ياسر رافع: شركات الأمن الخاصة.. واقع عربى مؤلم

ياسر رافع

مع إقتراب النهايه للحروب الصليبيه فى القرون الوسطى وبدايه المخاض لواقع عربى وإسلامى جديد ظهر عامل جديد خارج السياق العام لطبائع الأمور المستقرة منذ بداية التاريخ الإنسانى ، فمع نهاية الحرب على الجانب الصليبى ظهر بقوة تشكيل عسكرى متطرف يناهض ليس فقط المسلمين ولكن أيضا مناهض لقادة الجيوش الرسميه الصليبيه ألا وهو تنظيم ” فرسان المعبد ” الذى يعتبراللبنه الأولى لما يعرف حديثا بشركات الأمن الخاصه الإسم المدلل لمرتزقة الحروب والذين يتدخلون فى كل صراعات العالم المسلحة .

أما على الجانب الإسلامى فظهرت فكرة تجنيد المماليك العبيد وهم صغار ليشبوا رجالا وجنودا فى الجيوش الإسلاميه ، ومع تطور الأمور وإستتباب الأمور لصالح الممالك الإسلاميه بعد إنتهاء الحروب الصليبيه وبدايه لصراع دامى بين الممالك الوليده تطورت الأمور سريعا حتى أصبح المماليك الصغار هم المتحكمين فى أمور الدول الوليدة فى مصر والشام وبين عشية وضحاها أصبحوا حكاما ، وأستمروا على نهج من جلبوهم من الملوك السابقين وتوسعوا فى شراء العبيد الصغار ليضمنوا ولاءهم ويوتطدوا سلطانهم ، لكن الأمور تطورت وأصبح المماليك نموذجا للثراء السريع فى بقاع العالم الإسلامى إلى الدرجه التى يقوم فيها الشباب بإيقاع أنفسهم فى شراك النخاسين تجار العبيد حتى يباعوا فى مصر حتى يلتحقوا بخدمه الأمراء المماليك ليحصلوا على المزايا الإجتماعيه والإقتصاديه وأملا فى الوصول للمناصب القياديه فيها ، وهؤلاء عرفوا بمماليك ” الجلبان ” وهؤلاء لم يكن لهم ولاء للدوله بقدر الولاء للمال والمزايا الإجتماعيه وكانوا بمثابة ” مرتزقه ” بمفهومها الحديث حيث كانوا أول من طعن الدوله المملوكيه فى الظهر وقت إصطدامها مع القوات العثمانيه ، وكانوا أول من تولى الحكم فى مصر بعد الإحتلال العثمانى .

على الرغم من نشأتها بعد الحرب العالمية الثانيه إلا أن الفترة من حرب البلقان فى تسعينيات القرن العشرين وحتى سقوط بغداد فى العام 2003 على يد الإحتلال الأمريكى كانت بداية للظهور الفعلى لشركات الأمن الخاصه أو ما يعرف إعلاميا وشعبيا بشركات توريد المرتزقه للحروب حول العالم . ولكن بعد سقوط بغداد فقد بدا أن تلك الشركات لم تعد شركات أمنيه تقدم مشورات أمنيه ولوجيستيه وإداريه لحكومات الدول كما هو معلن على صفحاتها على الإنترنت بل تبين أنها أصبحت ذراعا طولى للدول التى تنطلق منها ، وأنها أصبحت تقوم بأدوار خارج القانون الدولى لصالح تلك الدول وبتكلفه قليله تقلل من حجم خسائر الجيوش الرسميه لتلك الدول عبر توريد الجنود المرتزقه من كافة الجنسيات لتحارب بدلا منها ، وقد كانت شركة ” بلاك ووتر ” الأمريكيه أقوى مثال لتلك الشركات الأمنيه قبل أن تتفكك وتغير إسمها ولكنها أوجدت واقع عالمى جديد أفرز عشرات شركات الأمن الخاصه والتى لها دور إقليمى ودولى فى الصراعات العسكريه على كامل مساحة الكرة الأرضية .

