ياسر رافع: الفرص الضائعه فى السياسه الحزبيه المصريه

ياسر رافع

من يتابع السياسه المصريه منذ بدايات القرن العشرين وخاصة بعد ثورة 1919 والتى شهدت ميلادا جديدا للحزبيه المصريه المشاركه فى صنع القرار يدرك أن السياسه المصريه من أكثر النظم التى أخذت بالديموقراطيه كنظام سياسى إهدارا للفرص التاريخيه التى جعلتها متخلفه تحمل ماضى وميراثا كبيرا ولكن حاضر مبهم ومستقبل تحيط الشكوك حول مجيئه .

إن السياسه الحزبيه فى مصر تكونت بعد فتره ليست بالقصيره على إصدار أول دستور مصرى 1882 ومجلس شورى النواب عام 1866 وذلك فى العام 1907 والذى شهد قيام أربع أحزاب مصريه لتواكب التطور السياسى القائم فى البلاد والذى جاء متخلفا بسنوات وتلك كانت بدايه غريبه للحياة الحزبيه المصريه وهو أن تنشأ المؤسسات الدستوريه والنيابيه ثم بعدها بسنوات تظهر الأحزاب وكأنها نتاج ثانوى لإصلاحات سياسيه أرادتها الدوله المصريه أنذاك .

ولكن البدايه الحقيقيه كانت بعد قيام ثورة 1919 والتى شهدت ميلاد أكبر وأقوى الأحزاب السياسيه وعلى رأسها حزب الوفد بقيادته التاريخيه الزعيم سعد زغلول والنحاس باشا فيما بعد ، ومع تطورالأحداث فيما بين العام 1919 وقيام ثورة يوليو 1952 كانت العلاقه ملتبسه بين الأحزاب فيما بينها وبينها وبين القصر الملكى شهدت أحداثا جساما أثرت على مجريات التاريخ المصرى الحديث ، ولعل العلاقه بين الأحزاب السياسه والقصر الملكى هى العلاقه الأهم لأن القصر كان يريد لعب دور المسيطر على دفة الأمور السياسيه ولا يريدها أن تنفلت من بين يديه وهو ما وضع القصر وحلفاءه السياسيين من الأحزاب المواليه والتى كانت ضعيفه فى مواجهة حزب الأغلبيه الشعبيه حزب الوفد العتيد ، وهو ما أضعف الأحزاب السياسيه وجعل من الحياة الحزبيه وسيله للتقرب من القصرالملكى على حساب الديموقراطيه والحقوق السياسيه للمواطنين حتى جاءت الفرصه التاريخيه لبدايه جديده لرأب الصدع السياسى ، فبعد قيام الدبابات البريطانيه بحصار قصر عابدين وإجبار الملك فاروق على تولى حزب الوفد مقاليد الحكومه لأن حزب الوفد قادر بشعبيته على ضبط الإيقاع الشعبى وقت الحرب العالميه الثانيه ، وبدلا من أن تكون تلك الحادثه بدايه لتعاون مثمر بين القصر الملكى وحزب الوفد من أجل إعادة الحياة الحزبيه السليمه فى مصر لم يتقبل الملك فاروق تلك العلاقه إلا على مضض وسرعان ما تخلص من حزب الوفد وقاد حملة تشويه كبيره ضده بعد إنتهاء الحرب العالميه الثانيه وهو ما إنعكس سلبا على الحياة الحزبيه المصريه وتشرذمت الأحزاب كلها تريد التقرب من القصر الملكى وهو ما أدى فى نهاية الأمر إلى سقوط النظام الملكى ومعه أول تجربه حزبيه كامله فى مصر مع قيام ثورة يوليو 1952 ، وهكذا ضاعت أول فرصه تاريخيه لإصلاح المسار الحزبى فى مصر .

