ياسر رافع: أمريكا من الإحتواء المزدوج للإستحمار المركب

ياسر رافع

قلما تجد كاتب او باحث يرتقى بك إلى آفاق فكريه جديدة تجعلك فى حالة سيوله فكريه داخليه لا ينقذك منها إلا التعاطى معها والجريان مع سيلان تدفق مدخلاتها حتى تجد نفسك طريحا مدمى الروح على أحد شواطئها تنظر إلى حالك وأحوال البيئه المحيطه بك فتزداد جراحك مع قسوة الطرح والدماء التى تسيل على أسنان المصطلحات المدببه القاسيه التى تفسرها .

إن الكاتب المفكر الإيرانى الراحل ” على شريعتى ” هو من هؤلاء الكاتب القليلين الذين يدمون الروح لقساوة الطرح والمصطلح ولكنه لا يتركك إلا وقد شحذ عقلك وقلبك وجعلك متبصرا لما يدور حولك ، وهذا نجدة من خلال كتابه العلامه ” النباهه والإستحمار ” والذى يعالج فيه مشاكل العالم الإسلامى من خلال فكرة التضاد بين نقيضين هما النباهه والتى تعنى الدرايه بالواقع والإنتباه لما يحاك حول الإنسان وهو يقسمها إلى النباهه النفسيه والنباهه الفرديه وصولا للنباهه الإنسانيه والتى تعنى فى مجملها أن يكون الإنسان مدركا لما يدور حوله منتبها لكل من يريد أن يجعله حمار يساق إلى مصير مجهول ينتهى به للإستعمار والإستعباد .. فى مقابل الإستحمار وهو مصطلح ثورى بإمتياز ، له أسنان تجرح كل من لا يريد أن تكون النباهه طريقه ويريد أن يكون عبدا ، والإستحمار قسمه الكاتب إلى قسمين هما الإستحمار المباشر وهوعباره عن تحريك الآذهان إلى الجهل والغفله ، أما الغير مباشر فيعنى إلهاء الأذهان بالحقوق الجزئيه لتنشغل عن المطالبه بالحقوق الأساسيه والفوريه .

وقد لخص الكاتب فكرة التضاد فى الكتاب قائلا ” عندما يشب حريق فى البيت ويدعوك أحد للصلاة والتضرع إلى الله ينبغى عليك أن تعلم أنها دعوة خائن لأن الإهتمام بغير إطفاء الحريق والإنصراف عنه إلى عمل آخر هو الإستحمار وإن كان عملا مقدسا  “

……………………………………………………………………………………

فى منتصف القرن العشرين تبنت أمريكا سياسه دوليه جديدة آنذاك عرفت ” بسياسة الإحتواء ” وهى سياسه على الرغم من أنها كانت لإحتواء الإتحاد السوفيتى وتدميره إلا انها أصبحت سياسه متطوره تطورت بفعل تطور الأحداث الدوليه حتى فيما بعد سقوط الإتحاد السوفيتى ، وهى سياسه وضعها ” جورج كينان ” رئيس قسم التخطيط السياسى فى الخارجيه الأمريكيه وكانت قائمه على إيجاد تحالفات تطوق الإتحاد السوفيتى وتمنع تمدده ، وفيما يعنينا كان نصيب المنطقه العربيه من تلك السياسه وافرا لقربها من الإتحاد السوفيتى ، فنجد محاولة جر المنطقه إلى تحالف عرف ” بحلف بغداد  1955″  ولكنه فشل ، ومحاولة وقف تمدد حركات التحرر الوطنى العربى حتى لا تجد رابطا بينها وبين الإتحاد السوفيتى . وقد تطورت تلك السياسه إلى ما عرف بسياسة ” الإحتواء المزدوج ” وهى سياسه قائمه على فكرة تضارب المصالح بين قوتين رئيستين فى منطقة ما ، وهما فى المقابل عدوتان لأمريكا ولهذا تعمل أمريكا على تغذية عوامل الصراع بينهما حتى تشتعل الحرب بينهما حتى يتم إنهاكهما مما يسهل تدميرهما فيما بعد ، وهذا حدث مع إيران التى تريد أمريكا أن تنتقم من نظامها السياسى الجديد ”  الملالى ” الذى أذلها وأفقدها حليفا إستراتيجيا لا يعوض وهو نظام الشاة السابق ، ومع العراق الذى تريد أمريكا إضعافه حتى لا تكون هناك دوله عربيه قويه بجانب إسرائيل ، وكان لأمريكا ما أرادت فدمرت البلدين . ومع بداية القرن العشرين تطورت تلك النظريه السياسيه إلى سياسة ” الإحتواء المركب ” وذلك عبر إذكاء التشاحنات بين الكتل السياسيه والدينيه داخل الدول المتصارعه فى المنطقه مما جعل من المنطقه العربيه وجوارها لهيبا من الجمر وأختلطت الموازيين وأصبح العدو صديقا ، والصديق عدوا ، وأخ الدين كافرا وزنديقا . وأصبح منظر الدماء مشهدا معتادا فى عواصم عربيه بجانب حفلات رقص ملتهبه وتحرش جنسى فى دول أخرى ، بل أصبح من الممكن أن يجتمع الرقص والدم فى بلد واحدا والناس وكأنها نيام وفى غيبوبه . امريكا نجحت وأحتوت الجميع تحت أجنحة النسر الأمريكى .

