وديع حداد وجورج حبش الساعات الأخيرة والوداع

بسام ابو شريف

منذ أن بلغ خبر مرض الدكتور وديع حداد ، تحول جزء كبير من المكتب السياسي والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ليصب في معالجته والاهتمام به ,

كان القلق باديا على الحكيم الذي حاول جهده ألا يظهر هذا القلق ، أو أن يسمج له بالانعكاس سلبا على عمله وعطائه ومتابعته للمسار العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعملياتها القتالية ، فأصدر التعليمات لزيادة مستوى الكفاح الثوري وشن العمليات على قوات العدو .

وقام على غير العادة بلقاءات مع المجموعات القتالية التي كانت تجهز نفسها لشن العمليات ليبث فيهم نفسا ثوريا لأداء المهام .

وأوحى لي هذا الجهد الاستثنائي للحكيم في الميدان التعبوي العملي الثوري العسكري أنه لايريد للعدو أن يشعر أن غياب وديع حداد سوف يؤمن له أي نوع من الاستقرار والطمأنينة لكنني كنت أرى بوضوح أن متابعته وملاحقة الفحوصات الطبية التي يخضع لها الدكتور وديع حداد احتلت جزء هاما من عمله واهتماماته .

ومع انتقال الدكتور وديع حداد للجزائر طلب مني الحكيم أن أتصل بأطباء أصدقاء ماهرين ومطلعين ( د. نبيل شماعة ود . نجيب ابو حيدر رحمهما الله ) ، ليشاركا في الفحوصات الطبية فسافرا للجزائر التي وضعت أفضل أطبائها في حالة استنفار لمعرفة ” الخطب ” ، الذي ألم بالدكتور وديع حداد ، وكلف المناضل الكبير ابو ماهر اليماني بمتابعة كافة الأمور المتعلقة بالدكتور وديع حداد ، واتصل بي في شهر ديسمبر من العام 1977، سي العربي بالخير والجنرال العياطي ” وكانا مسؤولان عن أمن الجزائر ” ، وطلبا مني الحضور فورا للجزائر لرؤية ” الرجل ” ، وأن ” الرجل مريض جدا ” ، ولايعرف الأطباء أسباب هذا المرض وأنهما يريدان أن يتحدثا معي حول الأمر الخطير ، وأبلغاني أن ” الرجل ” ، يريد رؤيتي للضرورة .

رسميا ، كان الدكتور وديع حداد مفصولا من الجبهة الشعبية لذلك كان علي أن أستأذن “الحكيم” ” ، لأسافر للجزائر للقاء الدكتور وديع حداد والاخوة الجزائريين .

وافق الحكيم وطرت للجزائر ، واستقبلني الاخوة الجزائريون في المطار وأوصلوني الى المكان الذي كان يقيم فيه الدكتور وديع حداد .

استقبلني ابو هاني عند باب المنزل الداخلي ، فقد كان البيت قديما ويقع وسط حديقة كبيرة ندخل اليها من بوابة حديدية كبيرة يقف عندها رجال أمن بلباس مدني ، عانقته ودخلنا سويا الى شرفة حيث جلسنا وبدأنا الكلام فورا ، قص لي الدكتور وديع حداد ما حصل معه وبما أحس وبما يحس ، وشرح لي وضعه الراهن قال : ( كنت مدعوا لتناول العشاء في بيت أحد قادة حزب البعث ، وكان الحضور كثيرا وهم مسؤولون في مختلف الميادين ، وبعد العشاء الذي تناولناه في الحديقة جاء النادل بفناجين القهوة ووضع أمامي فنجانا ” بيده ” ، وعندما تناولت أول رشفة منه شعرت باللعيان ورغبة في ” التقيؤ – افراغ المعدة من البلعوم ”  فهرولت نحو المنزل الى الحمام لكنني أخرجت مافي معدتي قبل وصولي لباب المنزل  وغادرت ، ومنذ تلك اللحظة وأنا أتأرجح بين الاعياء وارتفاع الحرارة ثم هبوطها وعودة النشاط لجسدي لكنني أتهاوى أمام ما جرى ، أعتقد أنهم دسوا السم لي ) .

لعبنا يومها في حديقة المنزل ” كرة قدم ” ، وتنزهنا في الحديقة وزرنا بعض الدواجن ولعبنا مع الكلب ، وكان وديع حداد مليئا بالحيوية والنشاط ، وفي اليوم التالي انعكس الوضع ، ووهن وديع ولم يتمكن من الوقوف أو السير ، وقلقت أنا من هول الحالة .

قال لي : ( ماتبقى من شعر رأسي يتساقط ، وهذا دليل آخر على استخدام السم ) .

