ياسر رافع: أكاديمية السيسى.. تفكير خارج الصندوق أم إستنساخ تاريخى

ياسر رافع

طبقا للقرار الجمهورى رقم 434 لسنة 2017 فقد تقرر إنشاء ” الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب ” فى مصر وهو ما أسفر عن إنشاءها رسميا فى أغسطس 2017 ، وهى تعتبر باقورة إجتماعات الرئيس المصرى ” عبد الفتاح السيسى ” مع الشباب تحقيقا لرؤيته الخاصه فى الإصلاح السياسى والإقتصادى والإدارى فى مصر بعد ثورة 25 يناير ، وعلى الرغم من أن تلك الأكاديميه لها من الأهميه الكبيره والتى حتما سنجد لها أثرا على أرض الواقع المصرى وهو ما تحقق فى تولى أولى خريجيها مناصب قياديه فى بعض التعديلات التى أجراها الرئيس السيسى . إلا أنها لا تتمتع بالصدى الكافى لدى الأوساط المجتمعيه على الرغم من الأهميه الكبرى لها  ، لما لها من آثر ممتد لعقود طويله قادمه – ربما لإحكام الأزمه الإقتصاديه على عنق المجتمع وجعله لا يفكر أبعد من تحت قدميه – فعلى الرغم من وجاهة التوجيه الذى أصدره السيسى بإنشاء تلك الأكاديميه لتخريج شباب قادر على إدارة مصر المستقبل إلا أن هذا التوجيه لم يكن الأول فى تاريخ مصر الحديث فهذا التوجيه يعتبر الثالث إذا جاز لنا المقارنه بينهم ، فالتوجيه الأول كان على يد ” محمد على باشا ” الذى قام بنهضة مصر الحديثه والذى قام بعملية تحديث واسعه فى كل المجالات معتمدا على ما أنجزه فى بدايات حكمه والتى ركزت على التعليم ثم أنشأ ” مدرسة الإدارة ” 1834 لتتم عملية إحلال للإداريين المصريين مكان آسلافهم من المماليك والأتراك الذين كانوا يتحكمون فى إدارة مفاصل الدوله ، وهو ما تحقق لمحمد على باشا ، ولكن بعد أن إنهار الحلم المصرى بعد محمد على باشا تراجعت الإداره المصريه ولكن يحسب لتلك التجربه أنها أوجدت ما عرف بالبيروقراطيه المصريه الحديثه التى أصبحت نواه لما هو قادم فى التاريخ المصرى .

أما التوجيه الثانى فجاء بصيغه مختلفه فى زمن مختلف بعد قيام ثورة يوليو 1952من قبل الرئيس جمال عبد الناصر ولكنه توجيها حمل شكلا جديدا ومختلفا ، فقد تم تنظيم الشباب فى إطار سياسى يخدم المشروع السياسى لنظام مخاصم لإيديولوجيا القرون الوسطى ، ولذلك تم إنشاء ما عرف وقتها ” بمنظمة الشباب ” و ” التنظيم الطليعى ” تحت مظلة التنظيم السياسى الوحيد الممثل لنظام الحكم  ألا وهو الإتحاد الإشتراكى من أجل إخراج جيل جديد قادر على إدارة البلاد وفق منهجها الجديد ، ولكن لم يكتب للتجربه أن تكتمل للنهايه بعدما إنهار مشروع الدوله الناصريه بعد نكسة 1967 ، ولكن وعلى الرغم من فشل التجربه الناصريه وحل الإتحاد الإشتراكى بتنظيماته الشبابيه إلا أن هؤلاء الشباب كان لهم الفضل فى مد مفاصل الدوله بكوادر قامت على أكتافها دولة السادات ومبارك فيما بعد ، ولكن يبدوا أن الدوله المصريه رآت عدم المضى قدما فى تحديث التجربه وهو ما جعلنا نرى شباب تلك التجربه وهم شيوخ كهول فى سدة الحكم فى أواخر عهد مبارك وماتت التجربه .