وكانت الفرصه الثانيه فى العام 1954 وبعد سنتين فقط من قيام ثورة يوليو ، وفى ما عرف بأزمة مارس 54 ضاعت الفرصه الثانيه لتعديل المسار الحزبى وقيام حياة حزبيه جديده حيث إنقسم الضباط الأحرار إلى فريقين ، الفريق الأول يريد العوده للحياة الحزبيه والحفاظ على المسار الديموقراطى فيما قبل ثورة يوليومع بعض التعديلات ، والفريق الثانى كان من أنصار هدم النظام الحزبى القديم بكل إيجابياته وسلبياته ، وكانت النتيجه أن إنتصر الفريق الثانى وضاعت الفرصه التاريخيه لإستمرار التطور الحزبى فى مصر ، وتابع ضياع الفرصه الثانيه قيام النظام الإشتراكى وسياسة الحزب الواحد وسارت الأمور على مر السنوات وكانت تزداد كل يوم الحاجه لتعدديه حزبيه لضبط الإيقاع السياسى ولكن كان هناك من لا يريد ! ولا يرغب فى ذلك ، حتى جاءت نكسة يوينو 1967 والتى هزت المجتمع المصرى كله وظهرت الحاجه إلى إلغاء الصوت الحزبى الواحد وهو ما عبر عنه الرئيس عبد الناصر فى إجتماع الإتحاد الإشتراكى قائلا ” النظام الحالى إستنفد كل مداه ولا بد من نظام جديد وعندى إقتراحات محدده ، أولا : إننا كأعلى سلطه سياسيه علينا أن نتحرر من الخوف وبعد كده نحرر البلد كلها من الخوف ، ثانيا : إذا كنا عايزين حقا توفير الأمن والسلام زى ما قلتم فلنسمح بوجود معارضه فى البلد …. “

ولكن كلمات الزعيم الراحل جاءت متأخرة ولم تكن إلا إنعكاسا لضياع الفرصه التاريخيه فى 1954 .

وجاء ضياع الفرصه التاريخيه الثالثه عندما قرر الرئيس السادات إعادة الحياة الحزبيه المصريه ولكن على طريقه ملوك مصر فقرر بطريقه فوقيه إعادة الحياة الحزبيه بقرار إنشاء المنابر السياسيه الثلاثه يمين ووسط ويسار لتضم كافة التيارات السياسيه المصريه والتى تحولت فيما بعد إلى أحزاب ، وعلى الرغم من أن السادات أعاد الحياه للأحزاب المصريه إلا أنه أرادها أحزابا على شاكله الأحزاب السياسيه فيما قبل نهاية العهد الملكى يريد ولاءات أكثر من تطور حزبى وهو ما جعله يصطدم بكتل سياسيه معارضه لسياساته مثل اليساريين والناصريين جعلته مجبرا على لعب دور الملك فاروق فى السابق واستدعى تيار الإسلام السياسى لمقاومه مناوئيه السياسيين وأستمر هذا الوضع قائما حتى كانت نتيجته أن قتل الرئيس السادات ، وضاعت فرصه تاريخيه أخرى لتطور حزبى مصرى بطريقه طبيعيه .

وفى عهد الرئيس مبارك وعلى الرغم من ميراث التجربه الحزبيه من عهد السادات إلا أنه لم يضف لها الكثير وجاءت الفرصه التاريخيه لإعاد الحيويه الحزبيه فى العام 1987 والتى شهدت إنتخاباتها البرلمانيه فوز المعارضه بجميع أطيافها بعدد لا بأس به من المقاعد البرلمانيه وهو ما أقلق دوائر كثيره فى السلطه وهوما عجل بوأد فرصه تاريخيه أخرى كانت تعد لبدايه وعلاقه جديدتين بين النظام والمعارضه فى إطار حزبى ومناخ سياسى منضبط .. واختفت المعارضه وتغول النظام وأصبح النظام الحزبى هشا وديكورا سياسيا للنظام الحاكم وأستمر ذلك حتى سقوط نظام مبارك فى 25 يناير 2011 .

إن توالى الفرص الضائعه فى الحياة الحزبيه المصريه منذ نشأتها وحتى الأن ليس وليد الصدفه ولكنها نتيجة رغبه النظام الحاكم فى تحديد شكل وكيفية عمل النظام الحزبى داخل المجتمع المصرى ، وعليه فإن الحياة الحزبيه المصريه ستظل أسيرة الفرص الضائعه طالما كانت فكرة العلاقه بين النظام والمعارضه تتمحور حول فكرة التابع والمتبوع .

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. يا أخ ياسر.
    البلد الذي يحكمه العسكر لا يتقدم في أي مجال.. لماذا؟
    لأن العسكر مستبدون وطغاة وجهلة.
    ولذا لا يوافقون على حياة سياسية حقيقية فيها أحزاب.
    أمن الدولة تحرك الأحزاب والسياسيين والمثقفين في دولة العسكر.
    المخابرات تحكم السياسة الخارجية،ليس لصالح الدولة، ولكن لصالح الطاغية العسكري الحاكم. تتابع المعارضين وتلاحقهم، وتلفق التهم والإشاعات في الداخل
    هل سمعت عن عالم الذرة الذي قتل في المغرب أخيرا وهو يحضر مؤتمرا خاصا باللشئون النووية؟
    كان على المخابرات أن تحميه لأنه عملة صعبة ، بدلامن متابعة المعارضين، ولكنها تركته للموساد يقضي غليه.
    عرفت لماذا العسكر لا يصلحون لحكم أي دولة؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here