لطيفة اغبارية: وكأنّ لبنان المنكوب تنقصه المصائب أيّها الفاسدون

لطيفة اغبارية

قبل عدّة أسابيع كنتُ في جولة لقرية “عرب العرامشة” الواقعة على الحدود الفلسطينيّة اللبنانيّة، والتي شاهدتُ من خلالها إحدى الفِلل القريبة ولم يفصلني عنها سوى شريط سلكي كهربائي، وفي تلك اللحظات وكما في كل مرّة أكون قريبة من هذه المناطق الحدوديّة كالجولان، ينتابني شعور غامض ومليء بالقهر، فكيف لهذا الشريط أن يمنعنا من زيارة لبنان وسورية، وتتبادر لخاطري الكثير من التساؤلات منها لماذا لا نُحرم من الاستمتاع بجمال وجبال زحلة أو التجوّل في الأسواق الدمشقيّة القديمة. ولكن كما كانت تقول جدتي “وعد ومكتوب علينا” فالواقع فرض علينا البُعد وهذا الوضع المليء بالشوق، ويبقى القلب مُعلقا في هذه البلاد نراقب أخبارها عبر الشاشات، ويسعدنا صوت فيروز القادم من الجبال، وبالمقابل تحزننا الأخبار السيئة.

وفي الآونة الأخيرة فإنّ الأخبار القادمة لا تُبشّر بالخير، فلبنان الفتيّة الجميلة تبدو منهكة طيلة الوقت، بفعل الانقسامات والأزمات الداخليّة، والأوضاع الاقتصاديّة المُزرية، ويأتي تفجير يوم أمس في بيروت ليزيد الطين بلّة، وليؤكد على العلاقة الوطيدة التي أسهب في شرحها “ابن خلدون” بين الفساد والاستبداد واستراتيجية الإفقار والتجويع الدائم، وتصدّر لبنان في قائمة الدول التي تعاني من الفساد. وإلا كيف حدث مثل هذا التفجير الرهيب في المستودع القائم منذ عام 2014، في كارثة جديدة لن تتعافى منها لبنان في ليلة وضحاها. وفي أوج الوضع الكارثي فإنّ أكثر ما يستفزّنا هو خروج العديد من المسؤولين الذين يطالبون بمعاقبة ومحاسبة من يُسمّونهم بـ” المسؤولين عن الكارثة” وهذا المطلب جميل ومطلب حقّ، لكن السؤال الذي يُحيّرنا باستمرار، لماذا تقع مثل هذه الكوارث التي سببها الإهمال في الدول العربيّة فقط؟ فتارة يصدم قطار بقطار آخر، أو ينقلب بمن فيه من ركّاب، وتارة أخرى تنهار عمارة بمن فيها من سكان.

للأسف فإنّ معظم الدول العربيّة مبنيّة على الفساد والمحسوبيّات، وعلى الصعيد الشخصي لم أسمع ولو لمرّة واحدة عن معاقبة أو محاسبة مسؤول، فالمقرّبون من   السلطة أو الصحن يفعلون ما يحلو لهم لعدم وجود رقيب. فكم بالحري إذا كانت مثل هذه الأوضاع في دولة مثل لبنان التي تحاول عدّة دول فرض سيادتها عليها، ومن جهة ثانية فإنّ جشع ساستها وسيطرة الكثير منهم على القطاعات الهامّة، أودت بالمواطنين إلى الحضيض. فهل يعقل أن يعيش مليون ونصف لبناني بنحو أربعة دولارات في اليوم الواحد فقط؟! ويعيش 8% منهم في فقر مدقع، بينما يعيش نحو 360 ألف منهم بأقل من 2.5 دولار يوميّا.

لا نكتب هذا الكلام من منطلق جلد الذات، وإن كان الجَلد مطلوبًا لوضع الإصبع على الجُرح ليزيده ألمًا، لأنّه وبكل أسف لا نرى أيّ بصيص أمل أو بوادر للتغيير الإيجابي، بل نحن في الطريق إلى الهاوية من خلال الأوضاع المزرية والحالة التي يُرثى لها.

وختامًا نرجو أن تكون هذه الكارثة هي الأخيرة في لبنان وغيرها من الدول العربيّة، وأن يتم استخلاص العبر، والأهم أيضًا أن تستيقظ ضمائر ساستها. ولا يسعنا إلا أن نقول لساستهم كفاكم فسادًا، وقبل أن تلقوا بالتُهم على أعداء الخارج والمؤامرات الكونيّة التي لا تحاك إلا للعرب، اهتمّوا بشؤونكم الداخليّة فهي أولى، وهي الأساس الأول للبلاء.

وتعازينا الحارّة لكل فرد في بلد الأرز.

*كاتبة فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. مقال ممتاز وجريئ.. يصف حال الدول العربية بكلام بسيط وسلس ومقنع .. للاسف الدول العربية بدون استثناء لن تقوم لها قائمة .. ولن يكون هنالك تقدم ولا تطور ولن توضع في يوم من الايام في مصاف الدول المتحضرة اذا بقيت غارقة في الفساد رالمحسوبيات.. وسياسة فرق تسد..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here