وهم الانفكاك الاقتصادي وواقع الحاجز.. وتجربة شخصية لمسلسل الاهانات

نادية عصام حرحش

في رحلة يومية يعيشها كل فلسطيني يحتاج أن يمر من خلال حاجز، تحول الى معبر على الرغم من كل محاولات التثبت بالمصطلحات. دار حديث بيني وبين صديقي في محاولة للعبور الى القدس. احيانا اعتبر ما أقوم به جسارة، على فرض أن تمرير “ضفاويين” هو بحجم خطر محاولة تفجير. وأحيانا اعتبر الامر لطافة، فبالمحصلة، ما الذي أخسره بانتظار قبل الحاجز بسيارة، مجنبة البشر الذل الذي يعانونه بممر المعبر الحديدي عند الاستطاعة..

صديقي هذه المرة كان شخصية اعتبارية، يحمل بطاقة (في اَي بي)، ولكن زوجته لا تحملها. بينما انتظرنا فحص الجندي الدرزي – على الأرجح- للهوية وتهديده إما بالرجوع أو تحويلي الى تحقيق، تكلمنا أنا وصديقي عن خطة الحكومة بالانفكاك الاقتصادي. بلحظات مليئة بالانهيارات النفسية بسبب الموقف بشكله العادي، شخص اعتباري يتحكم بمصير عبوره الى القدس جندي لا يتجاوز العشرين عاما، بلغة هي لغتنا، لا عبرية متلعثمة ولا عربية متعثرة، لغة عربية واضحة الكلمات والمعالم. هو جندي ونحن مواطنون. هو جندي وهو شخص اعتباري يحمل بطاقة موقعة من اعلى هيئات السلطة للاهتمام به عند العبور. ولكن ما الذي يمكن ان أفكر به او ابرره وانا انتظر معه رحمة الجندي؟ كانت عبارة رئيس السلطة هي التي تتردد في قنوات اذني في احدى تصريحاته: ” مجندة عمرها ١٨ سنة بتقرر انى امر او تمنعني!” يعني إذا ما كان رئيس السلطة تتحكم بمروره عن حاجز جندية إسرائيلية، فمن البديهي ان يتم توقيف الشخص الاعتباري بنفس الطريقة، ومن البديهي أكثر ان يعيش المواطن بالتالي حالة الذل المدمر كنتيجة طبيعية.

حاولنا الالتفاف عن الحاجز، باستخدام ما صار يسمى معبر قلنديا مشيا على الاقدام. فصديقي وزوجته بالوضع العادي لا يحتاجا الى تصريح بسبب تجاوز عمرهما الخمسين. ولكن اليوم كان مختلفا، بما يبدو وكأنه محاولة متعمدة لإذلال صفة الانسان الاعتباري الفلسطيني. فلم يتم السماح للزوجة بالمرور حتى مشيا على الاقدام.

المشهد من معبر قلنديا، يشكل اجحافا بحق انسانيتنا. وكأنه خطوة ممنهجة لإذلالنا والحط من قدرنا وانسانيتنا مع كل خطوة ونفس في ذلك المكان. مشهد يشبه معبر اللنبي بالثمانينيات، وكأنه علينا ان نبقى في مكان محدد. تمر عنا الحياة بتقدمها وتطورها، ولكن يتم تحديدنا بحقبة محددة وراء الحضارة المعاشة من قبل باقي البشر. فتمشي وسط ما يشبه صحراء قاحلة نحو بوابات حديدية خانقة يتحكم فيك جندي يعود من ورديته ليهزأ بكائنات مرت امامه ويستحم من رائحة العرق التي بلا شك عبقت على جسده. نتحول تدريجيا الى أولئك الذين يريدون منا نصبحهم. كما نعيش على فكرة اننا شعب الجبارين، نمارس حياة شعب المذلولين مع كل نفس نأخذه. يكفي ان تمر بتجربة سيئة لمرة واحدة مع جندي احتلال على حاجز، لتتذوق مرارة الاحتلال. مرارة مغلفة بحلوى من الخارج، جندي لطيف او جندية شقراء، يعودون ليمارسوا حياتهم وكأنهم بشر عاديون، لأننا نحن اللا عاديين في هذه المعادلة. اذلاء ننتظر العبور.

أي عبور … المهم ان نعبر…. هذه هي حياتنا، فلا ريب يأخذ موضوع التصاريح والعبور والتنسيق حيزا في الفضاء العام الفلسطيني.

