ياسر رافع: معذرة البشير.. هذه ليست يد خارجيه إنها يد الشعب

ياسر رافع

ظن النظام السودانى أنه بمنأى من تداعيات الربيع العربى 2011 بعدما  وأد المظاهرات التى إجتاحت بعض المدن السودانيه تزامنا مع المظاهرات التى إجتاحت الوطن العربى أنذاك من شرقه إلى غربه ، وأيقن أنه قادر على العبور بسفينة النظام القديمه عبر عواصف وأمواج الربيع العربى ، ولكن رأس النظام الرئيس ” البشير ” لم يتعلم الدرس ومرت السنوات  وزاد تخبط سياسته الخارجيه التى لم تعرف حدودا يستسغها العقل والمنطق من الدخول فى التحالف العربى فى اليمن  بقيادة الإمارات والسعوديه ، وتحالف على النقيض مع تركيا وقطر ، ويخطب ود أمريكا التى رفعت العقوبات الإقتصاديه عنه وفى المقابل يريد تواجدا روسيا على أرضه ، فيما يؤشر على أن الرئيس السودانى هو طراز قديم ونسخه عفى عليها الزمن ليس خارجيا فقط بل داخليا أيضا فهو لم يستطع أن يحدث تقدما فى علاقته بالقوى السياسيه  والشعب السودانى وأزداد الوضع الإقتصادى تأزما وزادت معاناة الشعب الذى أصبح لا يقدر على تكاليف المعيشه لهذا كانت المظاهرات الضخمه التى تجتاح السودان حاليا ، لكن وكما غيره من الرؤساء الذين ظنوا أنهم ملوكا على شعوبهم وأن هذه الأرض ميراث أجدادهم فقد كان الرصاص هو الحكم والمسيطر فسقط القتلى والجرحى من المتظاهرين وهو ما ألهب حماس الشارع ضده ، وهو الذى ظن أن تمرير تعديل دستورى يمنحه حكما أبديا للسودان قد بات  قاب قوسين أو أدنى ..

إنه رئيس لا يرى المؤشرات التى تظهر أمامه والتى كانت تنذره بعواقب طريقة حكمه ، كما سجل الكاتب الكبير ” على أحمد باكثير ”  متحدثا عن حكم بونابرت لمصر ، فى مسرحية الرائعه  ( الدوده و الثعبان ) التى تتحدث عن الشيخ المصرى الكفيف ” سليمان الجوسقى ” الذى حاول ” نابليون بونابرت ” أثناء إحتلال مصر إستمالته حيث كان الشيخ  يتمتع بنفوذ وشعبيه واسعه ، لكن الشيخ أخذ يناور ويرسل إشارات لقائد الفرنساويه بأن هذا الشعب لن يموت حتى وإن إتهم بأنه شعب لا يحارب مطيع لحكامه ، وحتى ولو زاد الخونه فيه والعملاء كل يوم . وذات يوما حكى لبونابرت رؤيا رآها فى المنام عن ثعبان ودوده هجما على نخله ، إلتف الثعبان حول النخله فأضطربت خوفا فإذا صوتا من السماء يقول لها ” أيتها النخله لا تخافى الثعبان وخافى الدوده ” وتزحف الدودة وتقتات على النخله التى بدأ يتساقط سعفها من آثر ذلك فتدلت سعفه إلى الأسفل فرفعت رأس الثعبان لأعلى فأكل الدوده ونجت النخله “

فطلب نابليون التفسير فلم يجبه الشيخ إلا رمزا بأن النخله هى مصر والثعبان هو جيش الإحتلال الفرنسى وصمت عن الدوده التى رآها لغزا تحله الأيام . وتمر الأيام والشهور ويقبض على الشيخ الكفيف بعدما عرف نابليون أنه من قواد الثورة الشعبيه ضده ، وحاول القائد الفرنسى إستمالته حتى وهو على مشارف الحكم عليه بالموت لما له من تأثير على الناس وبعدما قتل كثيرا من أتباعه والثوار ولكن الشيخ سلم عليه بيده اليمنى وصفعه بيدة اليسرى فذهل بونابرت من هول المفاجأة فقال له الشيخ ” معذرة يا بونابرته هذه ليست يدى ، هذه يد الشعب ” ، وبينما هو ذاهب لمقصلة الإعدام صاح قائلا ” بونابرته ! تذكر تأويل الرؤيا نحن أثرنا الثعبان حتى إلتهم الدوده ، وغدا سنطرد الثعبان “

إن رؤيا الشيخ الجوسقى الكفيف المصرى كانت رؤيا صادقه أمام كل حاكم باطش وليس محتل خارجى ، ولكن من يرى ومن يسمع بل ومن يفهم الإشارات ، فالسودان النخله الأبيه التى تطرح خيرا لشعبها الجميل الصبور قد أبتليت بتحالف جاء على ظهر دبابه بقيادة البشير والمتحالفين معه من التيار الدينى ، الذين أحكموا السيطره حول النخله التى بدأت تستشعر الخطر يوما بعد يوم ، عندما بدأ التيار الدينى يدفع البشير لحروب داخليه كانت نتيجتها أن بدأ سعف النخله السودانيه يتساقط وأنفصل الجنوب ، وبدأت بوادر إنفصال دارفور تلوح فى الآفق ، وهو ما جعل البشير يقلق وهو ما جعله ينحى التيار الدينى لعله ينجو محكما السيطره على النخله السودانيه للأبد ، لكن تلك النخله الآبيه تهتز بشده لتحين ساعة طرد البشير لتعود لحضن أبناءها المخلصين الذين يتظاهرون فى الشوارع ، الذين يرددون كلمات صديق الشيخ الجوسقى وهو يساق للموت :

لا بأس بالموت إذا الموت نزل

الموت أحلى عندنا من العسل

ردوا علينا حقنا ثم بجل ( كفايه )

الشعب السودانى متدين يعلم أن ” الدين بحر الله ” لكنه ليس ” كيزانا ” تملئ وتفرغ دون وعى ، إنه الشعب صاحب الحضاره والتجربه التاريخيه ، ولا يمكن أن يلتهم الثعبان والدوده جذور نخلته ، ومعذرة سيادة الرئيس البشير فالمظاهرات ليست يد خارجيه إنها يد الشعب

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here