعة راي عام . عايشناها خلال السنوات الماضية في أزمات الدول العربية .

الحكومة الصينية كانت قد اطلقت قبل فترة مشروعا لمواجهة الإشاعة على الانترنت ، و رصدت كما من الإشاعات تهدف إلى ضرب الاستقرار . منها شائعة الملح الشهيرة ، التي ادت الى نقص هائل في ملح الطعام في البلاد ، أطلقت الشائعة  اثرغرق محطة اليابان النووية بتسونامي . وتقول  ان الملح يقي من الإشعاعات النووية  هذه الشائعة اضرت بسمعة الصين  بعد أن أصبحت موضع تندر دولي .

عدد من الدول يقوم بإجراءات حمائية من انتشار الإشاعة عبر الإنترنت . نظرا لتأثيرها الكبير على استقرار الدولة .

فيا أهل سوريا   انتبهوا وتبينوا و احذروا ، فإن كما لا بأس به  من الشائعات تعزو صفحاتكم ، وهذا لا يعني أن ليس ثمة تقصيرا أو أن كل ما ينشر إشاعة ، ولكن الوعي و التحقق مطلوب ، وإلا فإن بعضا منكم عن دون قصد يساهم في تدمير ذاته .

كاتب واعلامي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

11 تعليقات

  1. سيد كمال ثمة فرق بين الإشاعة و الشائعة , و اليك الفرق بينهما :
    ” أيهما أصح : الإشاعة أم الشائعة ؟
    ♦ الإشاعة هي تضخيم للأخبار الصغيرة، وإظهارها بصورة تختلف عن صورتها الحقيقية، فهي إذن أخبار موجودة ، ولكن إظهارها بصورة مختلفة عن حقيقتها بالتهويل والتعظيم أصبحت ” إشاعة ” .
    ♦ أمّا “الشائعة” فهي أقوال أو أخبار أو أحاديث يختلقها البعض لأغراض خبيثة ، ويتناقلها الناس بحسن نية، دون التثبت في صحتها، ودون التحقق من صدقها”.
    ♦ ويفهمان باستخدامهما مجردتين مستقلتين ،
    انتشرت شائعة بين الناس
    أو انتتشرت إشاعة بين الناس تقول :
    أمّا إذا قلنا : “هذا خبر شائع” فسيكون على معناها اللغوي أي : ذائع : إهـ.

  2. بعض الاخوة الفلسطينيين وانا لا الومهم يتعلقون بقشة ويعتقدون ان الجيش السوري وحلافائه الذين لا يملكون من امرهم شئ ولا يستطيعون الدفاع عن انفسهم قادرون على تحرير فلسطين . الشعب السوري يعاني حالياً اكثر مما يعاني الشعب الفلسطيني حررو سوريا اول وبعدين فكروفي فلسطين

  3. الاعلام هو اهم وسيله من الوسائل الحربيه اهم من المدافع والطائرات والصواريخ كانت وما تزال وستبقي اذا جائكم فاسق بخبر ……… جمله كلمه حق من عمر آلاف السنوات كلمه الأهليه تدل علي دور الشائعات في المجتمعات من يصدرها يدعي بان الحق علي من يصدقها وفعلا؛ معظم الحق علي من يصدقها

  4. إن من خاض معارك دمويه لم يشهد التاريخ مثيلها ، وانتصر على اعتى الجيوش وقهرهم على اعتاب دمشق ،
    ومن اعتقد الغرب انه هارب كابن على ، ومبارك . لن يجد صعوبه في حل مسائل بهذا المستوى رغم صعوبتها !.
    قيادة سوريه لن تجد صعوبه بتحقيق نصر جديد في ميدان جديد !. والسبب يعود :
    لانها اختارت حلفائها بعنايه ، وحددت اعدائها بشجاعه !.
    اما الشعب السوري الصامد الصبور ، فيعرف انه ” كُتب عليكم القتال وهو كره لكم ” ، ويعرف ، بل شاهد بأُم عينه البديل !، لذلك سيستمر في حرب البقاء الثانيه !!.
    فعلاً اننا نعيش زمن ، القابض على عروبته ودينه ، كالقابض على الجمر !!.

