ياسر رافع: تعديل دستور مصر لتأكيد سلطه.. أم البحث عن شرعيه؟

ياسر رافع

لم تكن الأزمه المثاره فى الإعلام الخارجى والداخلى عن تعديلات دستوريه مقترحه فى مصر إلا صوره من صور المأساة المصريه الممتده فيما بعد الثوره المصريه فى خمسينيات القرن الماضى إلى يومنا هذا ، والتى تتأرجح ما بين سلطه تريد حكما خاليا من الشوائب خالصا لها من المعارضه ، وبين البحث عن شرعيه تعيد التأكيد على مصداقيه الحكم .

ولم يكن المقال المنشور للكاتب الصحفى المقرب من السلطه ” ياسر رزق ” عن إقتراحات بتعديلات دستوريه تطال مواد دستوريه أتفق عليها شعبيا إلا إمتدادا لتسريبات تحمل نفس المضمون نشرت فى الصحافه الغربيه كتسريبات محتمله لتعديلات دستوريه فى مصر تتيح إمتدادا طويل الأجل لنظام الحكم الحالى ، ولكن وعلى الرغم من أن المقال لم يلقى حجرا ثقيلا فى المياه المصريه _ نظرا لتوقع الغالبيه العظمى من المصريين لتلك التعديلات _ إلا أنه لفت النظر لإشكاليه كبيره تطال نظام الحكم الحالى الذى بنى شرعيته بالأساس على ما حدث فى 30 يونيو فى حين ينظر الشعب على أن شرعية النظام الحالى مستمده من شرعية ثورة 25 يناير وما الخروج فى 30 يونيو إلا إمتداد لها ، وهنا تأتى كلمات ياسر رزق عن الإصلاح السياسى الذى تأخر قائلا ” الإصلاح الذى الذى أعنيه هو عملية تغيير ، تعزز الحياة الحزبيه وتدعم القوى السياسيه وتؤسس لتداول السلطه فى ظل نظام 30 يونيو .. ” لتؤكد على محاوله دءوبه للفصل بين ما حدث فى 25 يناير وبين ما حدث فى 30 يونيو بل والتأكيد على أن الشرعيه الثوريه للشعب لم تتأكد إلا فى 30 يونيو ، إذا نحن أمام محاولة فصل وتثبيت شرعيه  جديده منفصله عن سياق عام بدأ فى 25 يناير .

إن أى نظام سياسى يمتلك زمام الأمور فى بلد كبيره كمصر ، دائما ما يبحث عن شرعيه للحكم تتيح له قبول شعبى يضمن له الإستمرار فى القبض على زمام الحكم ، ولهذا نجد أن كاتبا كبيرا مثل ” محمد حسنين هيكل ” قد تحدث عن الشرعيه واصفا حكم الرئيس عبد الناصر بأنه كان قائما على أساس ” شرعية يوليو ” والتى تآكلت بعد نكسة 67 والتى عجلت بموتها فيما بعد ، ووصف فترة حكم السادات فى بدايتها بأنها كانت قائمه على شرعية ” وريث عبد الناصر ” خوفا من مراكز القوه من رجال عبد الناصر ، حتى جاءت حرب أكتوبر 73 وخرج منها السادات منتصرا ليس فقط فى حرب تحرير بل فى حرب إثبات وتثبيت شرعيه جديده لحكمه سماها هيكل ” بشرعية أكتوبر ” والتى بدورها إستمرت كشرعيه ممتده لحكم الرئيس مبارك بعده الذى وصف بأنه إمتدادا لحكم الرئيس السادات وهو ما سماها هيكل ” بشرعيه الأمر الواقع ” حتى ما أن إمتد نظام مبارك لمرحلة الشيخوخه حتى نراه وقد بدأ الحديث عن شرعيه جديده نستطيع أن نطلق عليها نحن ” شرعية الوريث ” والتى مهدت لها تعديلات دستوريه إعتبرها الجميع تمهيدا لتولى جمال مبارك الإبن لمقاليد السلطه فى مصر والذى كان يعتبر خروجا عن المألوف فى السياسه المصريه والتى تأسست شرعيتها على شرعيه ثورة 23 يوليو وإمتدادها فى شرعية أكتوبر 73 ، وهو ما جعل جذوة النار تحت الرماد تشتعل ويخرج الشعب فى 25 يناير 2011 معلنا سقوط شرعية ” الأمر الواقع ” ويسانده الجيش الذى أكد فى مراحل كثيره من سنوات الثوره على أن شرعية يولو وأكتوبر هى شرعية ممتده وما مطالبات الشعب بالحريه والعداله الإجتماعيه والحياة الكريمه ما هى إمتداد لجهاد شعب ضد العدو الداخلى والخارجى  .

