ياسر رافع: الخبز وشرعية الحكم!

ياسر رافع

لم تكن الشعارات التى رفعها الشباب فى ميدان التحرير 25 يناير وفى كل ربوع مصر من أقصاها إلى أقصاها والتى تنادى ” بالخبز والحريه والعداله الإجتماعيه ” إختراع أو مجرد شعارات ملهمه بل هى تعبر عن موروث كامن فى الشخصيه المصريه المحدودة المطالب نتيجة إستبعادها من دائرة الحكم لألاف السنين تحت الحكم الأجنبى الذى تعدى القرنين والنصف منذ سقوط الدوله الفرعونيه القديمه والذى حكم مصر تحت شعار ” الحكم لنا والخبز لكم ” ومنذ ذلك الحين تحددت شرعية الحكم من أعلى وخرج الشعب المصرى من تلك المعادله وكانت فترة الحكم المملوكى شاهدة على تلك الحاله الفريده فى التاريخ المصرى والتى كانت مثالا واضحا على تلك العلاقه بين الخبز وشرعية الحكم ولم تكن حادثة مقتل الملكه ” شجرة الدر ” إلا تدشين لعصر جديد وتأكيد لشرعيه متوارثه على الرغم من غلبة الدم لعملية إنتقال السلطه فيها وغياب الشعب صاحب الحق الأصيل فى الحكم عن مجريات الأحداث .

وأصبح إنتقال سلطة الحكم من حاكم مملوكى إلى آخر يتم عن طريق الدم ، فلم يكن مشهد الملك ” عز الدين آيبك ” مددا على الأرض عارى الجزء الأسفل مقيد بالعبيد الخصيان منفرجا بين ساقيه والعبد الخصى ” محسن الجوجرى ” يعتصر خصيتيه بشده وصراخات الملك تتعالى حتى الموت أمام زوجته الملكه ” شجرة الدر ” حفلة إنتقام لإمرأه خانها زوجها بل حفلة إنتقام لأمير تزوج ملكه وأراد إخراجها من دائرة الحكم لصالح زوجته الثانيه وإبنه منها ، وفى المقابل لم يكن مقتل شجرة الدر وهى شبه عاريه على يد جوارى زوجة الملك المغدور إلا عملية إنتقال دمويه لشرعية الحكم إلى إبنها الأمير” على ” ، ومنذ ذلك الوقت أصبح تقلد منصب الملك فى العصر المملوكى يجب أن يمر عبر شرعية الدم وأصبح ذاك الإنتقال للسلطه هو المميز للعصر المملوكى فى معظم فتراته ،

ولكن تلك الشرعيه كانت وعلى الرغم من دمويتها تخضع لضوابط تراعى عدم إثارة الطامحين أو الموالين للملك المغدور ، فقد تم مراعاة قتل الملك من قبل منافسه بطريقه تضم إحتراما للمنصب وهو ما جعل من العاده المغوليه القديمه ” الخنق بالوتر ” هى المثلى لقتل ملك حيث كان المغول يقولون بتحريم إسالة الدم الملكى ، وهو ما رآها المماليك مناسبة لتقليد ملكى غابر يلجم ولو لحين الصراع المسلح بين طرفى المتنافسين على الحكم الذين كانوا يرون فى الثأر نتيجة إسالة دم الملك غدرا مدعاه لحرب آهليه طاحنه .

ولكن أين الشعب من شرعية الحكم المملوكى ؟!

كان المماليك ينظرون نظره دونيه للشعب المصرى ولم تتغير طريقة حكمهم عما سبقهم من الحكام الأجانب للمصرين فقد كان شعارهم ” الحكم لنا والخبز لكم ” هو العهد والميثاق الذى ورثوه لحكم مصر ، وطوال العصر المملوكى لم يأتى ذكر الشعب المصرى إلا من خلال إنتفاضات مصاحبه لشح مياه النيل وقلة الأقوات وأصبح الحصول على ” الخبز ” صعب المنال الذى أسموه ” عيش ” لأنه أصبح مقرونا بالحدود الدنيا لحياة المصرى المقهور ، ولعل أحداث ” الشده المستنصريه ” والتى آكل فيها المصريون كل شئ حتى وصل بهم الحال إلى أكل لحوم بعضهم البعض خير شاهد على تلك الحاله ، ولكن هذا كله لم يدفع المصريين إلى محاولة تغيير طريقة إنتقال شرعية الحكم المملوكى ولو أملا فى تغيير أوضاعهم المعيشيه ، بل أن هناك حادثه كاشفه لطريقة تفكير المصريين تعبرعن أن هناك لتفكيرهم سقفا لا يتعدوه ربما لحاجز سميك من الخوف قام بينهم وبين الحكام الأجانب الذين جعلوا من الإقتراب من الحكم مدعاة لإسالة بحور من الدماء وهو ما يتناقض مع طبيعة المصريين المسالمه ، التى تنشد الإستقرار الدائم .

