ياسر رافع: “ولاد الناس”..  كوميديا سوداء مصرية

ياسر رافع

إن أكثر الفترات التاريخيه التى أثرت ولا زال لها تاثيرا كبيرا حتى الأن فى مصر ، هى الفتره التاريخيه التى حكم فيها المماليك حكم مصر فقد حكموا مصر على مرحلتين المرحله الأولى والتى حكموا فيها حكما مطلقا وهو ما أستمر لـ 267 عاما متصلا ، والفتره الثانيه والتى بلغت 323 عاما وهذا تحت الحكم العثمانى الذى ترك لهم الحكم الداخلى لمصر لهم حتى تم القضاء عليهم مع تولى محمد على باشا حكم مصر الذى أنهى الحكم المملوكى للأبد وأستقل إسميا بمصرعن الدوله العثمانيه ، ولكن مع إنتهاء الحقبه السياسيه المملوكيه  فلم ينتهى أثرهم الإجتماعى الذى تجذر فى الوجدان المصرى ، وتستطيع أن تلمح أثرهم بين جنبات الحياة المصريه ولعلك عزيزى القارئ سمعت جملا من نوعية  ” دا راجل متربى وإبن ناس !! ” ، ” دا عينه مليانه وإبن ناس صحيح ” ،  تتكرر مرارا على ألسنه الناس فى الشوارع وفى المناسبات المختلفه ،

 أتعلم أن هذا تراث إجتماعى مملوكى ولكنه رغم تحور مصطلح ” ابن الناس ” بفعل الحراك الإجتماعى المصري بعد أكثر من 200 عام من زوال أثر حكم المماليك إلا أن الأثر السلبى لا زال ظاهرا على الحياه الإجتماعيه المصريه الأن !!!

من المعروف أن المماليك هم عبيد جلبوا صغارا إلى مصر من قبل صلاح الدين الأيوبى ليتربوا على الحرب ويكونوا عونا لأسيادهم الجدد فى الحرب على أعدائهم ، وما أن شارفت الدوله الأيوبيه على النهايه كانت قد تكونت طبقه من الحكام الجدد ولكن من بين هؤلاء العبيد الذين أصبحوا أمراء حرب بفعل القوه المسلحه التى أصبحوا يمتازوا بها ، حتى حانت اللحظه التى ورثوا فيها الحكم وأصبحوا هم الحكام الجدد وقامت دولتهم التى عرفت بــ ” دولة المماليك ” ، وعلى الرغم من أنهم فى الأصل عبيد وحكموا بالقوه العسكريه  إلا أنه كان لهم نظام إجتماعى خاص حيث كانوا ينظرون إلى جموع المصريين بنظرة دونيه جعلتهم ينعزلون فى قلاعهم وضياعهم ولا يختلطون ولا يتزوجون من المصريين وأستمر هذا الأمر لفتره طويله حتى جاء اليوم الذى سمح فيه أحد السلاطين بأن يتزوج المماليك من المصريين وهو الأمر الذى نتج عنه ذريه جديده ولكن كان ينظر إلى تلك الذريه بنظره دونيه وأنهم أقل من المماليك الأصليين – العبيد – الغير مختلطين بدم المصريين ، ولا يسمح لهم بالإنضمام إلى الجنديه وتولى المناصب لفتره طويله ، ولما خاف الأمراء المماليك على أبناءهم من زوجاتهم المصريين من مكوثهم فى البيت وأن تتولى أمور تربيتهم النساء والجوارى فقد تم تجميعهم وتعليمهم فنون الفروسيه والأدب والفنون وطرق الإنتساب إلى الطبقه الحاكمه ، وتم رصد إقطاعيات وضياع لينفقوا منها ، ونشأت طبقه جديده وصلت طبقة الحكم بالشعب وطبقاته الدنيا من التجار والأعيان وبقيه سكان القاهره وتقريبا ظهر منها كل مؤرخى العصر المملوكى وبجانب ذلك ظهر فسادهم نتيجة التدليل نتيجة عدم عملهم والإعتماد على عطايا الدوله ، وهو ما أدى فى نهاية العصر المملوكى  بالسلطان قنصوه الغورى بأن يقطع عنهم مميزاتهم مما جعل بعضهم يتسول بعد عز وهنا تغير المصطلح فى نظر العامه المصريين من مصطلح مملوكى إلى مصطلح إجتماعى دارج حيث أصبح من تتدهور به الأحوال من عز إلى فقر يطلق عليه ” إبن ناس ” وأستمر هذا المعنى تقريبا طوال العصر العثمانى .

