ياسر رافع: مصر تحتاج عقد إجتماعى جديد!

 

 

ياسر رافع

فى الفترات المفصليه فى حياة الأمم والتى تتحول من نظام إقتصادى وسياسى إلى أخر جديد ومختلف فى نفس الوقت فإنها تجد نفسها مطالبه بإستحداث نسق إجتماعى جديد يكون بمثابة عقد إجتماعى جديد يحدد طبيعة المرحلة الجديدة ويكون بمثابة إتفاق أو ميثاق عمل جماعى يشمل المجتمع بأسره دونما تمييز بين أطيافه ، وأن الدول التى تتغاضى عن ذلك الإتفاق الإجتماعى تكون معرضه لهزات كبيرة تهدد كيانها وربما يكون رفض ذلك الإتفاق بداية لنهايه سريعه لحلم طال إنتظاره .

إن مصر بعد ثورة 1952 كانت سباقه لتطبيق مفهوم العقد الإجتماعى على كل المستويات الإجتماعيه والسياسيه والإقتصاديه عبر تبنى الرئيس عبد الناصر فكرة ” الميثاق الوطنى ” وشرحه لذلك الميثاق على أنه ميثاق شامل لا يستثنى أحدا ، وشدد على فكرة الحريه والديموقراطيه كمحددات أساسيه لطبيعة العمل من خلال الميثاق ، ففى إجتماع أعضاء المؤتمر الوطنى للقوى الشعبيه لإقرار الميثاق الوطنى وإعلان تكوين الإتحاد الإشتراكى كهيئه سياسيه مايو 1962 شرح الرئيس عبد الناصر آليه عمل الميثاق وشدد على أن أى عدم فهم طبيعة التغيرات الإجتماعيه يؤدى للفشل وقد دلل بذلك على فشل ثورة 1919 قائلا ” إن القيادات الثوريه أغفلت إغفالا يكاد تاما مطالب التغيير الإجتماعى ” وأن التغييرات لم تطال الفلاح الذى يرزح تحت سلطة الإقطاع وقال ” إن حرية رغيف الخبز ضمان لابد منه لحرية تذكرة الإنتخابات ” ، وأن ” حرية النقد ضاعت فى هذه الفترة بضياع حرية الصحافه ”  وأن ” الديموقراطيه هى الترجمه الصحيحه لكون الثورة عملا شعبيا وإن الديموقراطيه هى توكيد السيادة للشعب ووضع السلطه كلها فى يده وتكريسها لتحقيق أهدافه ”  . وقد وصل الرئيس عبد الناصر إلى أن تحقيق مطلبى الحريه والديموقراطيه يأتيان عبر تطبيق النظام الإشتراكى الذى يراعى المتغيرات الإجتماعيه المصريه .

أيا ما كان قد حدث لذلك العقد الإجتماعى الجديد على كل المستويات من نهوض على مستويات وإخفاقات على مستويات أخرى ولكن الأهم أنه قد جرى النكوص عنه سريعا وأنتهى كميثاق عمل شامل بموت الرئيس عبدالناصر وتجربته معه ، ومع تولى الرئيس السادات ومن بعده الرئيس مبارك حدثت تشوهات إجتماعيه كبيره نتيجة التأرجح بين الإشتراكيه والرأسماليه وهو ما جعل من الحاله السياسيه فى حالة إحتقان دائم وهو ما جعل من تبنى عقد إجتماعى جديد أو ميثاق عمل وإتفاق شامل هو ضرب من المستحيل وهو ما كان مقدمه لثورة شعبيه أطاحت بمبارك ونظامه .

إن مشهد الجماهير المصريه فى ميدان التحرير عشية إنهيار نظام مبارك ، كان مشهدا عظيما كان رساله بأن المصريين يريدون مجتمعا جديدا يجمعهم عن طريق الإتفاق على عقد إجتماعى جديد .. ولكن؟!

فبعد أقل من ثلاث أعوام من قيام ثورة 25 يناير قد بدأ يلوح فى الأفق أن الحلم بالإلتفاف حول عقد إجتماعى جديد قد ذهب مع الريح تحت وطأة التنافس السياسى بين الفرقاء السياسيين فخرج الشعب عليهم بعدما تبين للشعب ” إن القيادات الثوريه أغفلت إغفالا يكاد تاما مطالب التغيير الإجتماعى ” كما قال الرئيس عبد الناصر سابقا .

وبعد 30 يونيو وما تلاها من أحداث سياسيه وإقتصاديه وإجتماعيه كبيره فقد أصبح المطلب الأساسى والملح للجماهير المصريه التى تقف ذائغة العيون هو عقد إجتماعى توضح فيه الأمور وتوضع فى نصابها الصحيح ، عقد يشرح فيه ومن خلاله طبيعة التوجه الإقتصادى للبلاد ! وآليه التطبيق داخل المجتمع ومدى ملائمتها لطبيعه الشعب المصرى ! .. وما طبيعة السياسه وآليات العمل بها ومن خلالها ؟ وطبيعة وآلية التعامل مع المستقبل !

مصر تستطيع أن تقدم عقدا إجتماعيا جديدا يكون نموذجا لغيرها من الدول العربيه إذا أرادت من أجل مستقبل جديد يراعى فيه التغييرات الإقتصاديه والإجتماعيه والسياسيه التى نشأت خلال السنوات الماضيه ورغبه المصريين فى بناء علاقات إجتماعيه قائمه على المساواه تكون مقدمه لما سماها ” جان جاك روسو ” فى كتابه العقد الإجتماعى ” بقاعدة النسق الإجتماعى ”  وهى تتلخص فى ” أن الميثاق الأساسى بدل أن يقوض المساواة الطبيعيه يحل على العكس من ذلك مساواة أخلاقيه مشروعه محل ما جاز للطبيعه أن تقيمه من تفاوت فيزيقى بين البشر وهكذا لئن جاز أن يكونوا متفاوتين بالقوة وبالموهبه العقليه فقد صاروا متساويين جميعا بمقتضى الإتفاق والحق “

الطريق إلى ذلك حوار مجتمعى شامل !!

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here