ياسر رافع: المثقف المصرى والبجعه السوداء

 

 

ياسر رافع

الزعيم السوفيتى “فلاديمير لينين” كان له رأى فى المثقفين أثار لغطا كبيرا خصوصا وهو يعد من كبار المثقفيين الثوريين الذين أثروا فى تاريخ العالم الحديث حيث قال “المثقفون هم أكثر الناس قدرة على الخيانه لأنهم أكثرهم قدرة على تبريرها ” .. وقد تلقف كثير من دعاة الجهل والتجهيل والإرهاب الفكرى تلك المقوله لمهاجمة دعاة الفكر ونشر الوعى بين الناس ! لكن محاولتهم ذهبت عبثا فقد تبين أن “لينين” كان يستخدم تلك الكلمات لمهاجمة أعداءة من المثقفين المناوئين لأفكارة الشيوعيه .

ولكن تلك الكلمات لم تقف عند هذا الحد بل بمرور الأيام وحتى بعد سقوط النظرية الشيوعية والإتحاد السوفيتى ممثلها السياسى أصبحت عنوانا عريضا للطعن فى كل المثقفين فى مقابل مثقفين أرادوا بتلك الكلمات أن تكون وقفه حقيقيه أمام أنفسهم وأمام الناس ليقرورا مع من يقفوا ! السلطه أم الناس ؟ هل هم دعاة خيانه وتبرير أم دعاة حريه وفكر؟

أعتبر مشهد دخول شيوخ الأزهر لمجلس “محمد على” وإلباسه ثوب الولايه على مصر وإعلانه واليا عليها رغم أنف الخليفه العثمانى إنتصارا للمثقفين من قبل دعاة التنوير ولما لا فهم قادة المجتمع الحقيقيين ولكن فاتهم أن الأزهر لم يكن قلعة للمثقفيين بمفهومهم الحديث ، ولكنه كان قلعة دينيه كافحت وحافظت بقدر إستطاعتها على ما تبقى من أمه مهزومه تكافح للخروج من عباءة القرون الوسطى المظلمه.

 ولكن ظهور مصطلح المثقف فى مصر بمفهومه الحديث لا ينطبق إلا مع بداية ظهور الشيخ “رفاعه رافع الطهطاوى” الذى نستطيع أن نطلق عليه بكل أريحيه بأنه أول مثقف مصرى بالمفهوم الحديث، ولكنه رغم إنتاجه العلمى والأدبى الغزير نأى بنفسه عن السياسه ومعتركها وركز على أهمية تعليم الشعب رجالا ونساءا على حدا سواء مدعوما بسلطة الدولة التى أتاحت له أن يتبوأ مكانه عاليه فى سماء الثقافه والعلم فى مصر الحديثه .

 ولكن فى المقابل كان ” الطهطاوى ” أول مثقف أيضا مورس ضده فعل ” التخوين ” وفعل ” التبرير ” فهو الشيخ الأزهرى المعمم الذى تحول إلى مثقف عصرى الذى واجه إتهامات كبيرة بالخيانه للدين من دعاة القرون الوسطى من بعض الشيوخ الأزهريين الذين كانوا يرفضون التحديث والحداثه ، وبالخيانه من دعاة الشعارات الجوفاء الذين يريدون أن يرفل المجتمع فى جهله حتى تسهل قيادته من بقايا المماليك والأتراك الذين كانوا يتحكمون فى مقدرات البلاد . فى مقابل دعاة التبرير من أنصار التحديث الذين رأوا أن عليهم واجب فى الدفاع عن الطهطاوى . وبهذا نستطيع أن نقول أن أول تقسيم حدث للمثقفين بين الخيانه والتبرير ! وبين المولاة والمعارضه للسلطه ! عنوانه العريض هو الشيخ  “رفاعه رافع الطهطاوى ” .

