وفاء بهاني: قصص وحكايا من الشتات واللجوء الفلسطيني

 

البداية

وفاء بهاني

لما كنت واحدة من مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان، وحفيدة جدين عزيزين أجبرا على الهجرة من فلسطين، خوفاً من العصابات الصهيونية التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني أفظع المجازر وأكبر المذابح لإجبارهم على ترك بلداتهم وقراهم، والحلول مكانهم في ديارهم واستيطان أرضهم، فيما عرف بأكبر عملية تهجيرٍ ولجوءٍ في القرن العشرين، حيث هجر اليهود الوافدون بمساعدة بريطانيا قرابة مليون فلسطيني، انتزعوهم من أرضهم، وخلعوهم من ديارهم، وجردوهم من ممتلكاتهم، وألقوا بهم في العراء وتحت الخيام في بلاد الجوار، وسلموهم ضمن مخططٍ مدروسٍ ونيةٍ مسبقةٍ إلى وكالةٍ دوليةٍ أنشئت خصيصاً لأجلهم، وأوكلت مهام الاهتمام بهم ورعايتهم، عرفت باسم “الأونروا”، تمهيداً لإعادتهم إلى بلداتهم في فلسطين، إلا أن مساعي العودة قد تعذرت كما أن جهود الإغاثة قد تعطلت.

رأيت وأنا الشابة الفلسطينية التي أحزنني كثيراً حال جديِّ، الذين عاشا طوال عمرهما وهما يفكران في العودة، ويعدان العدة لمغادرة المخيمات وترك بلاد اللجوء إلى فلسطين، التي عشقاها وأحباها، وضحيا من أجلها وعملا في سبيلها، إلا أنهما ماتا قبل أن يتحقق حلمهما، وغادرا الدنيا وعيونهما نحو فلسطين ترنو وإليها تتطلع، كحال عشرات آلاف الفلسطينيين الذين رحلوا مثلهما قبل أن يتحقق حلمهم، ويستعيدوا ملكهم، ويعودوا إلى ديارهم، إلا أنهم أودعوا هذا العلم لأبنائهم، وسلموه لهم أمانةً في أعناقهم، عهداً يحافظون عليه ولا يفرطون فيه ولا يتنازلون عنه، يعملون من أجله، ويضحون في سبيله، وإلا يسلمونه طاهراً نظيفاً قوياً ثابتاً للأجيال من بعدهم ليتحقق مهما طال الزمن، ويستعيدوا حقوقهم وحقوق أجدادهم مهما عظمت الصعاب وكثرت التحديات.

رأيت أن أكتب بقلمي معاناة أهلي وحلم شعبي، وأن أسجل ما استطعت معاناتهم، وأن أدون قصصهم وحكاياتهم، وأن أخلد للأجيال القادمة أحلامهم وما عملوا من أجل تحقيقها، وما قدموا من تضحيات  في سبيلها، وهي كثيرة وعديدة على مدى سنوات اللجوء وعلى طول وامتداد بلاد اللجوء والشتات، فقد جرت خلال السنوات التي اقتربت من الثمانين عاماً قصصٌ كثيرة ووقعت حوادث كبيرة، كثير منها محزنة أليمة، وأخرى جميلة سعيدة، وبعضها إنساني وغير اجتماعي، وغيرها نضالي ومقاوم، مما يفتخر بها شعبنا ويعتز بها أهلنا، ولكنها لتناثرها بعيدة، ولعدم تناقلها غير معلومة.

 فأردت هنا ضمن سلسلةٍ منظمةٍ ممنهجةٍ، معنونةٍ مرتبةٍ أن أعيد الحياة إلى الكثير من القصص والحكايات الفلسطينية الحقيقية الواقعية، التي عاشها أهلنا وعانوا منها، وتلك التي فرحوا فيها وفخروا بها، لأضمها إلى سلسلةٍ طويلةٍ من الأعمال الفلسطينية الخالدة، التي تتحد مع التراث الوطني والموروث الشعبي الذي به نقاتل ونكافح، وبه نصبر ونواجه، لأنني أرى أن هذا الموروث الشعبي هو جزءٌ من سلاحنا، وأحد أدوات نضالنا، نعتز به ولا نفرط فيه، إذ له قوة السلاح ومضائه، وفيه أثره ونتائجه، فلا نستخف به ولا نقلل من شأنه.

ولنعلم أن العدو الصهيوني يحاربنا به ويقاتلنا من أجله، فهو يدرك أن ما تحمله ذاكرتنا، وما تنقله ألسنتنا، وما تحفظه عقولنا، وما ترويه أمهاتنا، وما تورثه جداتنا، إنما هو سلاحٌ حقيقي، يخاف منه العدو ويدرك أثره ويعرف مفاعيله، ولهذا فهو يريد أن يشطب من ذاكرتنا كل هذه الأماني والأحلام، وكل تلك القصص والحكايات، لأنه يعرف أنها وقود العودة، وزاد المعركة.

