ياسر رافع: المواطن والفرخه.. جدلية الحياة فى مصر

ياسر رافع

إحتل الحيوان فى حياة الإنسان المصرى مكانه خاصه فمنذ أن مارس فعل الإعتقاد الدينى كان الحيوان حاضرا برمزيته كشكل من أشكال الإشاره لطبيعة ذلك الإعتقاد  !! وقد تم رصد أربعة عشر حيوانا قدسهم المصريين قديما فى العهد الفرعونى ، لكن وعلى الرغم من إنتهاء علاقة الإعتقاد بالرمزيه الحيوانيه مع ظهور المسيحيه ومن بعدها الإسلام إلا أن علاقة المصرى بالحيوان علاقه ملتبسه نستطيع من خلالها فهم بعض الظواهر الإجتماعيه بسهوله .

أربعة عشر حيوانا مقدسا ترى لهم نقوشا على جدران المعابد ، لبؤة أسد ، ثعبان ، نسر ، فرس النهر وأخرين جميعهم يعبرون عن شخصيه تواقه إلى القداسه والسمو والقوة ، ولكن لم يكن بين تلك الحيوانات الدجاجه حيث ينظر المصرى إليها على أنها هشه القوام لا تصلح أن يتخذها رمزا لأى شئ حتى بات يطلق على وضعية المرأة المصرية بجملة ” فرخه مكسورة الجناح ” فى إشاره إلى أنها ليست مثل الرجل المحلق فى السماء كنسر حورس ، ولكن مع مرور الأيام والسنوات إحتلت الدجاجه أو الفرخه مكانتها التى تليق داخل المجتمع حيث حفرت لنفسها فى الذاكرة المصريه أخاديد لن تندمل بسهوله .

فالساسه والنخبه المصريه على طرفى الصراع السياسى والمجتمعى كثيرا ما يستخدمون مصطلح ” الإنسان المدجن ” لوصف بعضهم البعض بالضعف والإستكانه أمام سلطة الحكم ، ومع ذلك يتواضع ويتضاءل هذا المصطلح أمام سطوة الفرخه على حياة المواطنين المصريين اليوميه ، فباتت تلك الفرخه بحجمها الصغير والهش البنيه مقياسا لحياة المصريين اليوميه ، إلى الدرجه التى يجب حفر صورتها على معابد الفراعنه لرد إعتبارها التاريخى . 

على الرغم من الست المصريه تقوم منذ الأزل بتربيه الفراخ فى البيت لسد فجوة البروتين الحيوانى بسبب عدم شيوع أكل اللحم حيث كان الفراخ للغلابه واللحم للأغنياء ، ومع تطور المجتمع وظهور النمط الطبقى فى مصر بعد ثورة يوليو 1952 وبدأ يطرأ تغير على نمط الإستهلاك الحيوانى فظهر اللحم على موائد الفقراء الذين إلتحقوا بالطبقة المتوسطه الوليدة بجانب الفراخ التى ما زالت تربى على أسطح المنازل فى المدينه والريف على حدا سواء . ومع بداية الإصلاح الإقتصادى فى منتصف السبعينيات من القرن العشرين على يد الرئيس السادات ظهرت الفراخ كعنوان لمرحلة من الفساد الإقتصادى فقد تم إستيراد آلاف الأطنان من الفراخ الفاسده مما جعل المواطن يشك فى جدوى إصلاح إقتصادى فاسد يطال آخر حصون البروتين الحيوانى له ، وجعله يتشكك فى كل ماهو داجنى لا يذبح أمام عينيه فى محل ” الفرارجى ” .

ولم تستطع الفرخه المجمده سيئة السمعه أن تزيح الفرخه المصريه الحيه من علياءها وأستمر المواطن ينظر لها بعين الريبه حتى ظهر نوع جديد مهجن سريع النمو ليواكب طلبات الإستهلاك السريعه والمتناميه أطلق عليه شعبيا ” الفراخ البيضا ” ، وتربع النوع الجديد على عرش الإستهلاك وبرخص ثمنه النسبى فى مقابل سعر اللحوم أصبح وجبه تأكل يوميا بوصفات طبخ مختلفه ، وأستمر هذا الوضع تقريبا حتى ما يقارب نهاية عهد مبارك والذى ما أن شارف عهده على الزوال حتى بات حلم أكل فرخه يوميا يتضاءل أمام زيادة الأسعار وبوادر أزمه إقتصاديه أدت فى النهايه إلى قيام ثورة 25 يناير المجيده .

ولكن بعد ثورة 25 يناير تدهور الوضع الإقتصادى سريعا حتى أصبحت الفراخ  يتضاءل عددها على موائد غالبية الأسر المصريه ، وأصبح وجود فرخه كامله فى الأسبوع الواحد مرتين أو ثلاثه حلم ، وأزداد الأمر سوءا إلى أن ظهرت أنماط تقاوم السقوط الإجتماعى من قبل طبقه متوسطه تحاول أن لا تنزلق إلى أسفل وتستقر بجانب الفقراء والمعدمين ، تلك الأنماط الإستهلاكيه إعتمدت على تفكيك الفرخه إلى قطع منفصله حتى تستطيع الشراء فكانت الصدور ” الفيليه ” ، والوراك والأجنحه تباع منفصله كغذاء وكانت الرأس والأرجل تباع للكلاب والقطط إلى أن حدث تعويم الجنيه مقابل الدولار وأزداد الأمر سوءا إقتصاديا وأرتفعت الأسعار فإزداد إنزلاق المواطنين إلى طبقة الفقراء وهو ما جعل أرجل ورؤوس وأحشاء وأجنحه وهياكل الفراخ تباع كطعام بعدما إستحال الوضع الإقتصادى .

