ياسر رافع: مصر بين سندان ومطرقة الأوهام الإمبراطوريه الأثيوبيه التركيه

ياسر رافع

ما أن دخل مدرس مادة الجغرافيا الفصل الدراسى فى ثمانينيات القرن العشرين يحمل فى يدة خريطه مطويه حتى قمنا وقوفا لتحيته ثم جلسنا ، وطلب المدرس من أحدنا أن يعلق الخريطه على الحائط وأنزلقت الخريطه على الجدار نزولا لنشاهد خريطة ملونه وعلى رأسها كتبت عبارة ” خريطة الوطن العربى ” و على الحافة يسارا كان هناك شعار لهيئة المعونه الأمريكيه بما يعنى بأن الخريطه جزء منها .. وراح المدرس يشرح لنا حدود مصر الجغرافيه والسياسيه وحدد لنا ما هى حدود الأمن القومى المصرى جغرافيا بما يناسب أعمارنا الصغيره وقتها وقال إن حدود الأمن القومى المصرى تبدأ من جبال طوروس فى هضبة الأناضول شمالا وتنتهى عند منابع النيل جنوبا ، وحدد خط الحدود الليبيه الغربى كنهاية للحدود الغربيه للأمن القومى معللا ذلك بأن الخطر من ليبيا ليس كبيرا .

وفجأة وقف زميل لنا يسأل المدرس ” لماذا وضع لاصق على الخريطه يخفى دوله إسرائيل وكتب عليه فلسطين ؟ ” . هنا ثار المدرس وراح يلعن الكيان الصهيونى ، حتى رن الجرس وإنتهت الحصه المدرسيه .

ومرت السنوات الطوال وبقى كلام مدرس الجغرافيا عالقا فى ذهنى ، وكذلك الخريطه الملونه واللاصق على الخريطه الذى أخفى إسرائيل لصالح فلسطين العربيه .

فى العام 2019 نشرت الخارجيه الأثيوبيه خريطه لتوضح حدودها الجغرافيه تضع دولة الصومال بالكامل داخل حدودها السياسيه وهو ما دعى الدول العربيه والمجتمع الدولى للإعتراض على تلك الخريطه مما جعل الخارجيه الأثيوبيه تتراجع وتأسف لهذا ” الخطأ غير المقصود ” .

لكنه لم يكن خطأ مقصودا .. إنه إختبار تلو إختبار تعودت عليه أثيوبيا لتختبر رد فعل المجتمع الإقليمى والدولى على خطواتها المستقبليه التى تحمل دلالات إمبراطوريه قديمه يحاول إحياءها رئيس الوزراء الأثيوبى ” آبى أحمد ” ، فأثيوبيا دوله تسعى لفرض وضع إمبراطورى تحلم به كما فى السابق ولكن لا تدعمه القوة الكافيه لذلك تلجأ إلى مظاهر القوة فقط ولا تتعداها ، مثلما حدث فى إختبار مصر فى سد النهضه ، وإختبار السودان فى حوادث التعدى المتكررة على الحدود فى منقطة الفشقه على الرغم من المعاهدات الدوليه التى تحدد حدود الدولتين .

فى العام 1897 أثناء التفاوض مع الإستعمار البريطانى عارضت أثيوبيا إستقلال الصومال وقال الإمبراطور االأثيوبى ” منليك ” بأن ” الصوماليين كانوا رعاة للماشيه لصالح الأثيوبيين قبل الفتح الإسلامى ” وتطور النزاع حتى تنازلت بريطانيا عن إقليم ” أوجادين ” الصومالى لصالح غرور إمبراطورى أثيوبى لا تريد بريطانيا له أن يتمدد أكثر من ذلك ، لهذا نجد أنه بعد إندلاع الحرب الأهليه فى الصومال فى تسعينييات القرن العشرين نجد أن قوة الإتحاد الأفريقى للسلام فى الصومال معظمها مؤلفه من القوات الأثيوبيه التى تقدر بآلاف المقاتلين .

