وليد بوعديلة: رواية “الانهيار” لعز الدين شنيقي سرديات العودة الجزائرية للرواية الرومانسية

 

وليد بوعديلة

    يختار الروائي والكاتب الجزائري عز الدين شنيقي السفر بالقارئ العربي إلى عوالم السرد الرومانسي في روايته الجديدة”الانهيار”، وقد نشرتها المكتبة الرئيسية للطالعة بسكيكدة- 2018، وفيها الكثير من الصراع النفسي والفكري ، ضن عوالم قصة حب بين الشاب “مخلص” و الفتاة “وفاء”، فما هي خصائص البنية و الدلالة في الرواية؟

سرد للحب والمحبة..

  من يقرأ الرواية وينهي آخر مقاطعها السردية سيخرج من عالم سردي رومانسي ساحر، ليعود ليوميات عربية فيها الكثير من الصراع ولفتن و الاحتجاجات وأخبار الدم و الاختلاف والاختلاس….لأن الروائي لم ينشغل-إلا نادرا- بغير الحب والمحبة و أخبار المحبين، في سياق التهذيب للعواطف والحرص على تجنب السقطات الأخلاقية، فكان كل تعبيره وتفكيره مخصص في روايته التعبير العاطفي والأسلوب الجبراني في الحكي، ونقل العواطف والخواطر…

     فصوت جبران خليل جبران حاضر في كثير من الصفحات، بكل الجمال والنضج والقداسة اللغوية والفكرية، لنقرأ هذا الحكي الذي منح فيه الكاتب للراوي سلطة وصف قصة الحب ومشاعر انتظار الحبيب للمحبوب:” انتظرها طويلا أو هكذا كان يحس،حتى إذا كاد ييأس من مقدمها، راودته مشاعر القلق و الخوف عليها، أشرقت له تلوح من بعيد، كشمس ربيعية أنيقة، فملأت أرجاء نفسه دفئا وضياء وبهاء، وشعر- وهي تدنو منه بخطاها المتوازنة- كأن الأجواء تتضوع من عطرها عبقا، وتزدان من سحرها ألقا، وتتناغم في طرب بديع مع الطير والزهر والسحر…”(ص18)

     ومن ثمة اختار الروائي شنيقي مواصلة درب الروائيين العرب والعالميين الذين نقلوا قصص الحب، مع اختلاف طرق التناول وزوايا النظر والرؤية الحكائية و الفكرية، مثل روايات ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي، و الحب في المنفى لبهاء طاهر ، و أنت لي لمنى المورش و ورغم الفراق لنور عبد المجيد… وغيرها من الروايات الرومانسية الخالدة.

ملامح الرومانسية السامية الحالمة..

     ونجد في الرواية ملامح السرد الرومنسي، مثل حضور التناقضات النفسية، الغرور والكبرياء،الانتقالات المكانية و الزمانية وتأثيرها في الشخصيات، العراقيل والصعوبات التي تصادف المحبين، الموقف الداخلي من القيود المجتمعية ، كثرة توظيف الحوار الداخلي –المونولوق، صراع الأهواء والأفكار، الحب والفقر، كتابة الرسائل الغرامية، الماضي والمستقبل،مرض المحب وذبوله الحسي والقلبي،… ولسنا ندري هل اطلع الروائي على كتاب ابن حزم الأندلسي “طوق الحمامة في الألفة و الألاّف”؟ ولسنا ندري هل قرأ القصة الكردية” مموزين-قصة حب نبت في الأرض  وأينع في السماء” التي ترجمها وشكّلها في رواية خالدة العالم السوري الشهيد محمد سعيد رمضان  البوطي من نص شعري كتبه الأديب الكردي أحمد الخاني ؟

      وقد نجيب بتحقيق إطلاع كاتبنا على مثل هذه الكتب والروايات، لأن ملامح الأدب الإنساني السامي حاضرة،و خصائص الحب الطاهر العفيف متجلية، وكأن الروائي عز الدين شنيقي يريد لإبداعه أن يكون نظيفا لغة وفكرا، كي يسوّق للأدب الجميل الجليل، في مواجهة مشاريع الأدب الإباحي الذي يوظّف الجنس ويتهجم على الدين و الأعراف  للوصل للعالمية وإرضاء القارئ الغربي بالدوس على المرجعيات الوطنية و الدينية و احتقار الجماليات الثقافية المحلية.