………………………………………………………………………………..

إن مشهد رئيس الوزراء الإسرائيلى ” بنيامين نتنياهو ” وهو يتكلم مع مواطن سعودى عبر الهاتف على طريقه الفيديو ، لهو مشهد كاشف على أن أن النباهه العربيه قد وصلت إلى أدنى مراحلها فأصبح الجهل بحقوق الشعب الفلسطينى وحقوق الأمه والغفله والإرتماء فى حضن العدو الإسرائيلى هو قمة ما وصل له العرب من الإستحمار ، وهو عقل مورست عليه عمليات إلهاء لا مثيل لها وأصبحت المطالبه بلقمة العيش هى كل ما يتمناه حتى تشتت إنتباهه وفقد كل حس إنسانى على مستوى الفرد ومستوى المجموع ، ووصل به إلى التبلد وأصبح قتل الأخ والشقيق على مساحة الخريطه العربيه خبرا متداولا سرعان ما يختفى تحت سيل من مباريات كرة القدم وأفلام البورنو وحفلات الرياض الصاخبه

…………………………………………………………………………………..

قتلت أمريكا قائد الحرس الثورى الإيرانى ” قاسم سليمانى ” فى الوقت الذى ظنت فيه إيران وكل دول المنطقه أن أمريكا قد ضعفت وأنها لن تستطيع الرد على الممارسات الإيرانيه فى المنطقه والتى أسقطت طائرة مسيرة أمريكيه وغارات كبيرة على المصالح النفطيه السعوديه ، لأن إيران تناست أن تفوقها الحالى فى المنطقه هو نتاج لسياسة الإحتواء المزدوج التى أخرجت العراق من معادلة القوه فى المنطقه ، وأزدادت قوتها من تنامى سياسة الإحتواء المركب التى قضت على ما تبقى من تماسك المجتمع العربى والذى أفسح لها الطريق لتتحكم فيما تبقى من قوه عربيه ، لكنها تناست أنها وقعت فى براثن التأثير الغير مباشر لسياسة الإحتواء المركب والتى تتنامى داخل المجتمع الإيرانى والتى تلعب على تناقضات وإحتياجات المجتمع الإيرانى الداخليه والتى تبلورت فى ثورة الإيرانيين ضد النظام الحاكم تحت وقع الإحتواء والحصار الأمريكى ، ولكن النظام الإيرانى الذى فوجئ بالغواصات النوويه الإستراتيجيه الغربيه والأمريكيه قبالة سواحله تذكرة بحجمه وقدراته التى تنتمى لدول العالم الثالث فرضى أن يظهر بمشهد تمثيلى يطلق فيه دفعات من صواريخ على قواعد أمريكيه جرى الإتفاق أن تكون خاليه لحظه الإطلاق ويتم الإعلان أن إيران إنتقمت من أمريكا أمام الشعب الإيرانى الذى يمارس عليه فعل الإستحمار لجعله طيع مبتعدا عن النباهه ووأد أى حركات تنبه لأن التدخل الإيرانى فى المناطق العربيه حربا مباشرة أو حرب بالوكاله ما هو إلا إستحمار شعبى لتفوق وهمى وتنفيذا أمينا لسياسة الإحتواء المركب الذى يقوض ليس فقط الأمه العربيه بل ويقوض الأمه الفارسيه التى أصبحت أسيره فى القفص الأمريكى

……………………………………………………………………………………..

مشهد المرشد الإيرانى الإمام ” خامنئى ” بعد المسرحيه الهزليه للصواريخ الإيرانيه التى إنتقمت وهما من أمريكا نراه يهاجم المتظاهرين الذين إنتفضوا ضد نظامه ويصفهم بالخونه والعملاء للغرب فى حركة سريعه ومباغته تهدف إلى تفادى تأثير سياسة الإحتواء المركب الأمريكيه وفى الوقت نفسه إرجاع ” القطيع ” الشعبى إلى حظيرة الإستحمار التى تبعد المواطن الإيرانى عن محاولة إنتباهه لهشاشة نظامه وهروبه إلى الأمام عبر المشاركه فى الحروب وتجاهل المطالب الشعبيه .