 

أما التوجيه الثالث فهو القائم حاليا على يد الرئيس السيسى وعلى الرغم من حمله جينات التوجيه الأول لمحمد على باشا من ناحية رغبة السيسى بتجاوز المعوقات التى تواجهه بسرعه عبر إنشاء طبقه من الشباب تساعده على تحمل المسؤوليه إلى حين إستكمال بقية مشروعه التحديثى ، وحمله لجينات ظاهريه لتجربة منظمة الشباب والتنظيم الطليعى للرئيس عبدالناصر من حيث التأكيد على أهمية عقد مؤتمرات ثابته ودوريه للشباب ، إلا أن التوجيه الثالث يحمل إعجابا واضحا بالتجربه الفرنسيه فى الإداره والممثله فى ” المدرسه الوطنيه للإداره ” والتى تخرج منها رؤساء جمهوريات ورؤساء وزارات بارزين فى فرنسا وخارجها والتى رآها السيسى تجربه قابله للتكرار فى مصر الجديده بعد ثورة 25 يناير و 30 يونيو .

لكن مهلا فخروج التجربه من فرنسا وإعادة إستنساخها فى بلدان آخرى لم يلقى النجاح المنشود ، فالجزائر مثلا أنشأت ” المدرسه الوطنيه للإداره ” بذات المسمى الفرنسى فى العام 1964 وعلى الرغم من تخرج قيادات بارزه فى الدوله منها إلا أن الجزائر لم تشهد تطورا للأمام وإنما حافظت على جمودها الذى أصبح سمة أساسيه لدوله وطنية شاخت ولم يعد الإصلاح مجديا فيها ، وكذلك وعلى نفس المنوال أنشأت موريتانيا ” المدرسه الوطنيه للإداره والصحافه والقضاء ” فى العام 1966 ، ولم يختلف الحال فى موريتانيا عن الجزائر ، ولم يعد الأمر تحديثا بل إضافه منشأه تعليميه جديده إلى غيرها من المنشآت التعليميه . 

فى كتاب  ” محمد على ونظام حكمه “”  قال الأستاذ / طارق البشرى ” لم يكن محمد على داعية فكر ولا صاحب إنتاج ثقافى وإنما رجل دوله من أعلى طراز فى عهده ، كان زعيما وطنيا ومستقلا أراد أن يبنى أجهزة الدوله تتفق فى صيغتها السياسيه مع هذا الطابع الوطنى والمستقل ” . وهذا فى ظنى يتسق مع أحاديث السيسى التى تركز على معنى الدوله ومفهموها من وجهة نظرته التحديثيه وهو القائل  ” أنا مش سياسى ” . إذا نحن أمام رجل يركز على مشروع تحديثى فقط ليس من أولوياته الطابع السياسى والثقافى الذى هو مؤجل إلى فتره قادمه.

على الرغم من من سهولة المقارنه بين تجارب محمد على باشا ، والرئيس عبد الناصر ، والسيسى إلا أن تجربة السيسى لم تزل فى بداياتها وهى ليست كسابقاتها من حيث تاثرها بفكر جديد فى بيئه مخاصمه للتطور ، إلا أنها ليست تجربه كما بشر بها نظام الحكم فكره ” خارج الصندوق ” بل هى من داخل الصندوق المصرى ولكن بنكهه فرنسيه .

إذا اراد السيسى أن يجعل من فكرة أكاديميه الإدارة واقعا يفكر من خارج الصندوق فعليه أن يعمل على تخريج أجيال تفكر فى مصر وفى مشروعها التحديثى للمستقبل فقط ولا يجب إعادة إستنساخهم على شاكلة تجربة محمد على باشا أو تجربة الرئيس عبد الناصر ، ناجحون تحت مظلة السلطه حتى ما أن تسقط فإنهم يذوبون كما يذوب الملح فى الماء .

إننا نريد أجيالا غير مستنسخه قادره وفاعله .    

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. السيسى قائد من طراز فريد ويعمل على بناء دوله سيتغنى بها العالم وستكون نواة نهضه عربيه واول مسمار فى نعش الورم الخبيث المسمى اسرائيل

  2. باختصار:
    القياده سمه سلوكيه تولد مع الشخص ولا تكتسب بالتلقين، فالدور على الدوله ان تبحث عن هؤلاء القاده،
    .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here