    ورغم الأشواق والعواطف الملتهبة، فقد اختار الروائي ختم روايته بموت الفتاة وفاء وانهيار كل الحب و كل دلالات الصمود أمام الصعاب الاجتماعية والقاسية، لأن أهل الفتاة أرغموها على الزواج من شخص آخر، في ظل معانات اقتصادية و اجتماعية لم تسمح للشاب مخلص ليكون مستعدا لتوفير كل الشروط المادية للزواج، وهنا يدخل السارد القارئ في متاهات الحزن و الألم ، ليقترب به من فجائع عاطفية ومجتمعية كثيرة  في الراهن الجزائري والعربي.

إحالات  سنوات الدم و النار..

    لقد استطاعت رواية “الانهيار” أن تحيلنا لبعض من ملامح الزمن الجزائري في سنوات التسعينات من القرن العشرين،لكن الروائي لم يتوسّع في إحالاته الاجتماعية، فروايته رومانسية وعاطفية بامتياز، لكنها ذكّرتنا ببعض خصوصياتنا التاريخية و السياسية، حيث عرفت الجزائر الارهاب و التطرف والحرب الأهلية، وكانت المجازر والمذابح تحدث بصفة يومية، فوقع الكثير من الضحايا وانهار الاقتصاد وتراجعت خطابات الصلح أمام خطابات الاستئصال والإلغاء.

    نقرأ في الرواية خطابا فكريا سياسيا تأريخيا:” لقد كانت الفتنة عمياء صماء بكماء، يقتل فيها الأخ أخاه والابن أباه و الجار جاره، وهو لا يدري فيم قتله، ولا حتى فيما يعاديه،… و كان الوضع حقا ملتبسا على الكثيرين حتى من أصحاب النهى وأرباب العقول….”(117)، و إن الأدب الذي واكب فترة الارهاب الدموي في الجزائر قد اتخذ تسميات كثيرة منها: أدب المحنة ،أدب الأزمة، أدب المأساة أدب الفتنة… وهناك من اعتبره أدبا استعجاليا ، لغياب النضج الفني والفكري في معظم الروايات التي صدرت حين الأزمة الجزائرية، وسقطت في الخطاب الإعلامي والفكري وأخطأت طريق القراءة السوسيولوجية و الفنية للأحداث.

     كما نقل الروائي شنيقي لنا خصوصيات الحياة في الاقامات الجامعية، الحياة في الريف الجزائي، ظروف الخدمة الوطنية في زمن الأزمة الأمنية، التطرف أو الاعتدال في السلوك والتفكير عند طلبة العلوم الدينية في الجزائر( ومن ثمة في العالم العربي والاسلامي)، البطالة عند الشباب وصعوبة الحصول على عمل،…

أخيرا

    هذه قراءة لبعض جماليات ودلالات رواية الكاتب الجزائر  عز الدين شنيقي، وهي تؤكد أن القادم من الإبداعات سيكشف عن أديب متميز في طريقت حكيه، فهو يمتلك الأدوات الفنية، ويحسن بناء المتخيل السردي، كما أن سردياته تحيل على التشويق و التوغل في أعماق الشخصيات ،و الجزائر بحاجة لنصوص ترحل في الداخل الإنساني لتنقله إلى حيز التعبير والحكي، كي يعود الإنسان لإنسانيته، في انتظار أن ينقل لنا الروائي مستقبلا عوالم مجتمعية و سياسية وتراثية من العمق الجزائري…ننصح القارئ الجزائري والعربي بقراءة رواية الانهيار.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here