ياسر رافع: سور هادريان – ترامب ! تراجع الديموقراطيه ؟ أم إفلاس حضارى ؟

ياسر رافع

لا يجب أن يمر الخلاف بين الرئيس الأمريكى ” ترامب ” وإدارته من جهه وبين الكونجرس والكتله المسيطره عليه من الحزب الديمقراطى من جهة أخرى مرور الكرام على خلفيه تعطيل أجهزة الحكومه بسبب التعنت من الكونجرس الذى يرفض مقترح الرئيس ” ترامب ” لبناء ” سور ” بطول الحدود مع المكسيك لكبح جماح الهجره غير الشرعيه للبلاد ، لأنه خلاف كاشف لحقائق عالميه تنذر بعواقب وخيمه على الأمن والسلم الدوليين بل وعواقب مؤكده على الأوضاع الداخليه للدول المتأثره بتلك السياسه الأمريكيه .. لماذا ؟

لم تكن فكرة إنشاء أسوار حول المدن ولا الدول بمستغرب تاريخيا لأنها كانت تعكس خوف الإنسان على مدار التاريخ من فكره العدوان على نفسه ومملتكاته ثم تطورت الفكره لتحمى الأفكار والمعتقدات ولعل سور الصين العظيم فى الصين لصد المعتدين ، وسور هادريان فى إنجلترا ضد البرابره قديما ، وسور برلين والسياج الفاصل بين الكوريتين والجدار العازل الصهيونى فى إسرائيل حديثا وسور ترامب المزمع إقامته لحماية الأمريكان وممتلكاتهم وأفكارهم وأسلوب حياتهم ، أمثله صارخه قديما وحديثا على تنامى الحاجه للأمن كلما تراجعت قدرة الدوله أو الإمبراطوريه على إنتاج أفكار كبيره تمثلها تتغلل فى محيطها الإقليمى والدولى تكون لها واقيا فكريا وحضاريا يحميها من هجمات أو أطماع خارجيه تدفعها فى نهاية المطاف إلى بناء اسوار تتحصن بداخلها تجعلها خط الدفاع الأخير فى مرحلة ما قبل السقوط النهائى .

إذا كان الدافع لبناء سور ” هادريان ” قديما هو حماية الدوله الرومانيه من هجمات البرابره وإذا كان قد نجح لفتره زمنيه معينه إلا أنه لم يحول دون سقوطها بعد ذلك بسبب تراجع الدور الحضارى والثقافى والإقتصادى وهذا فى ظنى مأزق ” سور ترامب ” المزمع إقامته حيث يعبر عن تراجع أمريكى على كافة الأصعده وإفلاس المنطق الرأسمالى فى تطوره ” النيو ليبرالى ” فى خلق مجتمع متجانس مما نتج عنه تفاوت طبقى حاد داخل المجتمع الرأسمالى نفسه مما سمح للأفكار الشعبويه أن تنتشر وتهدد الأفكار العظيمه التى قامت عليها الرأسماليه ولعل أكبر تلك الأفكار هى فكرة الديموقراطيه تاج الرأسماليه وعنوان تقدمها التى تعانى بشده تحت وطأة الشعبويه التى تريد الإطاحه بمكتسبات تاريخيه تراها تحت وطأة الأزمه الإقتصاديه التى يعيشها العالم بسبب تصرفات الليبراليون الجدد نوع من الرفاهيه التى تسلبهم حقوقهم داخل بلادهم من قبل المهاجرين الغير شرعيين الذين قبل تلك الأزمه كانوا يعتبروا وقود التقدم الغربى برمته

وإذا كان سور هادريان قد تم بناؤه فى إنجلترا قديما عندما كانت الحدود الطبيعيه الجغرافيه تسمح بذلك قديما ، وتسمح بذلك حديثا بالنسبه للحاله الأمريكيه ضد المهاجرين ، إلا أن بناء سور يحمى أوروبا من هجمات الهجره غير الشرعيه هو ضرب من المستحيل لهذا نجد أوروبا تبنى لها سورا مختلفا وبطريقه غير تقليديه تعبر عن مأزق خطير يطالها هى الأخرى حيث الشعبويه التى تجتاحها وتراجع دور دوله الرفاهيه بسبب المأزق الرأسمالى ، وهو سور يبنى بإستخدام الديموقراطيه بطريقه عكسيه . كيف ؟!