ويبقى السؤال ، هل تكلم الطهطاوى مدافعا أو مهاجما عن ما أثير حوله من لغط ؟

الشيخ الطهطاوى كان شخصيه غير صداميه  يكن إحترام متساوى قائم على التوازن بين سلطة الدوله وسلطة الأزهر مما جعله شخصيه مدعومه بقوه فى الإصلاحات التى قام بها لصالح الناس ، وكان ينأى بنفسه عن صدام يشغله عما ينفع الناس حتى أصبحت المدارس والتعليم متاحيين للفقراء من أبناء الشعب المصرى .

سأل يوما الطهطاوى لماذا لا ترد على مهاجميك من بعض شيوخ الأزهر فقال ” لقد تجاوزت السبعين عاما ولا اريد أن يعرض بى ؟! ” بهذا الكلمات فقد ترك الطهطاوى حسم مسألة التخوين والتبرير لغيرة من المثقفين من بعده فقد أدى ما عليه لصالح الناس وأنتشر التعليم الحديث كالنار فى الهشيم

فى كتاب ” البجعه السوداء .. تداعيات الأحداث الغير متوقعه ” للكاتب اللبنانى الأصل ” نسيم طالب ” والذى يتمحور حول فكرة الصدمه النابعه من التمترس خلف الأفكار الثابته والمعلبه حيث يعطى مثالا عاما لمدخل الكتاب وأفكاره العامه حيث يقول ” قبل أن يتم إكتشاف أستراليا ، كان أناس العالم القديم على قناعة بأن جميع طيور البجع إنما هى بيضاء ، ولقد كان هذا الإعتقاد راسخا فيما كانت الأدلة الواقعية تشهد له ، ولعل الوقوع على البجعه السوداء الأولى كان يمثل مفاجأة مدهشه للبعض من علماء الطيور، ولكن هذا ليس مربط الفرس فى هذة القصه فالمسألة هى أن هذه الطرفة تقف شاهدا على شدة محدودية معارفنا المستقاة من الملاحظه والتجربه ، كما تشير إلى مبلغ هشاشة مداركنا عن الأشياء والأمور ” .

ما أن تنتهى من الكتاب حتى ترى أن المثال السابق لا ينطبق فى مصر إلا على المثقف المصرى الذى أصبح كمن صدمته شاحنه وأصبح ممددا على سرير فى غرفة العناية المركزه موصولا بأنابيب التغذيه من أفكارة القديمه المعلبه من الليبراليه والقوميه والدينيه واليساريه لا يستطيع الفكاك منها ، يعشق الثبات ويدافع عنه حتى ظهرت ثورة 25 يناير التى مثلت البجعه السوداء والتى شهدت على مدى هشاشة المثقف المصرى ومدى إدراكه لطبيعة الواقع حتى أننا نجده لم يكن داعيا حقيقيا للثورة أو راغبا فى تحمل تبعاتها بل إنه لحق بها لعل وعسى  أن ينسب له أنه مكتشف أو داعيا لإكتشاف البجعه السوداء .

مع نهاية القرن التاسع عشر ومع إنتشار أدوات الثقافه من المطابع والصحف والكتب المترجمه بدأ يتبلور شكل المثقف المصرى وأصبح متفاعلا مع فكرة تثوير المجتمع وإستنهاضه وكانت فكرة المولاه أو المعارضه للسلطه الحاكمه لا تشكل عائقا أمام الإنتاج الفكرى والثقافى بأشكاله المختلفه وتمثل هذا فى الثورة العرابيه والتى مثلت بقائدها الزعيم ” أحمد عرابى ” أول ظهور للبجعه السوداء فى تاريخ الثقافه المصريه الحديثه حيث مثلت الثورة صدمه ضخمه لما هو معتاد ومتعارف عليه من أن الثورة عمل لا يمت لأفكار البلاد بصله وأن الخروج على الحاكم عملا خارج عن التعاليم الدينيه والأعراف المتوارثه ، لهذا فليس مستغربا أن يحدث أول إنشقاق ثقافى حقيقى آذن لحقبه جديدة فى مصر حيث أصبح للثقافه ضفتان تمارس فعل السياسه بين المولاه للسلطه فى مقابل المعارضه لها . وقد أصبح نموذج الشاعر أحمد شوقى فى مقابل الشاعر الشعبى عبد الله النديم هو العنوان العريض والترجمه الحقيقيه للتداعيات الأولى لمهاجمه خط الشيخ الطهطاوى الحداثى الخيانه والتبرير للأحداث من خلال المثقفيين ومواقفهم

