ياسر رافع: فيلم الأرض .. رؤيه سينمائيه لدور المثقف المصرى

ياسر رافع

لا زالت صورة المثقف المتداوله على شاشة السينما فى مختلف الحقب التاريخيه منذ دخول السينما الأراضى المصريه ، صوره ملتبسه بعيده عن المواجهة التى تبرز دور المثقف كفاعل حقيقى ومحرك للأحداث ، بل تجعله قائم بدور ثانوى وفى كثير من الأحداث تتناوله كإنسان إنتهازى متسلق فى معظم الحالات التى تناولت دور المثقف . 

ولكن ما هو تعريف المثقف الذى تناولته السينما المصريه ؟

على الرغم من أن هناك تعريفات مختلفه ومتطوره لمصطلح المثقف إلا أن السينما المصريه لم تخرج به فى معظم الحالات من حيز أنه الإنسان المتعلم وسط محيط هادر من الجهل الذى يسيطر على غالبيه الشعب أو الشريحه التى يتناولها العمل السينمائى ، وهو تعريف يتماشى مع الشخصيه المصريه التى ترى أن الإنسان المتعلم هو إنسان جدير بالإحترام كما الجمله الشهيره التى نراه مكرره على شاشة السينما ” لأن العلم نور ” ، وهو القادر على إخراج الناس من ظلمات جهلهم وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم تجاه السلطه الحاكمه التى تبدأ من أدنى سلم السلطه فى مصر ” حضرة العمده ” وحتى ” الملك ” أو ” رئيس الجمهوريه ” فيما بعد .

ومع ذلك لم تكن علاقه المثقف وبين المواطن المصرى على شاشة السينما ، علاقه سلسله وبها تناغم على طول المسيرة السينمائيه المصريه بل كانت علاقه مد وجذر صعودا وهبوطا ، فكلما كان المثقف قريبا من هموم الشعب إزداد تمسك الناس به وساندوه كدور الفنان ” شكرى سرحان ” فى فيلم ” المتمردون ” مثلا .. فى المقابل ينفر الناس من شخصيه المثقف الذى يخدع الناس وكل المحيطين له وصولا لمحاولة قتله كما فى دور الفنان ” كمال الشناوى ” فى فيلم ” اللص والكلاب ” 

ولكن أكثر الأفلام السينمائيه التى تناولت دور المثقف بشكل قريب إلى الواقعيه المصريه هو فيلم ” الأرض ” عن روايه للكاتب الكبير ” عبد الرحمن الشرقاوى ” ، وتأتى أهمية الفيلم لتناوله سلوك أنماط مختلفه من المثقفين دفعة واحده وكأنما أراد كاتب الروايه وصناع الفيلم محاكمه علنيه لدور المثقف داخل مجتمع مضطهد ويتعرض لأقصى أنواع الظلم من قبل السلطه الحاكمه ،

فالفيلم يسلط الضوء على الظلم الإجتماعى الذى كان يتعرض له الفلاح المصرى تحت الحكم الملكى الإقطاعى من العسف والجور من خلال شخصيه محوريه هى شخصية الفلاح الثائر ” محمد أبو سويلم ” الذى قام بدوره الفنان محمود المليجى ، ومن خلال أحداث الفيلم ومن خلال الأزمات التى تناولها وهى أزمتى تقليص عدد مرات رى الأرض الزراعيه ، ومد سكه زراعيه إلى سرايا ” محمود بك ” الإقطاعى والذى يستتبع ذلك بالضروره إقتطاع أجزاء من أراضى الفلاحين الذين يعتمدون على ريعها فى حياتهم المعيشيه .

وهنا تبدأ أحداث الفيلم فى التصاعد وتعلوا أصوات أبطاله التى تتباين أرائهم تجاه أزمتى مدة الرى ومد السكه الزراعيه لسرايا محمود بيه ، ولكن أصوات المثقفين داخل الفيلم لها وقعها الخاص داخل الفيلم فقد كانت سلبيه فى مجموعها . 

