ياسر رافع: مأزق الجيوش العربيه! الجزائر والسودان نموذجا

ياسر رافع

لماذا رفضت الجماهير فى الجزائر والسودان البيانات العسكريه التى أعلن فيها جيشى البلدين إنحيازهما إلى مطالب الجماهير المطالبه بالتغيير ! بل وعزل رئيسى الدولتين ؟!

الإجابه على هذا التساؤل تستدعى قراءه بسيطه ومتأنيه لكلا البيانين اللذين صدرا عن قيادة الجيشين فى البلدين واللذين تحدثا وكأنهما قد تفاجئا بالوضع المزرى الذى وصلت إليه بلديهما فى تذكير بقصة الزوج المخدوع الذى تفاجئ بخيانة زوجته بعد غيابه الطويل خارج المنزل .

فقد تحدث رئيس الأركان الجزائرى الفريق ” قايد صالح ” إلى الشعب الجزائرى الثائر معلنا شغور منصب الرئيس وأن الجيش يقف بجانب مطالب الشعب المشروعه قائلا ” إن المساعى المبذوله من قبل الجيش الوطنى الشعبى منذ بداية الأزمه وإنحيازه الكلى إلى المطالب الشعبيه ، تؤكد أن طموحه الوحيد هو السهر على الحفاظ على النهج الدستورى للدوله وضمان أمن وإستقرار البلاد وحماية الشعب من العصابه التى إستولت بغير وجه حق على مقدرات الشعب الجزائرى “

وفى المقابل على الجهه الأخرى قال وزير الدفاع السودانى ” أحمد عوض بن عوف ” بعد عزل الرئيس البشير قال فى بيانه العسكرى ” لقد ظلت اللجنه الأمنيه العليا المكونه من القوات المسلحه وقوات الشرطه وجهاز الأمن والمخابرات وقوات الدعم السريع تتابع ومنذ فتره طويله ما يجرى بمؤسسات الحكم بالدوله من سوء إداره وفساد فى النظم وغياب عدلى فى المعاملات وإنسداد للأفق أمام كل الشعب خاصة الشباب ، فزاد الفقير فقرا وزاد الغنى غنا وأنعدم حتى الأمل فى تساوى الفرص لأبناء الشعب الواحد وقطاعاته المختلفه وعاش أفراد تلك المنظومه الأمنيه ما عاشه فقراء الشعب وعامته رغم تعدد وتنوع الموارد التى تجود بها بلادنا ، ورغم تلك المعاناة والظلم البائن والوعود الكاذبه فقد صبر أهل السودان فوق تحمل البشر “

وعلى الرغم من اللهجه الحانيه الواثقه من نفسها والتى تراهن على رصيد عريض للقوات المسلحه الوطنيه لدى الشعبين الجزائرى والسودانى إلا أن رفض الشعبين لكلا البيانين قد أسقط ما تبقى للجيشين من بقايا ثقه فى قدرته على إدارة الوضع الحالى فما بالك بالمستقبل لماذا ؟!

لقد تناسى قادة جيشى البلدين أنهما كانا يأتمران كلا على حده بأمر رئيسه قبل خلعه وهو ما جعل بيانات إنحيازهما إلى مطالبات الشارع الثائر ترجح إنقلابا عسكريا فيه إعاده ” لتدوير القمامه السياسيه ” _ حسب وصف الشارع السودانى _ وليس خلاصا من كابوس جاثم على الشارع المأزوم سياسيا وإجتماعيا ، هذا فى الوقت الذى حاول الجيشين التملص ونفض أيديهما من نظامين ظل يحميانهما لأكثر من 30 عاما ووصفا كلا النظامين بالفساد وسرقة الشعب وإغراقه بالوعود الكاذبه ووصل بقائد الجيش الجزائرى أن يصف نظامه بالعصابه ، وجعل وزير الدفاع السودانى يزيد الطين بله بأن يذكر جموع الشعب بأن أفراد الأجهزه الأمنيه قد عانوا هم الأخرون من الفساد الذى طال بقية الشعب وهو ما كان ليمر لولا أن كلا البيانين لم يحققا ولو جزء بسيط من مطالبات الحريه والعداله ولم يتضمن كلا البيانين خريطة طريق واضحه يكون فيها الشارع الثائر حاضرا فيها ليقرر شكل الحاضر والمستقبل ، بل وضعا قادة الجيشين خارطة طريق إعتادت عليها الجيوش العربيه عندما يحدث لها مازق شعبى دونما الرجوع للشعب لأنها تعتبره قاصرا وسهل الإنقياد تحت سيل عارم من الحديث عن الوطنيه وكأنها حكرا على الجيوش العربيه فقط ،