ولكن هذا لم يمنع أن يكون هناك إبداع كامل أثرى الثقافه المصريه بعيدا عن التخوين والتبرير

لم تكن ثورة 1919 بقيادة الزعيم ” سعد زغلول ” حدثا خارج السياق العام ولم تكن كالبجعه السوداء التى ظهرت فجأة بل كانت حدثا متصلا بتنامى الثقافه وإنتشارها فى مصر رغم محدودية إنتشارالتعليم ، ولكنها شهدت تأثيرا كبيرا للمثقفين وبدايه لتأثير حقيقى لهم فى الشأن المصرى ، لكن فى المقابل رسخت لفكرة الموالاة والمعارضه التى غيرت شكل التاريخ فى مصر ورسخت لفكرة الوطنيه المصريه وبدأت تترسخ فى مصر ثقافة قبول الآخر وتوارت فكرة التخوين والتبرير المقابل وأصبح ظهور البجعه السوداء كحدث إستثنائى هو محل تقدير وسط شيوع الأفكار وسيولتها وتفاعل الناس معها وهو ما أظن لبداية النهايه لعصر القرون الوسطى وبداية الدوله المصريه الحديثه مع قيام ثورة 23 يوليو 1952 .

كان للثقافه والمثقفين المصريين دورا بارزا فى مصر بعد ثورة يوليو52، فلأول مرة أصبح لمصر قوة جبارة عرفت ” بالقوه الناعمه ” شكلت ولسنوات طويله وعى المصريين والعرب جميعا وآثرت فى المكون الحضارى العالمى فى فترة الخمسينات والتسينات من القرن العشرين ، ولكن منطق التخوين والتبرير والموالاة والمعارضه للسلطه  لم يغب عن المشهد بل كان له بعدا خطيرا فقد ظهرت بواكير الإقصاء للآخر لعبت فيه الدوله دورا كبيرا لكن الدور الأكبر كان بين المثقفين أنفسهم على إختلاف مشاربهم الثقافيه والفكريه فقد مارسوا ضد أنفسهم أبشع اساليب الإقصاء وعدم قبول الآخر لكن ذلك لم يعوق الإنتاج الأدبى والفكرى والثقافى الغزير الذى ساد إبان حكم الرئيس ” عبد الناصر “

حتى ما أن حانت نهاية فترة الحقبه الناصريه حتى بدأت تباشير بدايه أخرى لم تكن تخوينا أو تبريرا ولكن بداية ” لتكفير ” الآخر وصولا لإستباحة دماء المثقفين .