أي عبور هو عبور نحو لحظة حرية من سجن الضفة في تعددات طبقاته. ولكن أي انفكاك اقتصادي يتكلم عنه رئيس الوزراء بتصريحاته؟ نستطيع ان نغض الطرف عن الاتفاقيات التي نشأت عن أوسلو، مثل اتفاقية باريس التي خنقت فكرة استقلالية الاقتصاد الفلسطيني. لنتكلم عن الواقع. عن اول “حاجز” يمر عليه الاقتصاد الفلسطيني بنية الانفكاك، هل يمكن للاقتصاد الفلسطيني ان يمر عن حاجز قلنديا؟ إذا ما كان الشخص الاعتباري نفسه محكوم بقرار من جندي بزي عسكري بلا أي رتب، فكيف لنا ان نتوقع انفكاكا من أي نوع من قبل السلطة امام إسرائيل؟

بمناسبة الانفكاك والتصاريح، يبقى موضوع اعلان الرئيس المدوي بخصوص وقف الاتفاقيات. هل لنا ان نسأل ماذا جرى بذلك الموضوع؟ هل توقفت الاتفاقيات – التي طبعا لا نعرف ما هي- ولربما من اجل هذا كان هناك تزمتا من قبل الجندي في الحد من هيبة الشخص الاعتباري الفلسطيني؟ هل يعني وقف الاتفاقيات وقف التصاريح المهمة التي يتم منحها للأغنياء وأصحاب المراكز العليا في السلطة؟

في نفس السياق لفت انتباهي منشورا لاحد ارباب السلطة منتقدا لدور الكنيسة في الطلب بإصدار التصاريح من منطلق توقف السلطة عن اصدار التصاريح. الحقيقة انه ومن المؤسف حتى محاولة تقويض فرص التصاريح للشعب القابع في سجن مفتوح السقف محدد المساحات بحواجز ومعابر يسمى “فلسطين”، لأن الشعب في معظمه باستثناء فئة محددة ومقتصرة على مئات او ربما بضعة الاف يعيش بحسرة عدم التمكن من العبور خارج حدود الضفة. فالقدس التي تقع على بعد كيلومترات معدودة من كل حاجز صارت حلما يعتبر تحققه أوسع التمنيات. الشعب بمعظمه يتمنى زن تمنح له فرصة المرور عن الحاجز، وقد تكون القدس حجة او فرصة للدخول الي “إسرائيل”، لربما حصل هذا الانسان العادي على فرصة عمل او استطاع ان يتبضع بأسعار معقولة امام الغلاء المستشري بأوصال السوق الاستهلاكي بأراضي السلطة الفلسطينية. امرا يعتبر أقرب الى النكتة إذا ما تنبهنا تحول السوق الاستهلاكية الإسرائيلية الى سوق أرخص للمستهلك الفلسطيني العادي.

وفي سياق بعيد قريب، يحتضن الرئيس الذي أعلن إيقافه لاتفاقيات سلطته مع الاحتلال حفيدة رئيس الوزراء الإسرائيلي رابين، التي جاءت مع وفد “يساري” لتهنئة الرئيس بعيد الأضحى وسط معارك انتخابية يشتد وطيدها في “إسرائيل”.

من جهة، يعيش المواطن الفلسطيني برهاب التطبيع، الذي يتم رفع شعاراته مؤخرا من قبل السلطة الفلسطينية، ويشبه تدفق البشر في محاولات العبور من قلنديا هذا الانفصام الذي بدأ يشكل الهوية الفلسطينية الجديدة، وشجب علني للاعتداءات الإسرائيلية واحتضان سري تكشفه وسائل الاعلام الإسرائيلية من قبل متنفذي السلطة.

فما هو المطلوب من المواطن العادي؟

اهذه المشاهد تقدم تفسيرا لعزوف الانسان الفلسطيني العادي عن السياسة وانزوائه بمساحته الخاصة، وعدم التفافه واهتمامه لما تتفوه به السلطة من بيانات او حراك؟

كاتبة من القدس

 

 

http://nadiaharhash.com

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. ولا يهمك سيدتي الفاضله سوف يطلب فخامة الرئيس محمود عباس حفظه الله ورعاه تشكيل لجنة تحقيق في إزعاج المواطنين علي الحواجز العسكرية الإسرائيلية فوراً.. وإلا فإنه سيطلب من المنسق العام للجيش الإسرائيلي في بيت ايل إصدار بطاقات كبار الشخصيات لجميع المواطنين…
    السلطه الفلسطينيه أكبر مشكل للجان في العالم لأن سياسة فخامة الرئيس رمي نتائج اللجان في سلة المهملات.. إلا إن كان الورق ناعم فله إستخدام اخر