وعلى الرغم من ضخ الدوله كميات ضخمه من الفراخ المجمده المستورده إلا أنها إصطدمت بعلاقه شبه مقدسه بين مواطن يشك فى مشروعية الفرخه المستورده ويريدها مذبوحه أمامه بعدما فقد الثقه فى الرقابه على غذاءه ، وبين إحتياجه إلى مشتملات الفرخه المقطعه من أرجل وأجنحه ورأس لا توفرها تلك المستورده التى تريد مبلغا من المال لا يتوافر فى يده كل مره .

الفرخه طائر هش ولكنه عبر عن حالة المواطن المصرى بكل صدق إلى الدرجه التى أطالب بوضعه على العمله المصريه تخليدا له ، فيكفى أن تمشى فى مدن وريف مصر لتجد أن أكثر المحلات هى من تتعامل بيعا وذبحا وشويا مع ذاك الطائر حتى أنه أصبح الوسيله التى تربط المواطن المصرى بأخيه السورى اللاجئ عنده الذى إفتتح مشويات فراخ رخيصة الثمن نسبيا جعلت المصرى يتهافت إليه .

وإلى أن تتحسن الأحوال المعيشيه فى مصر ستظل الفرخه هى عنوان المرحله التاريخيه التى نعيشها .   

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. ردا على دكتور سماح الطيب
    أولا : شرفت بالتعرف الى حضرتك حيث فى مقال سابق كان هجومك على شخصى عارما وأننى كنت أراه من منظور عدم قراءه المقال بطريقه متأنيه
    ثانيا : إننى لن ألتفت للهجوم ووصفى بالإخوانى ويكفى أن ترجعى لما أكتبه عن الإخوان وموقفى منهم لتحددى بنفسك اين اقف اانا ؟!
    ثالثا : المقال ينمحور حول المشكله الإقتصاديه فى مصر من خلال أحد الوجبات الرئيسيه فى مصر وهى وجبة الفراخ .. ويبدوا أنك لم تنزلى مصر منذ فتره فلو كنت أتجنى على بلدى فبحث بسيط على النت للمواقع المصريه ستجدى أن هذا الموضوع قتل بحثا أكديميا وأدبيا بل وكاريكاتيرا
    رابعا : ليس الحديث عن مشاكل حادثه فى مصر هو من قبيل دس السم فى العسل وإلا لكانت برامج التوك شو التى تعرض ليل نهار مشاكل مصر دون أدنى كياسه هى السم فى حد ذاته
    خامسا : التطاول والإهانه على بلدى ليس من طبعى وليس من طبع مصرى غيور .. وأنا لست أدافع عن نفسى بل لإوضح أننى لستت ممن يخافون النقد لمجرد وصفى بأوصاف ليست فى
    فى الختام أشكرك على تعليقك على مقالى وأرجوا أن يتسع لك الوقت لتلقى نظره على ما أكتبه فلدى مدونه بإسمى ” مدونه ياسر رافع ” فيها كل ما أكتبه .. وكذلك أرجوا أن تبحثى عن ما جاء فى المقال من رؤى وأفكار فى المواقع المصريه العديده . ساعتها ممكن أن تحكمى على توجهاتى
    تحياتى

  2. رد علي المقال
    خير ماقال العرب . كل اناء بما فيه ينضح
    مصر لاينال منها احد ولو اجتمعت كل اقلام الشر

  3. في البداية وانطلاقا من ان الصحيفة تحمل لقب راي اليوم واعلنت انها جريدة كل الاراء والرأي الاخر يبقي حق ردي علي المقال واجب وتكفله الجريدة .
    وجهة النظر السياسية في المقال لن اناقشها لانها حق كاتب السطور ولكل انسان الحق ان يعبر عن مفهومه واعتقاده السياسي والفكري بما يتناسب مع رؤيته ومستواه الثقافي وقدرته علي تحليل الامور .
    انا اناقش السم الذي دسه في العسل من اهانة للمواطن المصري والتعريض بالاسرة المصرية انها تأكل ارجل واحشاء الدجاج ” الفراخ ” واصبح الحصول علي الدجاجة مجرد حلم وانا لايعنيني الكاتب ينتمي الي اي بلد لان من السهل جدا الادعاء والانتساب الي اي بلد طالما مفهوم المواطنة لدي المنتميين الي فكر جماعة الاخوان المسلمين لايؤمن بالمواطنة ويؤمن بالخلافة . وقد يكون الكاتب يظن او ربما هو علي يقين ان اهانة الاسرة المصرية والتطاول علي الشعب المصري هو المفتاح السحري لنشر مقاله باعتبار ان التطاول علي مصر اصبح وسيلة للشهرة والنشر . لكن مصر وان كانت تمر بازمة اقتصادية فهي احسن حال من دول عربية كثيرة وشعبها لايستحق الاهانة والتعريض به . الشعب المصري لايستحق هذا التحقير
    سماح الطيب
    استاذ علم النفس التريوي
    ماجستير علم النفس التربوي
    دكتوراة في السلوك والانماط الاخلاقية .. جامعة ماكجيل الكندية

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here