حتى توارت رويدا ثورة 25 يناير تحت وطأة الخلاف السياسى الذى وصل إلى طريق مسدود فخرج الشعب بمساندة القوات المسلحه فى 30 يونيو فيما عرف وقتها بتصحيح المسار الثورى ، وحدثت الفتره الإنتقاليه التى مهدت لإقرار دستور جديد تصور الجميع أنه تأسيس لما عرف وقتها ” بالجمهوريه الثالثه ” والتى سوف تأتى بشرعيه جديده ، ولكن وجدنا أن ملامح تلك الشرعيه تتأرجح بين ثلاثة عناصر ، عنصرين ممتدين من شرعيات سابقه ، الإرهاب والإخوان المسلمين ، فالإرهاب وإن كان يصلح لتثبيت شرعيه لوقت معين ممتد إلى حين ولكنه لا يصلح كأساس لتأسيس المستقبل ، كما حدث فى الجزائر فى العشريه السوداء التى أنقذت الجزائر من الإرهاب وساعدت على إطاله أمد الحكم المتآكل هناك ، وهو ما نرى ” ياسر رزق ” يلمح إليه فى إفتتاحية مقاله قائلا ” أظن العام الجديد – أو هكذا أتمنى – هو الأكثر صخبا فى هذه العشريه .. ” فى محاوله رديئه لتقليد الإستاذ ” هيكل ” فى نحت ألفاظ وجمل تصيغ واقع جديد .

أما عنصر الإخوان فهو ممتد على إمتداد الشرعيات المختلفه منذ ثورة 52 وحتى الأن بإعتباره فصيل مخاصم للدوله الوطنيه والدوله المدنيه الحديثه ، ولكنه إستطاع أن يتواجد على الرغم من مخاصمة تلك الشرعيات له وهو ما يؤشر على أن التعويل على إقامة شرعيه على أساس مخاصمة فصيل معارض هو محل شك كبير .

أما العنصر الثالث فهو المأزق الحقيقى للنظام الحالى حيث أنه طبقا للواقع فهذا النظام هو إمتداد طبيعى لشرعيات يوليو 52 وأكتوبر 73 ومشاركا أساسيا فى شرعية 25 يناير وما تلاها فى 30 يونيو ، وهو مأزق التوفيق بين شرعيه تاريخيه شرخها الشعب مرات عديده فى مظاهرات 1968 التى شرخت شرعية يوليو ، ومظاهرات 18 و 19 يناير 1978 التى شرخت شرعية أكتوبر ، وثورة 25 يناير التى كسرت شرعية الأمر الواقع ، وبين مطالبات بشرعيه جديده تؤسس للجمهوريه الثالثه التى يريدها شعب خرج يريد زمنا جديدا وبين مؤسسه عسكريه تريد التوفيق بين مطالبات شعبيه شرعيه وبين واقع داخلى وخارجى فى غاية الصعوبه   

وما دام الحديث قد وصل إلى التأكيد على مأزق سياسى ، فلذلك نحن مطالبون بالحديث بصراحه عما يريده الجميع ، فهل يريد النظام السياسى الحاكم إمتدادا للحكم الحالى دونما مطالبات مكبله لحركته المستقبليه تتيح له تشكيل المستقبل بمفرده ؟! أم أن النظام الحالى يريد تأسيس شرعية جديده تكون  جذورها ممتده على مساحة كامل النظام الجمهورى الذى تاسس عقب ثورة يوليو 52 وفق مطالبات شعبيه ثوريه تريد زمن جديد ؟!

أعتقد أن الإجابه على ذاك السؤالين ليس بالمهمه اليسيره فالعناصر الحاكمه للإجابه عليهما صعبه التنبؤ بحركتها سواء الأزمه الإقتصاديه ! أو الحرب على الإرهاب ! أو الوضع السياسى الإقليمى والدولى ؟! أو عناصر داخليه تريد الدفع بالأمور الداخليه إلى الجمود المستمر من شرعيات سابقه ؟!

يبدوا أن عام 2019 سيكون هو العام الأسخن فى مصر .. فإلى قادم الأيام !! 

 كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. فعلا تعديل الدستور هو الحل ،لكن ليس حسب ارادة السلطة السياسية و لا حسب ارادة السلطة الدينية و لا حسب ارادة السلطة العسكرية و لا حسب ارادة تحالفها المصلحتي،قال محمد مهاتيري الرئيس الماليزي العلماني ،جئت لهدا المنصب ليس رغبة في وراتثه، و من يريد التقدم فهده التجربة اليابانية و من يريد ان يصلي فهده القبلة، و هدا ان دل على شيئ فانما يدل على ،كل الانطمة العربية ،جد مطالبة اليوم بالتخلص من عقدة التوريث السياسي و التخلص من عقدة الاسلامي السياسي و الاستعانة بالتجربة السياسية الناجحة عالميا،حتى و ان كانت غربية الصنع,,,

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here