فهاهو الملك المملوكى ” ركن الدين بيبرس الجاشنكير ” يأمر مماليكه وعبيده وجواريه بسرعة وضع كل ثروته من الأموال والذهب والمجوهرات فى الصناديق وحملها على الجياد والحمير حتى يهرب من القصر إلى خارج البلاد قبل وصول إبن الملك السابق الذى يطالب بدم أبيه الذى مات على يديه ويريد كرسى العرش ، وبينما يخرج من القصر متسللا فى جنح الظلام حتى علم المصريين فسارعوا متجمهرين يحملون العصى والنبابيت والسكاكين مهاجمين الموكب الملكى فقد كانوا يكرهون الملك الذى جعل من حياتهم مستحيله وعلى الرغم من محاولة الملك وعبيده رمى بعض الأموال والذهب على الجموع الغاضبه فى محاوله لإلهاءهم حتى يهرب ولكن تلك الجموع الغاضبه لم يثنها الذهب عن مهاجمة من أخل بميثاق ” الحكم والخبز ” ، فما كان منه إلا أن أمر جنوده بمهاجمة المصريين الغاضبين بالسلاح الذين ما أن سالت الدماء حتى هدأت ثورتهم وبدأوا فى تشييع موكب الملك الهارب باللعنات والشتائم على أمل أن يأتى الملك التالى الذى قام بخنقه بالوتر فى السجن بجديد يعيد الأمل فى تغيير الأوضاع المعيشيه المزريه  . وأفلتت الفرصه التاريخيه ورجع المصريين لبيوتهم سريعا فى إنتظار ملك جديد !!

وهذه الحاله عبر عنها الراحل الدكتور ” جمال حمدان ” ووصف المصرى بأنه يثور صباحا ثم سرعان ما يرجع سريعا إلى حقله وقت الظهيره معبرا عن إنفلات الفرصه دائما من يد المصريين عندما يثورون ، لهذا وضع مبدأ لنجاح الثوره فى مصر وهو ” أن ما تحتاجه مصر أساسا هو ثورة نفسيه بمعنى ثورة على نفسها أولا ، وعلى نفسيتها ثانيا ، أى تغيير جذرى فى العقليه والمثل وأيديولجية الحياة قبل أى تغيير حقيقى فى حياتها وكيانها ومصيرها ، ثورة فى الشخصيه المصريه وعلى الشخصية المصريه ، ذلك هو الشرط المسبق لتغيير شخصية مصر وكيان مصر ومستقبل مصر “

لهذا فشعارات المناداه بالخبز حتى ولم تم إقترانها بقيم براقه مثل الحريه والعداله الإجتماعيه ، لم تعد كافيه ولا مناسبه لتغيير واقع فى زمن مختلف ، فلازالت قاعدة ” الحكم لنا والخبز لكم ” حاكمه لتفكير المصريين وطريقة حركتهم ولذلك غابت عنهم آلية التغيير وضبابية الرؤيه المستقبليه عندما حانت اللحظه الفارقه فى 25 يناير .

لهذا إذا أراد المصريون تغييرا حقيقيا نراه فى عيون الجميع وعلى لسان النخبه فيجب الخروج من دائرة المطالبه بالخبز والإنتظار فى طوابير كل شهر ممسكين ببطاقات التموين إنتظارا للمؤونه الشهريه من السلع التموينيه ، وعليهم الخروج من أوهام الثورات الشعبيه فلم يحدث أن حكمت ثوره فى تاريخ مصر لا قديما ولا حديثا ولم تعد كل المطالبات اللاحقه عليها إلا مكتسبات سرعان ما يتم النكوص عنها بعد سنوات قليله . ويفكروا فى حلول تنبع من الشخصيه المصريه بعيدا عن موروثات الحكم الأجنبى الذى ما زالت أثاره باديه على الشخصيه المصريه على الرغم من رجوع الحكم إلى المصريين مرة ثانيه بعد آلاف السنين .

عندما يتم كسرالعلاقه بين الخبز وشرعية الحكم فى مصر عندها فقط سيكون المستقبل متاحا للجميع .

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here