إذا كانت الحرب فى اليمن قد دشنت واقع عالمى جديد عبر إعتماد الطائرات المسيرة كوسيله ناجحه وفعاله فى الهجوم والمقاومه فى الحروب الحديثه ، إلا أن الحرب الأهليه فى ليبيا قد دشنت واقع جديد وهو إعتماد طرفى النزاع الليبى على شركات الأمن الخاصه الدوليه فى محاولة لحسم الصراع العسكرى ، ولم تكن معركة السيطره أو الإنسحاب من قاعدة ” الوطيه ” الجويه جنوب طرابلس إلا رفعا للغطاء عن دور شركات الأمن الخاصه ، وظهر لاعبان رئيسان هما شركة ” فاجنر” الروسيه ، وشركة ” صادات ” التركيه ، وأصبحت ليبيا حربا بالوكاله تعتمد فيها الأطراف المتنازعه على تلك الشركات لتوريد المرتزقه فى محاوله لحسم الصراع . ولكن هل هذا فى المستقبل فى صالح ليبيا كدوله ؟!

شركات الأمن الخاصه لها وجه براق يخفى مصالح دول بعينها فى الصراع الإقليمى والدولى ، فشركة ” صادات ” التركيه مثلا وعلى موقعها على الإنترنت باللغة العربية تحدد رؤيتها كالتالى ” تقدم الشركة خدماتها بما يتماشى مع مصالح ومعلومات ( بلدنا ) ومراعاة أوضاع الدول الجيوسياسى وتقييم التهديدات للدول ، حيث تقوم بتنظيم القوات المسلحه وقوى الأمن الداخلى بشكل يلبى الإحتياجات الحديثه والفعاله ” . وقد جعلت من شعارها وميدان عملها هو العالم الإسلامى فقط وقد عبر شعارها عن ذلك تركيا بلون وبقية العالم الإسلامى بلون مختلف وهو شعار مقصود لأن الشركه فى تبريرها لوجودها الأمنى فى الصراعات الإقليميه والدوليه وضعت بعدا دينيا يتيح لها الحركه وشرحت تحت عنوان لماذا صادات للإستشارات الدفاعيه الدوليه ؟ ” لماذا قامت الشركه والدوافع التى جعلتها تشارك فى مجال شركات الأمن الخاصه وذلك لسيطرة الدول الأوربيه وأمريكا على تلك السوق وهو ما يعيد نغمة السيطرة الإستعماريه على الشعوب وبالتالى ” فإن هذا المجال أستخدم كآلة للإحتلال الغربى “

وهكذا وجد المبرر الدينى والأخلاقى والسياسى للشركه التركيه كما لكل الشركات الأخرى العالميه ، وهكذا إكتمل الشكل الخارجى وبقى الجانب المظلم للشركه عاملا مشتركا بينها وبين نظيراتها الآخريات

إن الواقع العربى منذ أن ظهرت تلك الشركات الأمنيه التى تعتمد على تجنيد المرتزقه وإعادة ” تدوير ” العسكريين السابقين فى دول العالم ، وبمساندة الدول المختلفه أصبح مشهد القتل مشهدا متكررا ومعتادا منذ سقوط بغداد فى العالم 2003 ، وأصبح تداول أسماء تلك الشركات ” بلاك ووتر ” و فاجنر ” و ” صادات ” وغيرها أمريكيه وروسيه وأوروبيه أمرا معتادا وطبيعيا وهو ما ينذر بخطر داهم على الجيوش الوطنيه ويكفى نظرة على ما حدث للجيوش فى العراق واليمن وليبيا كمثال حى ليتضح لنا أن الإستعانه بتلك الشركات الأمنيه كانت وبالا عليها فتشرذمت الجيوش وأصبحت لغة الإرتزاق من الحروب هى الأعلى حتى أننا أصبحنا نعتاد على فكرة أن يقاتل العراقى ضد نظام سوريا ، والسورى يقاتل فى ليبيا بجانب الجنسيات المختلفه وأختلط الحابل بالنابل ، وأصبح شبح بدايات إنهيار جيوش الدول العربيه يلوح فى الآفق مع إزدياد نفوذ تلك الشركات ، وأن تكرار ما حدث بعد الحروب الصليبيه من شيوع فكر المرتزقه المسلحين أصبح سيناريو قابل للتحقيق ما لم تنتبه الدول العربيه لخطر تلك الشركات ، وأن تحاول الحد من نشاطاتها وتدعيم جيوشها الوطنيه .

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here