فى العام 1962 قامت أثيوبيا بإلغاء المعاهدة الفيدراليه مع إريتريا وقامت بضمها بالقوة إليها لأن أوهام الإمبراطوريه الأثيوبيه تريد منفذا على البحر الأحمر يدعم قوتها وأستمر هذا الوضع حتى قامت الحرب الأهليه وأستقلت إريتريا وفقدت أثيوبيا منفذ البحر وتقزمت وأصبحت دوله قاريه . مما زاد الوضع الداخلى فيها تأزما وثارت المشاكل القبليه حتى مطلع الألفيه الجديدة والذى جاء بقادة جدد يحاولون دغدغة المشاعر القوميه عبر إحياء الأوهام الإمبراطوريه فى محاوله للسيطرة على وضع إقتصادى وعرقى ودينى وقبلى متأزم . حتى جاء رئيس الوزراء الأثيوبى ” آبى أحمد ” المدعوم أمريكيا والذى إستطاع أن يصلح ملفات داخليه حصل بسببها على جائزة نوبل للسلام ، والذى إصطدم بوضع إقتصادى مزرى لبلاده جعله يبحث فى أوهام الإمبراطوريه ما يدعمه إقتصاديا فى محاوله للهروب من مقصله شعبيه تطال رقبته ، فقام بتغليف الجشع الإمبراطورى القديم بغلاف إقتصادى فنراه يحاول إنشاء أسطول بحرى حربى ليس فى حاجه له لأنه ليس له منفذ على البحر ويريد أن يوجد له مستقر بإتفاق لإستغلال أحد الموانئ السودانيه بحجه تامين قوافله والسفن التى تحمل تجارته مع العالم بعدما رفضت إريتريا إستقبال الأسطول المزمع إنشاؤه لأن الهدف منه واضح ، مع العلم بأن هناك خط سكك حديديه يربط بين اثيوبيا وجيبوتى اقامته الصين يحمل تجارة اثيوبيا مع العالم الخارجى .

بعد قيام ثورة 25 يناير 2011 وإنشغال مصر بأوضاعها الداخليه ، قامت أثيوبيا بإنشاء سدا أسمته ” سد النهضة ” فى محاوله من رئيس الوزراء ” آبى أحمد ” أن يداعب الداخل الأثيوبى بأن النهضه الإقتصاديه بعد سنوات من الجدب والقحط الإقتصادى آتيه فى الآفق وغلف الدعايه لبناء السد التى تساعده على جذب تبرعات المواطنين بأوهام إمبراطوريه لا تخطأها العين ، فإذا كانت أثيوبيا لا تقدر حربيا على أعباء الإمبراطوريه حاليا فإنها بسد النهضه ستضمن تفوق إمبراطورى على الجارتين مصر والسودان عبر التحكم فيهما بمياه نهر النيل بما يتيح لأثيوبيا فى المستقبل القريب أن تتحكم فى دول نهر النيل ودول شرق أفريقيا

فهل تقدر أثيوبيا على تبعات أعباء الأوهام الإمبراطوريه لحكامها الجدد ؟!!

فى العام 2003 تولى ” رجب طيب أردوغان ” رئاسة الوزراء التركيه بعد إتفاق بين الإسلاميين والمؤسسه العسكريه التركيه وبداية عصر جديد من العمل المشترك بعد سنوات طويله من العداء ، وأبتدأ عصر جديد عرف بعصر” العثمانيين الجدد ” الذين إتخذوا سياسه خارجيه قائمه على مبدأ ” صفر مشكلات ” فى محاوله لبناء تركيا الحديثه من وجهة نظرهم ، حاول الحاكم الجديد لتركيا أن يطمئن جيران تركيا من العرب ويقنعهم بأن عهدا جديدا من حسن الجوار قد بدأ بعيدا عن أحلام الإمبراطوريه العثمانيه القديم . ولكن ذلك لم يستمر طويلا فالفشل التركى للإنضمام للإتحاد الأوروبى أجبر قادتها أن يتجهوا للشرق لحل أزماتهم وساعدهم تدهور الوضع فى المنطقه العربيه بعد أحداث الربيع العربى 2011 ، والذى أنشأ أوضاعا جعلت من سياسة ” صفر مشكلات ” عائقا أمام حلم إمبراطورى بدأ يداعب خيال تيار الإسلام السياسى الذى يحكم تركيا وتصوروا أنفسهم الخلفاء العثمانيين الجدد الذين عليهم الدور لحكم العرب ، ولما لا فقد تكفلت ” داعش ” بالجيش العراقى وقضت على المقاومه السنيه التى ترفض التدخل التركى وحاولت تركيا أن تتدخل فى العراق لكن الأكراد وإيران جعل من الحلم الإمبراطورى التركى الجديد سرابا ومؤجل لجولات أخرى .

وفى سوريا مع دخول البلاد بعد 2012 فى حرب أهليه دفع هذا الحلم الإمبراطورى التركى إلى حدوده القصوى بإمكانية إبتلاع سوريا لكنه قوبل بحلم إمبراطورى آخر وهو الحلم الروسى الذى وأد أحلام الإمبراطوريه التركيه بقوة السلاح .

