وفاة الطفلة المغربية “إيديا”: حتى الطفولة لم تسلم من أمراض الاستبداد

tarek lisawi.jpg555

د.طارق ليساوي

من منا لم يسمع بمقولة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه عندما قال : ( لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها : لِمَ لم تمهد لها الطريق يا عمر ) ، هذه العبارة الموجزة تعبر بوضوح عن مسؤولية الدولة ليس فقط تجاه مواطنيها و إنما حتى الدواب التي فوق أرضها ، وكذلك تعبر عن مفهوم الدولة و طبيعة العقد الاجتماعي بين الحاكم و المحكوم وفق التصور  الإسلامي. ولهذا كان المسلمين  وقتها أعظم أهل الأرض فالأمم تسود بالعدل و تضمحل بالجور…

لو جاء عمر رضي الله عنه لما وجد البغال تتعثر و إنما البشر تموت من الإهمال و اللامبالاة و تعاني الفقر و العوز في بلدان لازالت تدعي أنها خاضعة لتعاليم الإسلام لا سيما من جانب تنصيب الحاكم ، ففي المملكة المغربية  يموت مغاربة على مختلف الأعمار بسبب العوز و من أجل لقمة العيش و أخر الضحايا الطفلة “إيديا” من “إقليم تنغير” (منطقة نائية وسط المملكة المغربية) و فاه الطفلة كان نتيجة إهمال طبي فالمستشفيات التي توجهت إليهم الطفلة بمعية والديها، إما لا تتوفر على الأجهزة الطبية الضرورية ا و أن الأجهزة مصابة بعطل ، فالطفلة المصابة بنزيف داخلي قطعت حوالي 400 كلم بحثا عن جهاز “سكانير” لكن الوفاة كانت المحطة الأقرب رحم الله الطفلة و إنا لله و إنا إليه راجعون…

لكن الغريب ليس وفاة الطفلة فالآلاف- إن لم نقل الملايين- من  المغاربة لا يجدون سبيلا للعلاج، فيكفي جولة بالمستشفيات الجامعية بالمدن الكبرى لندرك حجم الخلل ،  وهو الأمر الذي يجعل من تصريح وزير الصحة المغربي في غير محله عندما حمل الأبوين مسؤولية وفاة الطفلة … لا يسعني إلا أن أذكر وزير الصحة بالمقولة المأثورة “إن لم تستحيي فافعل ما شئت”، فواقع الخدمات الصحية في البلاد لا يمكن إخفاءه، و حوادث الإهمال لا حصر لها بربوع المملكة…و الحصول على الرعاية الطبية أصبح مرتبطا بالقدرة على تحمل التكاليف …

فوفاة الطفلة “إيديا” ليس بالأمر الجديد ، فليس هناك الوفاة فقط بل هناك ظواهر أكثر خطورة من الوفاة ن فالعديد من الأطفال المغاربة يتعرضون للاستغلال الجنسي في بعض المدن المغربية من قبل سياح أجاني يبحثون عن إشباع رغباتهم المريضة، و التقارير الإخبارية التي بثتها عدد من وسائل الإعلام الأجنبية في كل من فرنسا و اسبانيا تعطي صورة موجزة عن هذا الواقع الأليم ، فمن المسؤول عن هذا الوضع؟ قطعا ليس فقط وزير الصحة…

المسؤولية تقع على عاتق رئيس الدولة فهو المسؤول الأول عن كل شاردة وواردة في البلاد ، فعليه أن يحاسب كل من قصر في القيام بمهامه، لكن التجربة والممارسة العملية أثبتت أن كل من تداولت وسائل الإعلام و وسائل التواصل الاجتماعي معلومات عن فسادهم أو استفادتهم من ريع بحكم المنصب ، إلا ويتم ترقيتهم إلى مناصب أكبر من سابقاتها بدلا من محاسبتهم و إلزامهم برد ما أخذوه بغير وجه حق، فما الغرض من هذه الرسائل المشفرة هل البلاد ملك لفئة بعينها أم أنها ملك للأمة والشعب المغربي؟ و المسئولين ما هم إلا خدام وموظفين عموميين عند هذا الشعب الذي يدفع تكاليف عيشهم وترحلهم من قوته…

الواقع أن البلاد تعيش دورة جديدة من الفساد و الاستبداد، وهناك إصرار على إرجاع عقارب الساعة إلى الخلف، لكن ما لا يعلمه الماسكين بزمام السلطة أن هذه السلوكيات السلطوية و الأساليب المهينة لكرامة المواطنين لن تقود إلا لمزيد من التوتر و الإحباط، وندرك جميعا أن شعلة “البوعزيزي” في تونس لم تحرق فقط بلده، بل امتدت لباقي بلدان العالم العربي بما فيها المغرب ، نعم استطاع المغرب أن يتجاوز الاحتجاجات الشعبية بسلام، على أمل تحقيق الإصلاحات التي صرح بها العاهل المغربي أنداك ، لكن ما يحدث اليوم هو استمرار ليس فقط لسلوكيات ما قبل 2011 بل لسلوكيات حقبة ما يسمى بسنوات الرصاص…

فدوامات التوتر الشعبي تحيط بالمملكة فالريف (شمال المغرب) لازال يعيش على إيقاع حراك شعبي للمطالبة بالقصاص للشهيد محسن فكري و تحقيق العدالة الاجتماعية ، نفس الأمر و لكن بصورة مختلف بباقي مناطق  المغرب، فاعتقاد السلطة بأنها نجحت في إخماد احتجاجات 2011 و أنها انتصرت على الحراك الشعبي ورموزه هو ضرب من الوهم ، فالجوار الجغرافي للمغرب و العالم العربي بأسره لازال يعيش على صفيح ساخن ، فتواتر الأحداث الدامية من المشرق و المغرب لم تنقطع يوما مند 2011 ، قد تكون لشلالات الدم في سوريا و ليبيا و اليمن أثر في كبح جماح الشعوب و رغبتها في التغيير خوفا من السيناريو السوري أو ليبي و الذي عملت بعض الأنظمة العربية على تضخيمه لتخويف شعوبها بالأساس و ليس حبا في الشعب السوري، ففاقد الشيء لا يعطيه فلا يعقل أن الأنظمة المستبدة القامعة لحريات شعوبها سوف تنتفض من أجل حرية الشعب السوري أو ليبي…

 لكن لا ينبغي الارتكان لهذا الخوف…فالاستبداد السياسي في المغرب و غيره من البلاد العربية تخطى كل الخطوط الحمراء، و نهب ثروات الشعوب و تفقيرها على حساب إثراء دائرة ضيقة من أهل السلطة و المقربين منها كلها أمور لن تقود لمستقبل أمن ، فإهانة كرامة الضعفاء و التضييق عليهم و انتهاك حقوقهم لن تقود إلا للمزيد من التذمر و لن تفلح وسائل القمع و التضليل الإعلامي  في الوقوف في وجه شوارع و ميادين  مكتظة بالمظلومين و المنبوذين فعندما ينعدم العدل و يرتفع منسوب الظلم و الجور فإن الدولة في طريقها للزوال لأن الله تعالى ينصر  الدولة الكافرة العادلة ولا ينصر الظالمة وان كانت مسلمة و ما أكثر المظالم في بلاد الإسلام و رحم الله عمر الفاروق  …و الله غالب على أمره …

*إعلامي مغربي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. هل امير المؤمنين في المغرب يعرف ما قال عمر رضي الله عنه ؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here