ولعلني هنا ضمن هذه السلسلة التي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينني فيها، ويهيئ لي من يساعدني عليها، ويزودني بذاكرة شعبنا ووعي أهلنا، أدعو كل صاحب تجربة ورواية، وكل حافظ قصة وحكاية، وكل عالمٍ بحادثةٍ أو واقعة، أن يدونها ليحفظها، أو يزودنا بها لنرويها ونسردها، فهذه القصص والحكايات ملك لأجيالنا وحق لشعبنا، ربما حالت الظروف الصعبة دون نقلها ومنعت المعاناة دون حفظها، ولكننا اليوم نستطيع أن نسجلها بأمل، وأن نعيد إليها الحياة بثقة، فأجيالنا الطالعة أمينة على ما ترك الأجداد، ووفية لما كانوا يحلمون به ويعملون من أجله.

قصصنا وحكاياتنا أيها السادة ليست خيالاً ولا هي مختلقة، كما أنها ليست افتراضية بل هي حقيقة واقعية، تجسد معاناتنا وترسم فرحنا، توضح حكايتنا وتسرد مأساتنا، وهي ليست للتسلية والتسرية، بل هي للعبرة والتجربة، وهي للشحذ والهمة، وللعزم والمضاء، حتى لا أنسى عكا ولا تنسون صفد، ولا تطوي الأيام صفورية وحيفا ولا الطنطورة والناصرة، ولا يافا وأسدود وبيسان وطبريا، فهذه أرضنا الموروثة، وبلادنا المصونة، سنحفظها بالبندقية والرصاصة، وبالكلمة والحكاية، وبالثوب والكوفية، وبالموال والأغنية، حتى تعود إلينا أرضنا فلسطين حرة، أبيةً عزيزةً كريمةً.

معي هنا على مدى الأيام ستقرأون قصصاً تظنونها غريبة، وتعتقدون أنها خيالية، ولكنكم ستدركون بعد قليل أنها قصة عائلتكم وحكاية أهلكم ووقائع جيرانكم وتغريبة شعبكم، وهي قصص كثيرة قديمة جديدةٌ، يرويها الأبناء عن الأجداد، وينقلها الصغار عن الكبار، ولكن غيرها الكثير وقع مع الأجيال الطالعة، وعاشها الأبناء الحاليون، ونسج خيوطها المهجرون الذين لا زالوا هم اللاجئين، رغم أن الكثير منهم هاجر ولجأ في بلادٍ بعيدةٍ عاش فيها وحمل جنسيتها، وتعلم وعمل فيها، وبرع وتميز وأعطى فيها كما يعطي أبناؤها الأصليون، ولكنه رغم الغنى والثراء، والنجاح والتميز ما نسي أبداً أنه عربي فلسطيني، عيونه ترنو إلى هناك حيث البلاد المقدسة التي استوطنها العدو واحتلها الغرباء، ولكنهم إليها حتماً سيعودون، ومعهم جميعاً بإذن الله سنعود …..

تعالوا بنا أيها الشعب العنيد، يا شعب الجبارين أيها العظماء، يا أبناء أمةٍ ستنتصر على ضعفها وستستعيد حقها، نفتح سجل الذكريات، ونقلب صفحات التاريخ، وننبش الماضي القريب والبعيد، نبحث عن الدرر، ونفتش عن القصص، ونروي حكايانا ونتعلم منها الحكم، هيا ننفض الغبار عن سلاحٍ ظنه البعض أنه عتق وثلم، وضعف وخرب، ولكن الحقيقة أنه ما زال حاداً مضاءً، وفاعلاً قادراً….

يتبع الحكاية الأولى ….

بيروت

Bahaniwafaa@gmail.com

https://www.facebook.com/Wafaa.Bahani

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. ستكون قصصا مبكية ومحزنة ومحبطة ! ماذا بعد ستين عاما من الثورة وهانحن وصلنا لما وصلنا له والكل يقول ان المؤامرة كبيرة ! ﻷننا غير صادقين مع أنفسنا ونقول أننا دون المستوى وفقط اقل من 2% من الفلسطينيين من حاول ان يقاتل وبعد ذلك 70% منهم اغوتهم اﻻموال والمناصب واﻻوهام !! لو كنا صادقين مع انفسنا لجعلنا العالم يركع لنا .. لكننا نزلنا عن الجبل !