بعدما ظهر الوجه السافر وسقطت سياسه ” صفر مشكلات ” وتعددت وتجذرت خلافات تركيا مع الدول العربيه ، فلم تجد تركيا إلا أن تعبر صراحة عن أحلامها الإمبراطوريه عبر تغليفها بغلاف الدعم السياسى لأحزاب تيار وأنظمة الإسلام السياسى فى المنطقه العربيه ، وعبر البحث عن موطأ قدم لها فى ثروات المنطقه العربيه . فدخلت فى عداء سياسى مع كل الدول العربيه تقريبا ، ولكن هذا لم يرضى الطموح الإمبراطورى النهم للأرض والثروات ، فكان التدخل العسكرى التركى فى الأرض العربيه بمساعدة تقنيه أمريكيه كبيرة لإحراج روسيا ومرتزقتها فى ليبيا ، والذى يحمل أيضا حلم لإقتسام ثروات البحر المتوسط من الغاز بعدما فشلت فى عقد صفقة لإقتسام الغاز أيام تولى المجلس العسكرى حكم مصر بعد 25 يناير 2011

فهل تنجح تركيا فى تحقيق حلمها الإمبراطورى ؟!

كبر الطفل بمرور السنوات الطوال وأعتلى الشيب رأسه ولكن الخريطه التى رآها فى الصغر وعليها شعار المعونه الأمريكيه وعليها لاصق يحجب كلمة إسرائيل مكتوب عليه فلسطين مازالت تداعب خياله ، بعدما رأى أن كلمات مدرس الجغرافيا أصبحت ضغطا على أعصابه بعدما رأى أن الخريطه لم تعد معونه أمريكيه بل وجودا أمريكيا دائما عسكريا وإقتصاديا وسياسيا ، وأن اللاصق نزع وأصبحت إسرائيل واقعا فجا لا فرار منه حتى المدى المتوسط ، وأصبح الأمن القومى المصرى مهدد بعدما رأى أحلام إمبراطوريه تركيه تتدحرج من آعالى جبال طوروس ، وأوهام إمبراطوريه أثيوبية تنسال عبر مياه نهر النيل ، وأصبحت مصر تعانى بعدما أصبحت محصورة بين مطرقة الأحلام التركيه وسندان الأوهام الأثيوبيه .

فهل تستطيع مصر بتداعى حدود الأمن القومى على مساحة الخريطه الإقليميه أن تنتصر وتحمى حدودها بعدما أصبح الخطر على بعد مرمى حجر فى ليبيا وفى قلب النيل ؟

مصر تستطيع إذا أرادت وتخلت عن ترددها الذى طال لحسم كل الملفات . فلغة السلاح أصبحت تسمع على بعد أمتار قليله من حدود الجوار ومن حدود جوار الأمن القومى ، لهذا يجب على مصر أن تسمع الجميع صوتها ولغتها الخاصه . فتركيا وأثيوبيا لن يتراجعا إلى الخلف إلا إذا ردت مصر بطريقه مباشرة وحاسمه حتى لو أدى ذلك لإشعال المنطقه بالكامل . وآن الآوان للدوله المصريه أن تعرف الجميع أن لها نشاطا إمبراطوريا مركزيا من السهل اللعب على أوتاره لإشعال المنطقه كلها .

 

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. لو ارادت الدولة المصرية وقف الاعداء عند.حدهم لبدأت بضبط ايقاع الاقتصاد المصري لصالح مصر ….
    فبدلا من ضياع المعونات الخليجية الديون من البنك الدلي والبنوك الخارجية عل مشاريع وهمية مثل تفريعة قناة السويس والعاصمة الجديدة والقصور…بدلا من هذا كان المفروض اقامة مصانع جديدة وتجديد القديم وتجديد قنوات الري الزراعي….وتحديث الطب والتعليم وغيره….لكن للاسف اتجهت مصر اتجاها خاطئا اهمل المشاريع المفيدة والتي تجلب العملات الصعبة.
    على كل….بدلا من اهمال سيناء وتشريد اهلها المفروض الاستثمار في سيناء لملئها بالسكان واقامة المصانع والمزارع….ايضا لا انسى اقفال المجال السياسي الاقتصادي امام اي اقتراحات او انتقادات هذا الجفاف السياسي ترك السيسي يقرر وينفذ بدون اي اعتراض
    باختصار من يود اعتراض الاعداء عليه جمع شمل شعبه ومده باساليب المعيشة عدم التوسع كثيرا في علاقاته لسياسية مع العدو الصهيوني..واهمال علاقاته العربية والافريقية…والاهم علاقاته مع شعبه بدلا من زج معدمه في السجن ومنعه من الكلام

  2. للأسف القيادة المصرية لا تملك الجرأة الكافية للقيام بردود فعل قوية خوفا على الاستقرار السياسي او لنقل خوفا على كرسي الحكم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here