  2. السيده ناديه حرحش المحترمه تحيه طيبه وبعد
    سيدتي الكريمه الإنفكاك الإقتصادي ليس إلا كذبه على شعبنا من ضمن الكذبات الإنفكاك الإقتصادي يحتاج إلى إستقلاليه ويحتاج لمعابر ومطار جوي وميناء بحري لاكن سلطة راملله لاتملك أي من هذه السياده حتى في مدن الضفه المحتله سيادتهم في النهار اما الليل الجيش الإسرائيلي يجتاح ويداهم بيوت أهلنا بالضفه حتى غزه رغم أنها محرره من الإحتلال لاكنها لاتستطيع الإنفكاك الإقتصادي بشكل كلي لان غزه لايوجد بها ميناء بحري ومطارها معطل ومدمر بسبب الحروب بإختصار سفريات رئيس كتيبة وزراء سلطة راملله شتيه إلى الأردن والعراق وإعلانه أنهم سيشترون النفط من هناك بدل من نفط إسرائيل والإعتماد على بعض السلع هذا طبعا هراء ولايمكن حصوله لعدة أسباب أولا إرتباط السلطه مع الإحتلال بإتفاقيات إقتصاديه أشهرها إتفاقية باريز وأيضا مثلما أسلفت الضفه محتله وسلطة راملله لايوجد لها سياده مطلقه ثالثا وبالعاميه “يعني إلي بنسق أمنيا وزعامته بتروح تل أبيب بدو يغص بالإقتصاد الإسرائيلي والإنفكاك منه” وحتى غزه لاتستطيع الإعتماد على مصر بكل شيء لأن هناك سلع تمنع من دخول غزه من قبل إسرائيل وتبلغ بها الجانب المصري الإنفكاك من إقتصاد الإحتلال يتطلب تحرير الضفه والقدس وكسر حصار غزه ومن ثما بناء إقتصاد وطني ثوري شبيه بإقتصاديات الصين وفيتنام وكوبا والإستعانه بخبراء من هناك وليس أن نكون تحت الإحتلال والسائد هو الإقتصاد رأسمالي الذي يعتبر حاضنه لكل أشكال التصهين والتخاذل وأختم هذا السمفونيه تذكرني ب2009 عندما قرر رئيس كتيبة وزراء السلطه أنذاك فياض بشراء كميات من النفط البوليفي بعد زياره قام بها إلى جمهورية بوليفيا في القاره اللاتينيه ولاكن ببساطه الإحتلال منع دخول صهاريج النفط إلى الضفه المحتله وبقيت الصهاريج على الحدود إلى أن تم بيع هذه الصهاريج على جزئين إلى جزء تم بيعه إلى تركيا و وجزء تم بيعه إلى الأردن في صفقه من ضمن الصفقات التي عقدت على ظهر صراعنا المقدس مع وكيل أمريكا والغرب الإحتلال الإسرائيلي وفي الختام شكرا جزيلا والرجاء النشر

  3. “اهذه المشاهد تقدم تفسيرا لعزوف الانسان الفلسطيني العادي عن السياسة وانزوائه بمساحته الخاصة، وعدم التفافه واهتمامه لما تتفوه به السلطة من بيانات او حراك؟”
    تلقي هذه المشاهدة النظر على طرف من المعادلة التي ادت بالناس الى الانكفاء على الذات، ولا تنظر الى الطرف الاخر، وهو دور سلطة اوسلو في احباط الناس وبالتالي تهميشهم من العمل السياسي او المشاركة به. يصب تهميش الناس بمصلحتها، لأن انخراط الشعب او فئات منه في العمل السياسي المستقل عن السلطة — كي لا نقول المناهض لها — سيؤدي الى منازعتها في القرار، والنهج الدكتاتوري المستبد لعباس وسلطته يريد التفرّد بالقرار واحتكاره.
    عملية احباط الشعب الممنهجة قضية معقّدة وتحتاج الى دراسة معمّقة. والاحباط هنا يعني الاحباط النفسي وحسب، بل بالاساس السياسي والتنظيمي. فاحباط الشعب يتم احيانا بوسائل القمع، مثل ذلك الحادث في رام الله حيث خرج الفين من الشباب الى دوّار المنارة يطالبون بالوحدة الوطنية وانهاء الانقسام وما كان من قوات التنسيق الامني الا ان قمعتهم بالعنف والقوة. لكن هناك وسائل اخرى لاحباط الناس، مثل تعميم الشعور بعدم جدوى العمل السياسي المنظم ضد الاحتلال، وتعميم حالة من اليأس وعدم الاكتراث بالشأن العام والانكفاء على الشأن الخاص. ويعمل الاعلام وما يسمى بـ”المنظمات الغير-حكومية” وحتى كثير من المثقفين في هذا المجال بكل نشاط، منهم بدراية وعن سبق الاصرار والترصد، ومنهم من هو محبط ويريد احباط غيره، ومنهم من يسبح مع التيار وفي تيار الانتهازية.

    أزمة فلسطين هي امتداد لأزمة العرب، وهي دائما مركّبة من عنصرين، إن كان على مستوى الوطن العرب او اقطاره:
    – العنصر الخارجي، وفي حالة فلسطين الاحتلال الصهيوني، ومن يقف خلفه ويدعمه. وهو ما يشير اليه هذا المقال.
    – العنصر الداخلي، الذي يجسده النظام الرسمي، وفي حالة فلسطين سلطة اوسلو والى حد ما سلطة حماس في غزة التي تقمع بدورها العمل السياسي المستقل عنها.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here