وعلى الرغم من إنتهاء طبقه ولاد الناس مع حكم العثمانين لمصر ولكن مع  تولى محمد على باشا حكم مصر وإدخاله تعديلات إقتصاديه وسياسيه وإجتماعيه مهمه غيرت وجه مصر ظهرت عائلات إجتماعيه وطبقه جديده فى المجتمع فظهر مصطلح ” ولاد الأصول ” كإعادة إستنساخ وتحور لمصطلح ” ولاد الناس ” فقد أرادت تلك العائلات الجديده أن توجد لها أصولا متجذره فى عمق التاريخ وهذا من الأوهام التى صدرت لأجيال قادمه ، حتى أن الملك فاروق حينما عارض زواج أخته من إبن شاه إيران فى البدايه كان من بين إعتراضاته أن عائله شاه إيران رضا بهلوى ليست لها ” أصول “

ومع قيام ثورة يوليو 1952 فقد تم القضاء على النظام الإجتماعى والسياسى الممتد بجذوره للقرون الوسطى ، وظهرت طبقات النخبه المتعدده ، نخبة الحكم ونخبه المال ونخبه المثقفين …. إلخ ، لكنها لم تقضى على الأثر الإجتماعى الممتد من الزمن المملوكى فعلى الرغم من سحب جموع المصريين مصطلحى ” ولاد الناس ” و ” ولاد الأصول ” للدلاله على حسن الأدب والإحترام والتدين وما إلى ذلك من الصفات المحموده للتميز بينهم إلا أن الفتره الممتده من نهاية حكم الرئيس السادات وحتى الأن شهدت تطورات إقتصاديه وإجتماعيه جعلت المجتمع ينقسم بشده وظهرالتمايز الطبقى بأشكال متعدده منها الإنعزال السكنى فى منتجعات ، وركوب السيارات الفارهه  ، ولكن الأخطر من ذلك هو تحول مجتمع النخبه المتعدده إلى مجتمعات تريد أن تتميز وأصبح أبناء الفلاحين يقلدون أبناء المماليك القدامى وجعلوا لأبناءهم مجتمعا خاصا تتوفر لهم فيه كل أشكال الرفاهيه ، وأصبحت مسألة التزاوج بين الطبقات الجديده من مجتمع النخبه الشبيهه بمجتمع النخبه المملوكيه مسأله حتميه لضمان التواجد الدائم فى دائرة الطبقه الحاكمه إقتصاديا وسياسيا وإجتماعيا ، وأصبح لدى الشعب المصرى المتشبع بالثقافه المملوكيه مصطلح يستخدم فى إتجاهين منفصلين ، إتجاه شعبى يرضى بالحدود الدنيا من مصطلح ” ولاد الناس ” و ” ولاد الأصول ” وحصرهما على الصفات المحموده إجتماعيا ، وإتجاه طبقى يتشبث بتراث العبيد المماليك ويريد تميزا طبقيا على أساس أوهام تأسيس ” أصوليه عائليه ” يعلم جيدا أنها لن تتحرك فى عمق التاريخ أكثر من سنوات معدوده .

مصر تعيش كوميديا سوداء تلخص علاقه ملتبسه بين طبقات إجتماعيه منفصله عن بعضها فى تباين لا تخطأه العين وفى الوقت نفسه الجميع متعلق ومتشبث بترديد مصطلح العبيد المماليك  ” ولاد الناس ” ، الغنى يريده تمييزا له ولأولاده طبقيا ، والفقير يستخدمه لعل وعسى تتغير الأحوال ويتحول إلى غنى وساعتها يسحب المصطلح معه ويجذره ويصبح إبن اصول .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here