ياسر رافع: مرتكب المعصيه الثوري!

ياسر رافع

من يتذكر آدهم الشرقاوى ؟! حتما سأجد ملايين من المصريين وغير المصريين يتذكرون ويشيرون إلى بطل شعبى مصرى قاوم الإنجليز وفعل الأساطير أثناء ثورة 1919 ! لكن فى المقابل سأجد من يعترض ويقول بأن آدهم الشرقاوى كان لصا خارجا على القانون هارب من العداله وقتل على يد البوليس المصرى جراء أفعاله المجرمه !!

إذا كيف نوفق بين طرفى النقيضين ! اللص الخارج على القانون ! والثورى النقى الحالم بزمن جديد ؟ وهل يمكن الجمع بينهما فى شخصية واحدة ؟!

لقد تناول المتابعون للثورات ظاهرة إنضمام الخارجين على القانون بصفه عامه إلى الحراك الثورى ، وقد لاحظوا أن تلك الظاهرة هى محل إحترام شعبى فى حالات بعينها بسبب ما تفعله تلك الفئه من الخارجين على القانون ، وهذا ما عبرعنه الكاتب ” فارنز فانون ” فى كتابه ” معذبو الأرض”  فى أثناء الثورة الجزائريه  قائلا ” الشعب يستعمل أيضا بعض الأحداث من حياة الجماعه فى سبيل أن يحافظ على شكله وأن يصون طاقته الثوريه . من ذلك أن قاطع الطريق الذى يصمد لمطاردات رجال الدرك أياما بكاملها ، أو الذى يقتل فى معركه فذة بعد أن يقتل أربعة من رجال الشرطه أو خمسه ، أو الذى ينتحر حتى لا يسلم رفاقه ، هؤلاء جميعا هم بالنسبة إلى الشعب منارات وقدوات وأبطال وليس مجديا طبعا أن نقول عن فلان من هؤلاء الأبطال أنه لص أو رجل فاسد أو منحط ، فإنه يكفى أن يكون هذا الرجل الذى تطارده السلطات الإستعماريه قد أساء إلى أحد الإستعماريين ، أو إلى أملاك أحد الإستعماريين حتى يفرق بينه وبين المذنب العادى “

وفى المقابل نجد الكاتب ” إيريك هوفر ” فى كتابه ” المؤمن الصادق ” ما يفسر ظاهرة إنضمام المجرم إلى الحركه الثوريه الجماهيريه قائلا ” إن الحركه الجماهيريه مصممة خصيصا لتلائم إحتياجات مرتكبى المعاصى ، من حيث تطهير نفسه وإتاحة الفرصه له لممارسة نزعاته ومواهبه ” ثم يمضى قائلا ” ولعله من الصحيح أن المجرم الذى ينخرط فى قضيه مقدسه يصبح أكثر إستعدادا للتضحيه بحياته والقيام بأعمال عنيفه “

إذا يكمن أن يكون اللص أو المجرم ثوريا ، ولكنها ليست حاله عامه فقاعدة التوبه والتطهرمن الذنب هى ما تجعل من المجرم العادى أن يصبح ثوريا يريد أن يتطهر من ذنوبه بأعمال تلقى قبولا شعبيا ، تجعل الشعب يرى فيه رمزيه ضد الظلم فى مواجهة السلطه ، وهذا ما حدث مع أدهم الشرقاوى !!

 وعلى الرغم من قتله على يد البوليس المصرى فى الوقت الذى خمد فيه الحراك الثورى لثورة 1919 ، إلا أنه ظل رمزا يحتفى به سرا حتى قامت ثورة يوليو 1952 والتى أرادت زخما ثوريا شعبيا فى مواجهة الملكيه والإستعمار فأعادت إحياء رمزية أدهم الشرقاوى تكريما لنضال شعبى فى مواجهة الظلم .

وقد أثار رفع صورة الشهيد ” على لابوانت ” فى الحراك الثورى الجزائرى الحالى – النموذج الجزائرى من أدهم الشرقاوى – فى مواجهة السلطه فى الجزائر مشهدا ملتبسا !! فعلى الرغم من أن هناك إجماعا حول تاريخ الشهيد ” على لابوانت ” الثورى و إلتباسا حول دخوله السجن سابقا ، إلا أنه بنضاله للمستعمر الفرنسى ورفض الإستسلام ومقتله شهيدا مع زملاءه صار أيقونه ثوريه دعمها قادة الثورة الجزائريه وقادة جيش التحرير الجزائرى الذين تسلموا القيادة فيما بعد ، ولكن بعد التحرير توارى ” على لابوانت ” الرمز الشعبى أمام آساطير وقادة الحركه الوطنيه ، أحمد بن بيلا و العربى المهيدى ، محمد بوضياف مصطفى بولعيد ، وغيرهم . لكن الدوله الوطنيه شأنها شأن الظواهر السياسيه الأخرى أصابها ما أصاب السابقون لها فقد ظهر الفساد وعم الفقر والإفقار المتعمد فى بعض الحالات حتى آلت الأمور إلى الحراك الشعبى ضدها والثوره على ما تبقى من رموز ثورة التحرير ، هنا تذكر الشعب رمزيتة الخاصه فرفع صورة ” على لابوانت ” فى مواجهة من يراهم أكثر إجراما وليس لديهم بوادر للتكفير عن ذنوبهم كاللصوص العاديين الذين يشعرون بالندم عندما يروا أهلهم وبنى وطنهم يرزحون تحت سلطه ظالمه أفقرتهم ، بعدما صاروا لصوصا لا يقارنون إلا بالمستعمر الفرنسى القديم الذى إلى الآن لا يريد أن يعترف بأنه أخطأ فى حق الجزائر .

مرتكب المعصيه  فى أى زمان يصير أيقونه ثوريه عندما تفسد السلطه وتضطهد شعبها ، ولم يكن ” أدهم الشرقاوى ” فى مصر ولا ” على لابوانت ” فى الجزائر إلا علامات على فساد السلطه وتجبرها حتى أصبح الشعب  يرى فى كل عمل فيه مكايدة للسلطه هو عمل جسور يقابل بالفرح والإمتنان ويتفنن الشعب فى إخفاء مرتكب المعصيه بعيدا عن أعين السلطه وأعوانها ، ويسرد الأساطير والحكايات والأغانى التى تمجد أفعاله .. وكيف لا وهوالتائب العائد إلى حضن الشعب نكاية فى السلطه .

 أدهم الشرقاوى ، وعلى لابوانت .. أيقونتان ثوريتان لهما شرعيه مستمده من شعب عانى من الإضطهاد والظلم من المستعمر وتواطئ سلطه بلادهم ، وصارالشعب ينظر إلى نضالهما على أنه أملا فى أن الأوضاع قد تتغير فى يوما من الأيام ولوعلى سبيل المكايده السياسيه .

فى النهايه لا ينطبق مثال الثورى مرتكب المعصيه التائب العائد لحضن الوطن على المجرمين الذين ينتمون إلى الجماعات الإرهابيه التى توجه فوهات بنادقها إلى صدور الشعب ، ببساطه لأن الشعب يلفظهم .

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here