الشعب الإيرانى وقع بين مطرقة الإحتواء المركب الأمريكى وبين إستحمار السلطه التى تريده طيعا يرفع أذنيه ويهز ذيله مستعدا للركوب دائما

……………………………………………………………………………

لم تستطع أمريكا أن تنتصر نصرا كاملا إلا فى المنطقه العربيه ، فيكفى أن تنظر يمينا ويسارا ، وشمالا وجنوبا ، سترى أمريكا لها يد فى كل دوله عربيه ، وأن سياسة الإحتواء المزدوج والمركب ، أتت أكلها فى كل بلد عربى ، الخليج خائف مرتعب من الدول العربيه الكبيره فساعد على إضعافها ، داعش ظهرت فقوضت العراق وسوريا ، الصراع السعودى الإيرانى أطاح باليمن قتلا وتشريدا . التناحر السياسى الداخلى بين الأحزاب والكتل السياسية حتى أصبح الإستقواء بالخارج العربى مشهد مكرر ومعتاد فى السياسه العربيه ، التى مارست أنظمتها السياسيه الحاكمه أكبر عملت إستحمار فى التاريخ حتى أصبح مجرد عملية إنتباهه أو لفت نظر االناس لما يمارس ضدهم هو تمرد محتمل يجب وأده .

الدول العربيه النباهه وإخراج الناس فيها من حالة الإستحمار هو عماية إنتحار مؤكدة ، فالأنظمه السياسيه والأحزاب المواليه والمعارضه تقاوم بشده لأن المواطن الحمار أسهل فى قيادته من المواطن النابه .

……………………………………………………………………………

العرب أمام أكبر تحدى فى التاريخ إما أن يستفيقوا وينتبهوا أو يتمرغون فى الإستحمار الذى سيؤدى بهم إلى الإستعمار المباشر مرة أخرى . أمريكا إستطاعت عبر سياسة الإحتواء المركب ان تفتت الداخل العربى الأمر الذى جعل من إستحمار السلطات المحليه إستحمار مركبا ترفل فيه الشعوب العربيه مستمتعه راضيه ، فلا عجب أن ترى القتل والتشريد فى اليمن وسوريا وليبيا والعراق فى مقابل إستحمار شعبى مواكب للسلطه يوافق على الدم فى مكان ويرفضه فى مكان آخر وكأن القتيل فى أحد الحالتين ليس عربيا أو حتى إنسانيا ، وسط حالة من الهستيريا العنصريه التى تغذى الكراهيه تمنع النباهه وقيم الإنسانيه أن يكون لها مكان على الأرض العربيه

………………………………………………………………………………

إذا أرادت الدول العربيه أن تتخلص من السيطرة الأمريكيه فيجب أن تغذى عوامل تقوية النباهه وقيم الإنسانيه التى تجعل من الإنسان العربى حرا يعرف حقوقه وواجباته تجاه نفسه وتجاه وطنه وذلك عبر نشر التعليم والإبداع وتدعيم قيم الحريه النابعه من القيم الحضاريه للمنطقه بروافدها المتعدده ، ومقاومة دعاة الإستحمار عملاء الأمريكان الذين يمهدون الأرض للعبوديه لضمان سيطرتهم على شعوب أنهكها الإستحمار حتى باتت تقاوم كل محاوله لإخراجها من تلك الحاله

…………………………………………………………………….

نحى المقال جانبا بعد قراءته وتجول بنظرك فى محيطك الداخلى والعربى وأسأل نفسك ،إلى أى المعسكرين أنتمى النباهه أم الإستحمار ؟ هل أمريكا عندما تقف مع دول عربيه ضد أخرى تبقى عدو أم صديق ؟ هل التطبيع مع إسرائيل التى تعادى إيران الشيعيه صديق أم عدو ؟ هل الشيعه العرب إخوه أم شيعه صفويه ؟ هل الإستقواء بالخارج لحسم صراع داخلى مع السلطه صواب أم خطأ ؟ هل تتساوى فى نظرك المقاومه العربيه أم تقسمها إلى شيعه وسنه ؟

إطرح مزيدا من الأسئله وستجد نفسك خارج حدود الإستحمار ومرحبا بك على أول طريق النباهه الطويل والشاق لتغيير العقليه العربيه المستعمره أمريكيا .

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here