  2. إبنتنا العزيزة وفاء المودة والتقدير …
    أكتبي ياوفاء أكتبي كل شيء من أول الحكاية …أكتبي لي بربك عن يافا ..قلبي ينفطر لرؤيتها ومعانقة نسيم بحرها اكتبي بنيّتي بربك اكتبي عن يافا كل شيء عن يافا وعن برتقالها الحزين.. أكتبي عن حيفا والناصرة وبيسان ومرج بن عامر وعن الطنطورة وعكا وحطين وعن حكايات الصيادين وعن مرج بن عامر ومواسم الحصاد وعن الجليل ومواسم قطف الزيتيون ..أكتبي ..نتظر مقالك القادم … حيث لدينا الكثير الكثير من القصص المؤلمة .في تيهنا إلى الشتات البعيد.من يافا إلى الضفة المحتلة ومن ثم لأردن فأروروبا فبيروت والجزائر وتونس وعدن وموريتانيا …ومن ثم تشيلي وصولاً إلى شرق أسيا وجنوب شرق أسيا …ننتظرك بكل وفاء ياوفاء كوني كما أنتِ لظل أهله فتوهجي .. كوني حُرة كوني شمساً وحرية كوني خبزاً للفقراء في والكادحين في دروب الشتات.. كوني ملحاً للأرض كوني حارسة وجودنا أيتها الفلسطينيه الصامدة كوني وفاء إدريس وشادية أبو غزالة كوني دلال المغربي وريم الرياشي كوني أيات الأخرس وهنادي جردات كوني فاطمة غزال وحلوة زيّدان كوني رجاء أبو عماشة وعندليب طقاطقة وإسراء الجعابيص..كوني خيلاً جامحة ترفض السرج واللجام ..كوني حرة……..
    إرعوني…
    إزرعوني زنبقاً أحمر في الصدرِ
    وفي كل المداخل
    واحضنوني مرجة خضراء
    تبكي وتصلي وتقاتل
    وخذوني زورقاً من خشب الورد
    وأوراق الخمائل
    إنني صوت المنادي
    وأنا حادي القوافل
    ودمي الزهرةُ والشمسُ
    وأمواج السنابل
    وأنا بركان حبٍّ وصَبَا
    وهتافاتي مشاعل
    أيها الناس لكم روحي ،
    لكم أغنيتي
    ولكم دوماً أقاتل
    فتعالوا وتعالوا
    بالأيادي والمعاول
    نهدم الظلم ونبني غدنا ..
    حرّاً وعادل
    أيها الأطفال .
    يا حبقاً أخضر ..
    يا جوق عنادل
    لكموُ صناّ جذور التين والزيتون
    والصخر
    لكم صُنّا المنازل
    أيّها الناس الحزانى
    أيّها الشعب المناضل
    هذه الأعلام لن تسقط
    ما دُمنا .. نغنّي ونقاتل
    ( المناضل والشاعر توفيق زياد )

  3. إبنتنا العزيزة وفاء المودة والتقدير …
    أكتبي ياوفاء أكتبي كل شيء من أوال الحكاية …أكتبي لي بربك عن يافا ..قلبي ينفطر لرؤيتها ومعانقة نسيم بحرها اكتبي بنيّتي بربك اكتبي عن يافا كل شيء عن يافا وعن برتقالها الحزين.. أكتبي وحيفا والناصرة وبيسان ومرج بن عامر وعن الطنطورة وعكا وعن حكايات الصيادين وعن مرج بن عامر ومواسم الحصاد وعن الجليل وماوسم قطف الزيتيون ..أكتبي ..نتظر مقالك القادم … حيث لدينا الكثير الكثير من القصص المؤلمة .في تيهنا الشتات البعيد.من يافا إلى الضفة المحتلة ومن ثم لأردن فأروروبا فبيروت والجزائر وتونس وعدن وموريتانيا …ومن ثم تشيلي وصولاً إلى شرق أسيا وجنوب شرق أسيا …ننتظرك بكل وفاء ياوفاء كوني كما أنتِ لظل أهله فتوهجي .. كوني حُرة كوني شمساً وحرية كوني خبزاً للفقراء في والكادحين في دروب الشتات.. كوني ملحاً للأرض كوني حارسة وجودنا أيتها الفلسطينيه الصامدة كوني وفاء إدريس وشادية أبو غزالة كوني دلال المغربي وريم الرياشي كوني أيات الأخرس وهنادي جردات كوني فاطمة غزال وحلوة زيّدان كوني رجاء أبو عماشة وعنديب طقاطقة وغسرء الجعابيص..كوني خيلاً جامحة ترفض السرج واللجام ..كوني حرة ..

  4. الأخت وفاء
    تحية طيبة، اشكرك على مقالتك الصادقة حتى ولو لم
    تبدءي بعد واتمنى لك كل التوفيق لان الشعوب العربية
    استذوقت الذل والهوان ولايكادون ان يعيشوا بدونه
    فأصبح كالدم الذي يجري في العروق ،
    بعض الدول تقول الإسلام بالمصري ويتفاخرون بكامب ديفيد
    وبعضها يقولون ان جزء من الانتفاضة في لبنان هي
    للدعوة بالرفق بالحيوان وينسون كيف يعيش الفلسطينيون
    في مخيمات لبنان، وبعضهم يقول ياسيدي ويا سيدنا
    لرءيسهم، وبعضهم يطبع مع إسرائيل بالسر ، وبعضهم
    من الستينيات يقول لامانع من تسلح إسرائيل
    للأسف أقول لكي يأختي الله يكون بعونك
    وشكرا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here