ياسر رافع: شرق المتوسط .. والزمن العربى الردئ

ياسر رافع

إن الأحداث الأخيره والمتصاعده بين دول شرق البحر المتوسط والتى تتصارع أو تتوافق على إكتشافات الغاز الكبرى فيه لهى حلقه ممتده ومتجدده لنفس شكل الصراع القديم بين الغرب والشرق ، ولا يجب أن يلهينا الشكل المتجدد لنوعية السلاح وشكل المصالح عن الهدف الأساسى ألا وهو من يدير دفة المصالح فى المنطقه العربيه والشرق أوسطيه ؟

إن التصريحات التى صدرت من القاهره وأنقره ولبنان والتى تعبر عن التمسك وبقوه عن مصالحها فى الغاز شرق المتوسط حتى وإن لزم الأمر إستخدام السلاح والقوه البحريه لتنفيذ ذلك ، لهو تكرار مخيف وإستدعاء لتاريخ وبداية حقبه مظلمه من تاريخ المنطقه العربيه والشرق أوسطيه وذلك عقب إنتهاء مشروع محمد على باشا التوسعى على يد الدول الأوروبيه التى ساعدت الدوله العثمانيه فى القضاء على حلمه من أجل أسباب متعدده سياسيه وإقتصاديه أهمها على الإطلاق سببين ، الأول ضمان عدم وجود دوله قويه تهدد مصالحها فى المنطقه أو إمتدادها للهند ، الثانى حصول دول أوروبا وخاصة بريطانيا وفرنسا على مناطق إرتكاز إقتصاديه فى شرق المتوسط لضمان التواجد ، والذى أصبح فيما بعد تمهيدا لإحتلال المنطقه عسكريا . 

ومن أجل هذا جرى إعلان معاهده لندن 1841 والتى ضغطت الدول الأوروبيه بها على مصر من أجل القبول بها والتنازل عن حلمها فى الإستقلال فى مقابل الحصول على إستقلال إسمى تحت الولايه العثمانيه ولكن محمد على باشا صرح وقال ” إذا كانت الدول المتحالفه تريد أن تكرهنى بالقوه على الإذعان لتتفضل بالمجئ ، فإنى على إستعداد لمقابلتها وإذا كانت بريطانيا تريد ذلك وحدها فإنى أكثر إستعدادا لمقابلتها ، إنى لا أهاجم أحدا ولكنى مستعد للدفاع عن البلاد حتى آخر نسمة فى حياتى ” .. ثم أردف قائلا ” إن الإنجليز يتهددوننى بالنزول لبر مصر فليجربوا ولينفذوا وعيدهم فسيرون أننا على إستعداد لمقلاقاتهم وأن الآجنه فى بطون أمهاتهم ستشترك فى قتالهم ” .

ولكن بعد هذه التصريحات العنتريه من محمد على باشا أيقن أنه لن يكون بمقدوره الصمود وتحدى الدول المتحالفه ضده وسلم بالأمر الواقع وأحتفظ من خلال المعاهده بالجزء المتاح له من المصالح ، ومن يومها والمنطقه فى يد الدول الأوروبية والأمريكيه والتى تحدد مصيرها ومصير ثرواتها ، بعدما آمنت الهدف الأساسى لها فى المنطقه حتى بعد ما عرف بفترة الإستقلال الوطنى فى المنطقه عبر إنشاء دولة إسرائيل على شاطئ شرق المتوسط والتى تضمن لهم عدم قيام دوله قويه فى المنطقه لكونها رأس حربه متقدم لهم ، وبعد إكتشاف ثروات الغاز بشرق المتوسط أصبح لها وجود مأمن عبر الإكتشافات الإسرائيليه والدول العربيه الحليفه لها لأن شركاتها بالأساس هى التى تقوم بالإكتشافات والإستخراج والتوزيع أيضا .