الشيخ شعبان : شيخ الجامع الذى أراده صانع الفيلم مبصرا مع أنه فى الروايه الأصليه كفيفا ، وكأنما أراد صانع الفيلم أن يحاكمه على أفعاله وسلوكه الذى لم يتغير منذ بداية تناول شخصية شيخ الجامع الريفى فى السينما المصريه ، فهو الشيخ الذى يعلم الأطفال مبادئ الكتابه وتحفيظ القرآن ، ويؤم الناس فى الصلوات ويمكن تعريفه بالمثقف الشعبى الغير متعلم تعليما أزهريا راقيا ، وهو طوال أحداث الفليلم مخاصم لأبطاله فى آرائهم طالما أنها ضد السلطه الممثله فى العمده ومحمود بك الإقطاعى ، وكثيرا ما يهاجم أهل القريه ويصفهم بصفات أخرويه وأنهم سيدخلون النار إذا إنصاعوا لصوت التمرد ، ويعتبر هذا النمط من الشخصيات ما نستطيع أن نطلق عليهم المثقفين الشعبيين من منطلق رؤية المصريين للمثقف من حيث أنه متعلم فقط

الشيخ يوسف : ذاك المثقف بالمفهوم المصرى الذى تعلم فى الأزهر الشريف ومارس فعل الثوره شابا ولكنه أدرك بعد أن قضى فترة فى السجون إبان ثورة 1919 أن الثوره ليست بالفعل الدائم فإتجه إلى التجاره وأفتتح متجرا يبيع فيه ويقايض على سلع الشاى والسكر وما إلى ذلك من سلع ، وهو تارة يناصر الثائرين من أهل قريته ضد العمده وضد محمود بك الإقطاعى داخل الغرف المغلقه ،ولكنه فى العلن يقوم بفعل مناقض لذلك ، ولعل مشهد بيعه للسلع واللحوم لقوات الهجانه التى قامت بحظر التجول فى القريه هو ما جعل أهل القريه يعايروه به ، فلم يجد أمامه إلا التذرع بأنه ليس لديه ولد وأنه لديه بنت وحيده ويريد أن يحفظ لها مستقبلها فى محاوله يائسه لتحسين صورته وهو مالم يحدث

محمد أفندى : وهو شخصيه متعلمه فى البندر ( المدينه ) وهو موظف عمومى لكنه مصاب بنرجسيه معتاده فى هذا النمط من المثقفين الذين تعلموا فى المدينه حيث ينظر لنفسه على أنه مختلف وأكثر درايه بالأمور الحياتيه من الفلاحين ويستخدم دائما مصطلحات وكلمات عربيه كثيرا من الفلاحين لا يفقهون معناها ، وهو ما كان وسيله للتندر والسخريه داخل الفيلم ، وهو لا يقدم شيئا ذا قيمه إلا أن يكتب العرائض التى يدبجها بكلمات كبيره مفخمه لا تدخل فى صلب الموضوع مباشرة ، وهو ما حدا بمحمود بك بأن يصفه بالحمارمباشرة فى الروايه ، وبالتوريه فى الفيلم ، وهو برعونته وإحساسه بنفسه يتسبب فى ضياع الأرض بعدما إستغل محمود بك الإقطاعى نقطة ضعفه التى يريد بها تميزا عن بقيه أهل القريه . وهو فى المجموع ليس مثقفا مباشرا بل مفصول عن مجتمعه يستغل ثقافته للوصول لمآربه الشخصيه كمحاولته التحرش بـ ” وصيفه ” بنت الثائر ” محمد ابو سويلم ” فى غياب أبيها المعتقل فى السجون نتيجة مواقفه ضد السلطه 

الشيخ حسونه : وهو ما يمثل أعلى درجات المثقفين فى الفيلم والذى جاء إلى القريه عائدا من عمله فى المدينه بجوار الأزهر فى محاوله شجاعه لمساعدة أهل قريته الذين رأوا فيه الصوت الذى لا يشق له غبار فى الدفاع عنهم ، بل ويحفزهم على التصدى للظلم فى إسترجاع تاريخى لمواقف له ولأصدقائه الثائرين القدامى ، ومع إحساس محمود بك بقوه الشيخ حسونه داخل القريه فإنه يطلب مقابلته وتنتهى المقابله بنهايه مأسويه حيث خرج تحت جنح الليل عائدا لعمله فى المدينه بعدما حصل على تعهد بأن أحدا لن يمس أرضه وترك الفلاحين الثائرين يبحثون عن مخلصهم ولكنه قد ذهب إلى غير رجعه

ومع نهاية الفيلم ومواقف المثقفين المخزيه فلم يجد أهل القريه إلا أن يحاولوا أن يتفادوا أثر الكارثه عليهم بأقل التكاليف وسط هجوم من جنود السلطه عليهم وسحلهم لبطلهم الثائر الغير مثقف . 

وبعد !! هلى تغير الواقع السينمائى بعد 25 يناير إلى الأن ؟ وأين موقع المثقف قبلها واثناءها وبعدها ؟ ولماذا تتحاشى السينما المصريه تناول صورة المثقف الثورى الحقيقى ؟

أسئله أعتقد أن الإجابه عليها ليست مرهونه بصوره ملونه على شاشة السينما بقدر أن يتغير سلوك المثقفين على أرض الواقع المصرى . 

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here