ياسر رافع: الخلافة الإسلامية الحائرة بين القاهرة وأنقرة

ياسر رافع

من يتمعن فى تصريحات الرئيس التركى ” أردوغان ” يلاحظ أنه يستعمل اللغه الدينيه كأساس لتوجيه الخطاب السياسى ناحية المنطقه العربيه عبر دغدغة المشاعر وإستدعاء مصطلح الخلافه الإسلاميه الجامعه لإثارة مشاعر المسلمين فى المنطقه العربيه تمهيدا لإستعادة أمجاد تركيه غابره ، وكانت مصر هدفا مركزيا لتلك الإثاره الدينيه وهو ما يطرح سؤالا عريضا ، لماذا مصر بالذات المقصوده بتلك الدعاوى ؟ 

إن الصراع بين القاهرة وأنقرة هو صراع سياسى فى المقام الأول مغلف بسياق دينى يجرى إستدعاءه عند الحاجه لتمرير طموحات سياسيه وإمبراطوريه توسعيه ، وقد مرت الخلافة الإسلاميه كمصطلح سياسى جرى إستخدامه بعدما تم تفريغه من مضمونه الراسخ فى نفوس المسلمين بأربع مراحل أساسيه للحكم على تطور العلاقه بين القاهرة وأنقرة :

المرحلة الأولى : 

وبدأت تلك المرحله بعد دخول التتار بغداد عاصمة الخلافة العباسيه وقضاءها نهائيا على فكرة الخلافة الجامعه وبدأ عصر الدويلات الإسلاميه وكانت مصر أكبر الدول الصاعدة والتى حمت بيضة الإسلام على يد الحكام المماليك الذين كانوا يرون أن لا شرعية لهم إلا بإستدعاء مصطلح الخلافه والذين كانوا يرون أنهم الأحق بوراثته لذلك قاموا بإيواء أبناء أخر خلفاء بنى العباس ونصبوهم خلفاء شرفيا فى القاهره وكان يتم تنصيب الملوك المماليك بعد أخذ الشرعيه من الخليفه العباسى الذى لم يتبقى منه غير إسم شرعية الخلافه الإسميه  ، وهكذا صار المماليك يحكمون بشرعية الخلافه إلى آخر عمر دولتهم من القاهرة 

المرحلة الثانيه :

وهذه المرحله تمثلت فى طموح العثمانيين فى ميراث المماليك وإضافه شرعية رسميه تتيح لهم وراثة عرش الزعامه السياسيه للعالم الإسلامى فكان لهم ما أرادوا وقضوا على دولة المماليك وورثوا منهم الخلافه ولكنهم لم ينصبوا أحدا من بنى العباس كما المماليك يأخذون الشرعيه منه بل تسموا مباشرة بلقب الخلافه صراحة وأخذوا كل الألقاب الدينيه المملوكيه ونسبوها لهم مثل لقب خادم الحرمين الشريفين ونهبوا كل الأثار الإسلاميه المميزه للدول العربيه وزينوا بها عاصمة دولتهم لتأكيد على وراثة العالم العربى سياسيا ودينيا تحت شعار الخلافة الإسلاميه

المرحلة الثالثه : 

وتلك المرحله هى التى شهدت إعلان وفاة مصطلح الخلافه سياسيا وإمبراطوريا فى تركيا بعد تبنى نظام العلمانيه 1923 ، وهو ما جعل القاهرة تحاول إستدعاء دورها السياسى عبر محاولة إرث مصطلح الخلافه الإسلاميه وإعادته مرة أخرى لها لتوسيع نفوذها مرة أخرى ، فكان الملك فؤاد ومن بعده إبنه الملك فاروق يقومان بمحاولات لإحياء الخلافة مرة أخرى بمساعدة الأزهر عبر الشيخ الظواهرى تارة والشيخ المراغى تارة أخرى وكذلك الطرق الصوفيه  وأيضا بمساعدة التيارات الإسلاميه الوليده التى وقفت بجانب القصر مثل حزب مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين التى بارك مرشدها فى بدايته السياسيه تلك المحاولات قائلا ” كان المسلمون فى الخلاف يرجعون إلى الخليفه .. فأين هو الأن ؟ لا بد أن نعمل جميعا على إيجاده ” .

