ياسر رافع: أعل هبل ! يوما بيوم وبدرا ببدر .. ناصر بين القيمه والمنفعهٍ

ياسر رافع

لا ينفك الحديث فى قريتى القابعه فى الريف المصرى يتصاعد أحيانا ويخبوا أحيانا أخرى على مدار السنوات الممتده من بدايات ثورة يوليو 1952 وإلى الأن عن تمثال الزعيم الراحل ” جمال عبدالناصر ” الذى أقامه شباب القريه تخليدا لذكراه العطره ، والذى أصبحت ” طحانوب ” قريتى مشهوره  به وبالميدان القابع فى مدخله ، تارة عن ترميم التمثال ، وتارة أخرى عن إعادة  نحت التمثال بشكل طولى أو نصفى ، وهكذا دواليك وسط إحتفالات رمزيه بين الحين والآخر ، ولكن لم يشك أحد فى رمزية التمثال ، ولا القيمه التى يمثلها فى وجدان شعب

وبمرور السنوات التى تفتح فيها وعى أجيال لم ترى صاحب التمثال ولا عايشت أيامه إلا أن هناك من تحمل عبئ توصيل رسالته إلى الأجيال المتتاليه من أمناء أوفياء على ميراث قيم عليا تتحدث عن العداله الاجتماعيه والمساواة والعدل لا عن صنمية التمثال ، ولكن يبدوا أن هناك من يرى أن التمثال بما يمثله من قيمه أصبح حاجزا نفسيا أمام تمرير سياسات معينه أيام مبارك والتى شهدت فترة هجوم عنيف على شخص الزعيم عبدالناصر والتى لم تؤت أكلها وصمد التمثال بقيمه ولم يجرؤ أحدا أن يقترب منه ! فما زالت القيمه باقيه طازجه فى نفوس أهل القريه عنوانها ميدان وتمثال .

ومع مرور السنوات كئيبه بطيئه لعصر مبارك إزداد الحنين للعوده لأيام الزعيم الراحل كنوع من الحنينن الذى تحول لإشتياق كلما مررنا ذهابا وعوده من أمام تمثال القيمه ، وما أن دبت الروح فى نفوس الشعب المصرى وقريتى فى القلب بطبيعة الحال فى ثورة 25 يناير التى تحولت إلى جمرة حماس وشارك شبابها فى فعاليات الثوره وأصبح الميدان وفى القلب تمثال الزعيم هو نقطة الإنطلاق والعوده مرة أخرى لفعاليات العمل الثورى فى ذكرى لا تخطأها العين تخليدا لأباءهم الذين جعلوا من هذا الميدان والتمثال رمزيه ثوريه ، وتأكيدا على قيم ثاروا من أجلها مثل تمثال الزعيم عنوانها فى فترة من فترات التاريخ الحديدث ” عيش _ حريه_ عداله إجتماعيه ” ، ولا زال صدى هتافات الشباب الثائر أمام التمثال ” قوم يا ناصر من ترابك ، ذوقنا الذل بعد غيابك ”  معبرا عن أزمة قيمه فقدت ، لا عن شباب يقدس تمثالا كما حاول البعض ان يروج للنيل منهم ومن ثورتهم .

وتمر هذه الأيام أزمه مشابهه لما يحدث كل فتره حول التمثال ، لكنها مختلفه تماما فعلى الرغم من دعاوى نقل التمثال إلى موقع جديد يليق به (إقتراح قديم– جديد متكرر ) إلا أن هذا لا يدعوا إلى الإشتباك كما العاده فالتفتيش فى نوايا الناس ضرب من التجنى وإنتقاص من أقدارهم وهذا غير وارد بالتأكيد ، فلماذا إذا نكتب ونريدها صحوه كبرى ؟

لم يبهرنى حجم التعليقات على موقع التواصل الإجتماعى على موضوع نقل التمثال للمعارضين ولا للمؤيدين ، لكن أكثر ما أفزعنى تلك التعليقات الكثيره والملفته لشباب صغار فى السن يتكلمون بأريحيه تامه عن مدى أهمية التمثال ؟ ولماذا لا ننتفع من الميدان لإقامة أكشاك للباعه الجائلين ؟ وصولا لشتائم وسباب متبادل ، ذكرنى هذا المشهد العبثى الذى تفقد فيه القيمه عيانا بيانا ، بموقف أبى سفيان الذى وقف فى غزوة أحد بعد إنتهاء المعركة منتصرا مزهوا بنفسه ينادى على الرسول (ص) وأبو بكر وعمر ، للتأكد من مقتلهم فلم يجيبوه إمتثالا لأمر الرسول (ص) فصاح أبو سفيان مزهوا ” أما هؤلاء فقد كفيتموهم ” _ أى تم قتلهم _ هنا رد عليه عمر بن الخطاب وقال : كذبت يا عدو الله ! ها هو رسول الله وأبو بكر وأنا أحياء ولك منا يوم سوء . ، فرد أبو سفيان الذى يدافع عن مصلحة قبيله ومنفعة زمرة منتفعه بذل أهل مكه من الفقراء والعبيد قائلا : يوم بيوم بدر والحرب سجال ، وقال ” أعل هبل ” تمجيدا لوثنيته ، فقال الرسول(ص) ردوا عليه وقولوا ” الله أعلى وأجل

، لنا العزى ولا عزى لكم “

أبوسفيان كان يدرك أن إنتصاره وقتل الرسول وأصحابه لم يكن قتل لأفراد تمردوا على قانون مكة العبودى ، ولكن بقتلهم تقتل القيمه التى حتما ستزيل عرشه المتوهم بقوته ، وهذا ما حدث لأن الله أعلى وأجل ، ولم يتمكن من أن ينتصر فى نفوس شباب مكه ويثبت لهم أن القيمه لا تثبت فى وجه المنفعه ، وهذا بالضبط ما يحدث الأن فى المعركه الدائرة فى مصر وفى القلب منها قريتى ، القيمه فى مقابل المنفعه وكأن علينا أن نعيد صياغة المجتمع على قيم مكه قبل التوحيد ، مجتمع أغنياء يريد عبيد وشغيله ، يفرض قيمه التى تخاصم الدين والتاريخ ، فى مقابل عبيد تبحث عن رمزيه قيميه تعيدهم إلى جادة الصواب كل فتره .

إن القيمه تنهار فى مقابل المنفعه ، فحبا بصدق لكل من يدافع عنها فى صورة تمثال أو ميدان ، شخصا كان أو مجموعه ، ولكن تذكروا أن الميدان أصبح أبناؤكم الذين أصبحوا عرضه لم يسوقون قيم المنفعه ويرفعون شعار ” أعل هبل يوم بيوم بدر والحرب سجال ” مذكرين آباؤهم إذا كنتم إنتصرتم يوما ما فنحن اليوم منتصرين وما قيمكم إلا أوهام

آفيقوا يرحمكم الله وتذكروا وذكروا أبناءكم  بقول الرسول (ص) ” لنا العزى ولا عزى لكم “

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here