وهنا يثور السؤال فلماذا إذا لا تتقدم الدول الأوروبيه بالأساس لحل النزاعات المسلحه التى على وشك أن تندلع بسبب غاز شرق المتوسط بين الدول المتشاطئه عليه ؟ 

لأن الدول الأوربيه وأمريكا تنتظرما ستؤول له الأوضاع السياسيه فى دول شرق المتوسط والتى تحولت لحرب أهليه فى سوريا تدخل على إثرها الدب الروسى الذى تعلم الدرس قديما بعدما خرج خالى الوفاض من معاهدة لندن 1841 والذى يعى جيدا أن إكتشافات غاز شرق المتوسط تهدد مصالحه المباشره فى أوروبا ، وكذلك موجة الإرهاب التى تتعاظم فى كل دوله ، ولاعب جديد يعبر عن مصالحه فى شرق المتوسط وهى إيران عبر وسيط محلى وهو حزب الله الذى صرح منذ أيام على لسان السيد حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله اللبنانى قائلا ” هلا مجلس الدفاع الأعلى اللبنانى الرسمى يأخذ قراره إنه محطات النفط والغاز الفلانيه فى البحر الفلسطينى الذى تغتصبه إسرائيل الكيان المغتصب ممنوع تشتغل أنا بوعدكم  إن خلال ساعات قليله ما بتشتغل ” ، ” هذه حقوقنا ما حدا يتفضل بها علينا ويجب أن نحصل عليها “

فى مقابل صراع قديم متجدد بين مصر وتركيا على المصالح ، تصريحات فى مقابل تصريحات تؤكد على محورين أساسيين الأول التاكيد على الأحقيه فى المصالح والثانى على قدرة منهما على إثبات وجودهما العسكرى للدفاع عن تلك المصالح ..

دول شرق المتوسط تتراشق بالتصريحات والتلويح بالقوه العسكريه وتناسى الجميع أنهم الطرف الأضعف فى حلقة المصالح والقوه حتى وإن بدا ظاهر الأشياء عكس ذلك ، فالغرب وأمريكا كما قلنا آمنا مصالحهما وكذلك الروس وتم تآمين وجودا دائما على الأرض عبر إسرائيل وأن مظاهرة القوه مثلا التى تقوم بها تركيا فى شرق المتوسط سواء على الأرض السوريه أو فى البحر قبالة السواحل القبرصيه لن تؤمن لها وجودا كدوله عظمى قادره وفاعله فى مقابل تكالبها على إتفاقات نقل الغاز إلى أوروبا مع روسيا لضمان تواجد مستمر لعل وعسى يؤسس لعودة ماضى إستعمارى قديم لها .

أما الدول العربيه المتشاطئه فحدث ولا حرج مصر التى ترزح تحت أزمات سياسيه وإقتصاديه لا تنتهى وحربا مع الإرهاب ، ولبنان الجريح المنكوب والذى عليه أن يدفع فواتير التدهور العربى ، وسوريا الجريحه والتى دخلت دوامة الحرب الأهليه ولا حل قريب لأزمتها يلوح فى الأفق ، وفلسطين المحتله التى تنهب ثرواتها تحت سمع وبصر العالم منذ عشرات السنين  ، ولا يلخص تلك الحاله إلا قول السيد حسن نصرالله أن هذا الزمن ” هو الزمن العربى الردئ ” 

لهذا إذا أرادت الدول العربيه أن تخرج من تلك الدوامه وتحافظ على مصالحها فيجب عليها أن تتعامل ببراجماتيه بحته وتتخلى عن صيغ اللغه الإعلاميه العنتريه الكل يعلم أنها لن تجدى أمام تهديدها للمصالح الغربيه والأمريكيه فى هذا الزمن العربى الردئ ، وأن تبحث عن صيغ تتعايش بها مع إستراتيجيات من خارج السياق العربى كالتركيه والإيرانيه ، وإلا ستجد نفسها مجبرة على قبول تواجد عسكرى دائما أو شبة دائم من القوى الكبرى مكررين نفس السيناريوالمظلم القديم ، ولا ندرى ساعتها هل سيأتى اليوم الذى تكرر فيها حالة الإستقلال الوطنى مرة أخرى فى التاريخ العربى على المدى المنظور أم لا ؟ 

 

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here