أوروبا هى ملاذ المهاجرين من بلاد البحر المتوسط وأفريقيا وكانت كذلك حتى بدأ التراجع عن دوله الرفاه بعد سقوط الإتحاد السوفيتى ، ومنذ ذلك الحين وأوروبا تعانى مشاكل تراجعيه ولم يستطع الإتحاد الأوروبى أن يخرجها من مأزقها الذى وصلت إليه إقتصاديا وإجتماعيا وسياسيا ، ولما قامت ثورات الربيع العربى وما تبعها من أحداث دمويه شجعتها اوروبا ودعمتها إلى أن بدأت أعداد المهاجرين من بلدان الصراع فى بلدان المتوسط  تتزايد ووراءها أعداد لا تحصى من مهاجرين أفارقه رأوا فى سقوط دوله مثل ليبيا حافزا وثغره للوصل إلى أوروبا ، هنا فقط رأت أوروبا أنها ستدفع ثمن مواقفها الإستعماريه السابقه فى تلك البلدان وأن أمنها معرض للخطر وأن السبيل الوحيد أمامها الذى يدفع بتلك الحشود للوراء هو التخلى عن المطالبه بالديموقراطيه فى تلك البلدان مع بعض المساعدات الإقتصاديه والعسكريه كحافز لها ليقوموا مقام ” سور هادريان ” القديم وهو ما جاء بنتائج جيده حتى الأن ..

ولكن ما هو الثمن الذى سيدفعه مواطنى تلك البلدان نظير التراجع الأمريكى والأوروبى عن قيم الديموقراطيه ! والتى جعلوها كبش فداء للتضحيه بهم على مذبح الديكتاتوريات ؟

لا زالت أزمه الديموقراطيه متفاقمه ومحل نقاش فى العالم الغربى منتجها ومسوقها ، ولكن المأزق الحقيقى الذى يقابل العالم الغربى قائد العالم حاليا هو مأزق الرأسماليه الذى أوصلها إلى مرحلة النيوليبراليه الذى يقود العالم نحو إنفصال طبقى حاد يهدد المدنيه ويأجج الصراع الطبقى فى العالم عبر إنتشار الأفكار الشعبويه فى العالم وأصبح الإرتداد عن قيم الديموقراطيه فى العالم هو السمه الغالبه فى الوقت الحاضر ، ولم يعد أمام الجماهير الغاضبه فى جميع أنحاء العالم وخاصة الدول المعنيه بأسوار ” هادريان ” اللاديموقراطيه وترامب الإلكترونيه إلا مهاجمه الأغنياء الذين يتحصنون وراء تلك الأسوار ونهب ممتلكاتهم

العالم مقبل على أوضاع حرجه فى ظل تراجع القيم التى كانت تحكم العالم فى القرن العشرين والتى شهدت مواتا أو شبه موات ونحن بعد لم نصل إلى نهاية الربع الأول من القرن الواحد والعشرين ، ولن يستطيع ترامب بسوره مع المكسيك  ولا أوروبا بسورها اللاديموقراطى فى دول حوض البحر المتوسط من أن يمنعوا الفقراء من الثوره على أوضاعهم المعيشيه التى حتما ستجعل أوروبا وأمريكا فى وقت من الأوقات تخرج بأساطيلها من وراء أسوراها للدفاع على مكتسبات أو البحث عن مكتسبات وحتما حينها سيكون الوقت قد نفذ من أيديهم

إنها ليست أسوار تحمى بل هى جدرانا تبنى لمقبره حضاريه يبدوا أننا سنكون شهودا على معاناتها لسكرات الموت الحتمى .

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here