  5. يا ابن المخيم
    كل ما ذكرت من نقص في كل الاشياء التي ذكرت صحيح وهذا من نتاج الحرب الكونية والخيانة الخليجية لكل قضايا الامة
    قبل الحرب كان اخواننا السوريون لا يعانون من اي نقص في هذه الامور

  6. الى الاخ الاستاذ كمال خلف المحترم
    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    بعد التحيه والمحبة
    استاذ كمال كلامك صحيح و سليم
    كأن الله في عون أهلنا السورين و انشالله الفرج قريب جدا و انا لا اعتقد ان الحرب سوف تتوقف عند سوريا بل هيا البدايه و النهايه في تحرير فلسطين من البحر الى النهر و خلع السرطان و فروعه

  7. ارتبط مفهوم الدولة و النظام بشخص الرئيس نفسه في الدول العربية ، لكن الحق يقال أن جميع الحكام أصيبوا بالغم بعد أن أعدم صدام حسين و تعجبوا و تسائلوا كثيرا حول موقف حسني مبارك و تنازله و عدم رد البيت الأبيض على مكالماته ، و خافوا و ارتعدوا جدا بعد مشاهدتهم لمصير القذافي ، فكما هو الحال في سوريا فإني أرى من وجهة نظري ومع احترامي الكامل للشعب السوري بكافة أطيافه و أقلياته أن يتم انتخاب نائب رئيس للجمهورية كردي أو درزي و يكون على محل توافق مع كل الأحزاب و الفرق و الأقليات في سوريا ، وبشرط أن يتنازل بشار الأسد عن الحكم مباشرة مع فرض الاقامة الجبرية عليه إلى أن يتم مساءلة كافة المحسوبين على النظام او المعارضة والذين عبثوا بالبلاد .
    ثم تبدأ هذه المرحلة الانتقالية السياسية الاقتصادية الاجتماعية في سوريا لمدة ثلاث الى أربع سنوات، بحيث يحاكم جميع أطراف النزاع والقتال في سوريا سواء أكانوا داخل سوريا أو خارجها ، و يتم محاكمتهم ، ثم تبدأ عملية إرجاع الحق لأصحابها و ممن أخذت و نهبت أراضيهم ومنازلهم و تعويضهم ، و دفع الديات و علاج الجرحى لكل الفئات ، و إسقاط الديون عن الجميع والافراج عن المعتقلين بدون استثناء ، و تشديد خفض الأسعار على المواد الغذائية والأساسية والبناء والمواصلات و رسوم الدراسة والعلاج . و يتم في هذه الفترة بداية الإعمار بأيدي أهل البلد أنفسهم ، وإضدار عفو شامل كامل لجميع الفئات ما عدا من اشتركوا بالتعذيب أو القتل فإنه يتم محاكمتهم . و جدولة موضوع الخدمة العسكرية . لأنه موضوع في غاية الأهمية و الضرورة خاصة للشباب .
    الوضع في سوريا قابل للحل سريعا لكن تعنت بعض الأفراد على النظام و المعارضة معا هو من يعطل الحياة العامة في سوريا .

  8. هل تقصد أن فقدان الغاز إشاعة وإن غلاء المعيشة إشاعة، وأن انقطاع الكهرباء شبه الدائم إشاعة وأن نقص مادة المازوت إشاعة.. وأن المواطن السوري يجوع من قلة الدخل وكثرة المصاريف هوإشاعة.. وأن البطالة هي إشاعة وأن اليأس والاحباط في صفوف الشباب هو إشاعة وان وجود الفاسدين في البلد على كل المستويات هو إشاعة.. ماذا تقصد بالإشاعة يا سيد؟. إن إعلام النظام الرسمي هو من يتحدث عن كل ذلك فهل الاعلام الرسمي ينشر الاشاعة؟.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here