 ولكن قادة كلا الجيشين إصطدما بجيل يريد المستقبل فى عوالم من الفضاءات المفتوحه وجد أن لا فرق بين نظام سابق خرج عليه واجبره على السقوط وبين نظام جديد يعاد إنتاجه ، فهم هم نفس الوجوه وبدا الشارع السياسى فى كلا البلدين يطرح اسئله وجوديه تطال المؤسسه العسكريه فيهما !

لماذا تنحاز جيوش التحرير الوطنى والتى جاءت على خلفية القضاء على الإستعمار الخارجى والحريه للشعوب إلى من يعيد إنتاج إستعمار داخلى يذل الشعب ويقهره ويسلبه حريته ؟ لماذا ترهلت الجيوش وتدلت كروشها ودخلت فى تحالفات إقتصاديه واسعه مع العصابه التى سرقت الشعبين ؟! لماذا تصر كلا قيادتى الجيشين على الإصرار على إعادة إنتاج نفس الكلمات التى كانت تنفع فيما مضى ويصران على تمريرها  مستغلين شعبيه بدأت تتحطم على صخرة الفساد والمشاركه للنظم الحاكمه فى القمع تحت نفس الرايات التى بدات فى خمسينيات القرن الماضى منذ فترة التحرر الوطنى من حماية البلاد من المؤمرات الكونيه الإستعماريه التى تحيط بهم ، ومن تطهير البلاد من الخونه والعملاء الذين يدمرون البلاد ، وفى نهاية المطاف عندما يثور الشعب يتضح أن الفساد بالداخل أكبر من المؤامره الكونيه وسرعان ما يخرج الجيش نفسه من المعادله الفاسده ويضع نفسه حكما ووصيا على الجميع ليقرر ما إذا كان فى الإمكان الذهاب إلى المستقبل أو إعادة إنتاج القمامه السياسيه مرة أخرى .. وفى النهايه الأسلوب واحد !!

إن ما يحدث فى الجزائر والسودان  إختبار صعب للجيوش العربيه وليس للجيشين الجزائرى والسودانى والتى ظلت تتحكم من وراء الستار فى مجريات الأحداث فى المنطقه العربيه منذ ما يقارب السبعين عاما منذ فترة التحرر الوطنى من الإستعمار الأجنبى ، فقد خرج الشعب يريد أن يلحق بالمستقبل بل ويطالب الجيوش أن تتنحى جانبا حتى يتم إعادة ترتيب البيت ! أو أن تتغير تلك الجيوش وتتخلى عن فكرتها عن الوطنيه من أنها وصايه على مقدرات الشعب السياسيه والإجتماعيه والإقتصاديه وهذا صعب جدا جدا !!

ما العمل إذا وقد وقف الشعب أمام كلا الجيشيين رافضا لوصايتهما ؟

الوضع حتما فى كلا البلدين مقلق ولكن طرفى الأزمه الشعب والجيش فى كلا البلدين لا يريدان تكرار نموذج الصدام كما حدث فى سوريا حتى لا تنزلق البلدين إلى حرب أهليه طويله ، ولكن فى المقابل هناك إصرار من الشعب على المضى قدما نحو المستقبل ولا يريد عوده لطريقة الحكم القديمه نظم باليه تحتمى بالجيوش من خلف الستار !! وبين إصرار من كلا الجيشين على عدم التطور الفكرى والمستقبلى والإصرار على المضى قدما نحو تطبيق طريقتهما المعتاده فى حل الأزمات السياسيه والتى لا يعرفان غيرها !!

الشعوب الثائره تريد المستقبل بأدواته والجيوش بطبيعتها لا تؤمن بالثورات والتغيير القصرى ، وهنا تكمن الأزمه الحاليه فى الجزائر والسودان ، شعوب تطورت وجيوش لا زالت تعيش فى زمن الإنقلابات الثوريه فى خمسينيات القرن العشرين ، إنها أزمه وجوديه لكنها حتما ستكون ملهمه للتغيير ، ولكنها من الممكن أن تتحول إلى نفق مظلم طويل يتحول فيها الجيش الوطنى زمن الإستقلال إلى حاكم فاسد على طريقة الحكم فى القرون الوسطى .

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here