لكن ذلك إصطدم بعدم إستجابة الدول العربيه والإسلاميه لدعوات القاهرة لإحياء الخلافه ، وكذلك رغبة حزب الوفد برئاسة النحاس باشا فى عدم إقحام الدين فى السياسه .. ولكن كانت المفاجأة هو معارضة تركيا لتلك الدعاوى على لسان رئيس وزرائها العلمانى ” عصمت نونو لسبب غريب كما ذكرت مجلة روزاليوسف أنذاك ” إن من أسباب حملة الأتراك على مصر بخصوص الخلافة أن عصمت نونو يخشى أن تحرك مسألة الخلافة قلوب الأتراك التى ما زالت تنبض بحب ذلك النظام لأن كثيرا من الأتراك يعطفون على الخليفة السابق “

 

وهكذا ماتت تلك المرحله مع إندلاع ثورة 1952 فى مصر وتم طى فكرة الخلافه بين القاهرة وأنقره وحسب الناس أن الصراع التركى المصرى قد تباعد بعد المسافه بينهما على جانبى البحر المتوسط ولكن ؟!!

 

المرحلة الرابعه : 

وتلك المرحله هى الحاليه والتى تعرف بمرحلة الأحزاب السياسيه الراديكاليه ذات التوجه الدينى والتى شهدت صعودا لافتا فى كل البلاد الإسلاميه والعربيه والتى ترى فى فكرة الخلافة الإسلاميه حنينا لماضى عظيم وفكرة جامعة لتوحيد المسلمين ، ولهذا كان صعود التيار الإسلامى فى تركيا لافتا للجميع لأنه الأكثر صخبا فقد أرادت أنقره على يد الرئيس أردوغان إحياء فكرة الخلافه مرة أخرى لإستدعاء مجد إمبراطورى تركى ولكنه وجد فى القاهرة حجر عثرة لذلك الطموح والتى ترى فى إحياء تلك الفكره هذه المرة ما هو إلا جوله جديده من الصراع بينها وبين أنقره على السياده فى المحيط العربى والإسلامى وسط ما تعانيه القاهره من أزمات إقتصاديه وسياسيه طاحنه ترى فيها تركيا فرصة سانحه لإقتناص دور القاهره فى محيطها مدعومه بحماس التيارات الإسلاميه العربيه التى ترى أملا فى إحياء الخلافه على يد الخليفه المنتظر أردوغان

 

بعد ذلك السرد التاريخى المختصر عزيزى القارئ هل ترى فى الصراع بين القاهرة وأنقره أى بعد دينى ؟ أم إنه صراع سياسى بحت تم تغليفه بالدين فى مراحله التاريخيه المتعدده ؟

إن الصراع بين مصر وتركيا هو صراع وجود لا علاقة للدين به إلا بحسب ما تقتضيه المصالح ولا غير . 

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. لا. تعطوا. أي فرصه لأردوغان لانه ليس عربيا ويريد ان يسيطر المنطقة ألعربيه والإسلامية كلها ، رجل غير موثوق فيه أبدا أبدا ،. حذاري منه

  2. هذا وهم ومحض خيال ، فلا أحد في عالم اليوم يفكر في إحياء الخلافة ، ولا ظروف العصر وتعقيداته تسمح ببناء دولة تجمعها الخلافة ، فإذا كانت بعض الأقطار العربية التي حددت كيانها وحدودها اتفاقيات دولية ، تعاني في الوقت الحاضر من أخطار التقسيم والتجزئة ، فأي خلافة تتحدث عنها يا أستاذ ؟ ومن من الزعماء من يفكر فيها ؟ إلا في خيال بعض الصحفيين المصريين الذين يتخذون من هذه التعويذة مناكفة لتركيا بسبب العلاقات المتوترة بين مصر وتركيا .ومن يتابع النشاط الثقافي التركي في أي باب لن يجد هذا التفكير أو السعي لا من قريب ولا من بعيد .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here