لم تكن الفترة التى تلت الحقبه الناصريه وحتى نهاية عصر الرئيس السابق ” حسنى مبارك ” لها ملامح مميزه نستطيع أن نشير إليها ومن يقول بأن نجيب محفوظ حصل على جائزة نوبل للأداب فى عصر ” مبارك ” فهو مردودا عليه ” فنجيب ” إبن ما قبل تلك الحقبه بسنوات . لقد حدث تراجع عام وأصبح إختفاء المثقفين المفاجئ من الساحه شيئا معتادا وسط تراجع كامل للحياة الثقافيه المصريه التى تراجعت بشدة بعدما أصبح التعليم وسيلة للترقى الحكومى وألتحقت به الثقافه وصارت حكرا على المتحلقين حول السلطه حتى توارى الإبداع وأصبح الدخول لمساحة الضوء والشهرة المرتبطين بالإبداع يجب أن يمرعبر أبواب السلطه حتى أصبح التخوين والتبرير هما السيدان والحاكمان لطرفى المعادله بين الموالاة والمعارضه ، بل أصبحا المتحكمان فى حركة الإبداع حتى وصلنا لنهاية عصر مبارك وقد خمد الإبداع وضاعت القوة الناعمة لمصر ودخلت الثقافه والمثقفين المصريين فى غالبيتهم الكاسحه وراء المتاريس التى صنعتها الأفكار المتوارثه والتى أصبحت تستعصى على التطوير والتحديث وصولا للحداثه ، لهذا لم يكن مستغربا أن يفاجئ المثقف المصرى بأن هناك شباب مثلوا فعل البجعه السوداء الخارجه عن المألوف قد وقف متسلحا بأفكار عصرة يقود الشارع بجموعه الهادرة ، ونراة سرعان ما قفز ناهضا محاولا للحاق بهذا الحدث الجديد المفاجئ له ، لكنه لم يكن على مستوى الحدث فنرى كل المثقفين على خلاف مشاربهم الثقافيه يحاولون إسباغ ثورة 25 يناير كلا بصبغتهم الخاصه حتى أصبح الصراع بين التيارات السياسيه والثقافيه الحدث الأبرز وهو ما سرع بسقوط الجميع مرة أخرى وسريعا فى 30 يونيو 2013 . ولم يستفد أحدا من ظهور البجعه السوداء وكأن المثقفين المصريين مثل أهل الكهف الذين ماتوا لسنوات طويله ثم أحياهم الله فرأوا ما حدث لهم ثم ماتوا مرة أخرى

لقد لعبت أدوات السوشيال ميديا ” الفيس بوك ” و ” تويتر ” دورا بارزا فى تاريخ الحياة المصريه الحديثه فقد مارس فيها ومن خلالها الشباب المصرى حريته بعيدا عن قوالب الحياة المصريه المعتادة ، إستخدمها فى الثورة وفى النقد وفى التخوين وفى التبرير وأكتشف من خلالها فعل الثورة (البجعه السوداء) . ولهذا ليس مستغربا أن يذهب المثقفين وراء الشباب إلى عوالم السوشيال ميديا باحثين عن جمهور يسترضونه مستخدمين نفس الأدوات التى أخرجتهم من مشهد ثورة 25 يناير-30 يونيو ، يحدثونهم عن ثقافات إنتهى عمرها الإفتراضى لم تطور نفسها لتساير العصر مستخدمين اقصى درجات الإقصاء للآخر على أمل الإستمراريه وإرضاء جمهور يريدهم على الأرض بأدوات العصر وليس بأدوات العصر بأوهام الماضى

الثقافه المصريه أصبحت متكلسه لا تقوى على مواجهة ظهور مفاجئ لبجعة سوداء مرة أخرى حتى وإن كانت تلك البجعه حاجه ملحه وضروريه ، فقد تراجع التعليم وجودته وأصبحت كلمة ثقافه كلمه منبوذة وعنوانا لشخص متعالى كمن ينظر للناس من فوق بناية عاليه يريدهم أن يصعدوا إليه دونما أن يعلمهم الوسيله لكيفية الصعود إلى أعلى . ولهذا أصبح لزاما على المثقفين المصريين الحقيقيين أن ينزلوا إلى الشارع لإنتشال ما تبقى من قوة مصر الناعمه ويطوروها بعيدا عن التخوين والتبرير المقابل ، وبعيدا عن فكرة الموالاة والسلطه وأن ترجع الثقافه المصرين إلى نهرها الجارى المتصل يتحاورعلى جانبى شاطئه الجميع

على المثقفين المصريين أن لا ينتظروا حدثا ضخما كبيرا لينتشلهم من على قارعة الطريق فهم قد أثبتوا أنهم ليسوا على مستوى الأحداث فى مصر والعالم ، وعليهم أن يرجعوا لبدايات الثقافه فى مصر ليتعلموا كيفية تقبل الآخر أولا ثم يبدأوا من حيث إنتهى الأخرون

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here