ياسر أبوغليون: حقائق واضاءات حول الاسلاموفوبيا

 

ياسر أبوغليون

يعاني مسلمو الداخل قبل مسلمي المهجر من تنميط الأحكام المسبقة والانطباعات الغربية الخاطئة تجاه الإسلام، أو ما أصطلح على تسميته بالإسلاموفوبيا والذي يعني الخوف المرضي غير المبرّر.

وفي واقع الحال وبمعزل عن هذا التعريف فإنه من الواضح أن الأمر ينطوي على مزيج يجمع بين ثنائية فوبيا الاستحضار التاريخي وفوبيا Anti-Islamism كتطبيقين سائدين في الغرب الآن، وبالأخص حين نبصر إزدواجية العلمانية الغربية التي تفوح منها مؤشرات استنساخ جديد للاستعمار.

إزاء ما سبق تظهر سذاجة الفكرة القائلة بربط ظهور الإسلاموفوبيا بثورة الخميني عام 1979، فجذورها ضاربةٌ منذ  بداية الصّراع الكبير بين العالمين الإسلامي والغربي على أصعدة الفتح الإسلامي والحملات الصّليبية والاستعمار الحديث،

وكشفت عن ذلك حوادث عدة منها جملة الجنرال (اللنبي) عند دخوله لمدينة القدس: “الآن انتهت الحروب الصليبية” و خطاب الجنرال (غورو) لقبر صلاح الدين “انظر يا صلاح الدين ها قد عدنا”

وبالتوازي مع ذلك فلا غرابة أن يدين إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” الغرب بقوله ” كانت فكرةُ الشرق في ذهن الغرب تتأرجحُ بين الاحتقار والخوف” هذه السياسات الغربية ساهمت في جر المصطلح صوب شكل من أشكال التعصب والكراهية الدينية؛ حين اعتبرت كل مهاجر مسلم إرهابياً محتملاً ! ويتحمل وزر ذلك المحافظون الجدد بأصوليتهم التي تصنف الآخر كمصدر للخطر على القيم الغربية.

وبالعودة للتاريخ فإن التسامح الديني الأندلسي جاء بعيد سرعة الفتح، التي لم تكن لتتحقق لولا شيوع الظلم لدى حكامهم، فحوت الحضارة الإسلامية تمازجا بين الوزراء والسفراء والكتاب كفسيفساء يحتذى بها من مرجعيات عربية وبربر ويهود وأفارقة وصقالبة وسود وقوط ومورسكييون ورومان وجيرمان لمدة ثمانية قرون، وترتب على ذلك أن ثلث القاموس الإسباني أقتبس محتوياته من اللغة العربية، وبالأخص في العهد الذهبي الذي سبق سقوط طليطلة، والتي ازدهرت فيها الترجمة لكونها أكثر تسامحا.

 

كيف نمت نبتة الإسلاموفوبيا؟!

بادئ ذي بدء من اليسير على المؤرخ المنصف تأكيد أن موجات اللجوء الكبرى للغرب ترتب عليها ردات فعل من قبل منظري اليمين المتطرف بهدف التوظيف السياسي، فالمسلم في أعرافهم متشدد في طروحاته يعادي الحداثة متهم حتى تثبت براءته، ولقد صبغ هؤلاء رؤاهم بالطابع المؤسسي، فإذا أضفنا إلى ذلك واقع الجاليات المسلمة، والتي هي الأقل دخلا وتعليما في أوروبا بالمقارنة بالولايات المتحدة، علمنا حينها لماذا يجري تصوير الإسلام على أنه دين بدائيّ مساند لتصادم الحضارات، ولعل مقولة الداعية ذاكر نايك في منتصف آذار عام 2017 تكشف عن قصورنا الذاتي “نحن على نحو غير متعمد وغير واع نساعد على تدمير صورة الإسلام وتشويهها” كما أن للإعلام دوره “إن الضرر البالغ الذي تكبده الإسلام كان على يد الإعلام ” ولقد أظهرت الآلة الإعلامية الغربية بعيد تفجير برجي التجارة العالمي مدى التخوف من مظاهر الأسلمة الأكثر بروزا وهي اللحم الحلال والصلاة في الشوارع والحجاب.

يجمع أهل الفكر والسياسة على أن هذه الموجة لم تبرز فيما مضى، وذلك عائد لنمط الحكومات الليبرالية التي كانت تدير ظهرها على الدوام للحساسيات الدينية، كما أن المهاجرين الأوائل كانوا أقل إلتزاما ممن لحق بهم؛ فانشغل الجيل الأول بهمومه بعيدا عن الجدل الديني والسياسي، ولم يكن آنذاك لخطاب الكراهية نفوذ في ترسيخ عزلة الجاليات المسلمة والحد من انسجامها مع المجتمعات الغربية.

طغت الأحزاب اليمينة بطبيعتها الإقصائية المنفرة على قيم التوافق المجتمعي العام، فتغولت مجموعة أحزاب من مثل الجبهة الوطنية الفرنسية والرابطة الشمالية في إيطاليا وحزب الحرية في هولندا وحزب الكتلة الفلامندية في بلجيكيا وغيرها ممن يعكسون صعود تشكيلات سياسية تعتبر العنصرية هي الخلاص، وللأسف فإن تناقص أدوار اليسار الغربي التقليدي المساند لحركات التحرر والمكرس لحقوق الإنسان ساهم في نمو الموجة.

الإعلام الغربي اليميني الذي يجهل تعاليم الإسلام الحقة وبالتالي يخلط بينها وبين السلوك الفعلي لبعض المسلمين

المظلومية التي تشيع في الأحياء المهمشة وضواحي المدن مما يصنفها كأحد بواعث الإنغلاق والتقوقع، كما أن الخوف من اضمحلال الهوية الثقافية يعيق الإندماج فتشكلت بالتالي أنماط من العزلة الطوعية المقاومة للاندماج والذوبان في الآخر، ناهيك عن حالة الانفصام والصدمة الحضارية، ولايمكن تقييد المسألة والنظر للجاليات من باب كونها فئات مهاجرة، فهي وفق كل الاعتبارات مكون أصيل من مكونات الدولة.

من العوامل الحاسمة في هذا الشأن عدم اعتذار البابا عن الحملات الصليبية، ومن باب المفارقة فعندما قال كريستيان فولف الرئيس الألماني الأسبق عام 2010 كلمته الشهيرة “الإسلام جزء من ألمانيا” قامت الدنيا ولم تقعد، وكذا الحال حين أعادتها المستشارة ميركل في العام 2015 و2018

وهذا يدفع للحديث عن النموذج الغربي الأوضح تمثيلا للإسلاموفوبيا، وهو يتمثل في فرنسا بخصوصيه الإجبار الذي تنتهجه  بين نسخة الإسلام الفرنسي المركبة، والإسلام الأصيل، وبالتالي قطع جسور البقاء وفرض الهيمنة الغربية على العالم الإسلامي، وفي حين أن المصطلح جاء من خلفية أكاديمية، فإنه من المشروع التساؤل ما الذي جره للسياسة؟ هل لهيمنه الأوليغارشيات السياسية، أم  تبعا للصور المغلوطة عن الآخر؟

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here