وحركنا الأطباء لاجراء فحوصات دم بحثا عن سموم ، وأرسلت عينات للولايات المتحدة ولليونان ” حيث يوجد معمل لفحص الدم من السموم هو من أهم مختبرات الدم ،  لكن الاجابات كانت سلبية حسبما فهمت من الاخوة الجزائريين لاحقا .

وقام بنفس الفحص الدكتوران شماعة وابوحيدر فوجئت بأن مختبر الولايات المتحدة أبلغهما أنه لم يتسلم العينات وأنها فقدت ، وبدأ التفكير بنقل الدكتور وديع حداد الى المانيا الديمقراطية وكان قد رفض الذهاب لليونان أو فرنسا لأن هذه الدول تبيع المناضلين على ” أول كوع ” .

لكن حالته ازدادت سوء ، وقام الحكيم باجراء اتصال عاجل مع الرفاق الألمان وطلب منهم استقبال وديع حداد ، وافق الألمان فورا وأرسل الحكيم ابو ماهر اليماني ليرافق الدكتور وديع حداد مع زوجته ومقربين منه الى المانيا ، ووصل الى برلين .

ورفض الا أن يهبط درج الطائرة الجزائرية الخاصة وحده ، ودون أن يمسك بيده أحد لكنه سرعان ما انهار على مقعد سيارة الاسعاف عندما وصلها بعد أن صافح الرفاق الألمان .

وأمضى الدكتور وديع حداد بقية أيام حياته ” القليلة ” ، تمزقه الأوجاعوالآلآم التي كانت تدفع به ” احيانا ” ، للصراخ رغما عنه وأمضى الليالي والأيام تحت تأثير المسكنات .

كان موعد اجتماع المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد صدر منذ فترة ليتم في 28 آذار 1978 ، فتوجهت الى مقر المكتب السياسي لحضور الاجتماع .

لم يكن في قاعة الاجتماع سوى ابو ماهر اليماني ، وأسرعت أجلس لآراقب مايجري وأسأل  فقد كان ابو ماهر يبكي بحرارة ، فسألته … وديع أليس كذلك ؟ ، لم يستطع أن يتكلم واكتفى بهز رأسه  مؤكدا انه ” ابو هاني ” ، ثم تمالك نفسه وقال : لن يكون هنالك اجتماع فالحكيم مصاب بصدمة ويعجز عن الكلام …

لقد فقدنا وديع ” لقد قتلوه ! ” ، وغادر ابو ماهر بيروت متوجها الى برلين لاصطحاب جثمان الدكتور وديع ورافقه آخرون من مساعدي وديع حداد .

وعلمت من سكرتارية المكتب السياسي أن الحكيم سيتوجه الى بغداد لأن جنازة وديع حداد ستجري في بغداد ، وسيوارى الثرى هناك .

لم يكن الوضع طبيعيا على الاطلاق ، وتصرفت دون قرار من أحد وحجزت لنفسي مقعدا على طائرة متوجهة الى بغداد ، وغادرت في اليوم التالي .

وفوجئت بأن الحكيم ترافقه زوجته هيلدا كان على متن الطائرة ذاتها ، كانت تلك هي المرة الاولى التي أرى فيها دموع الدكتور جورج حبش تتساقط بصمت عميق الحزن ، وشعرت أن كل دمعة سقطت على وجنتيه كانت تشق طريقه بألم النار الحارقة .

لم ينظر الى أحد ، ولم يكترث لأحد … واستمر مستغرقا مع دموعه الى أن وصلنا مطار بغداد

كان ألما شديدا كأنما تفصل توأمان التصقا مدى الدهر في لحظة سريعة .

فصل التوأم مؤلم ، ليس من حيث الألم الراهن ، في اللحظة اياها بل لأن هذا الألم سيرافق الشق الباقي من التوأم طوال حياته ، سيشعر بالوحدة ، وربما بالغربة بعيدا عن شقه الآخر .

كان يحترق بنيران شرايين قلبه وخلايا دماغه … لقد فقد توأم الروح … ابو هاني .

وفي المهرجان الذي أقيم أمام مكتب الجبه الشعبية ببغداد … تحدث الحكيم كما لم يفعل من قبل

لقد اغتالوا وديع حداد ، ولن أتطرق هنا لأسرار تلك العملية الاجرامية البشعة ، لكنني أعدكم بأن تروها وتقرأوها كاملة تقريبا في كتابي ، الذي سيصدر قريبا في بيروت ” السمك المالح ”  الصهيونية ارهاب متجذر فكرة وحركة ودولة .

والسؤال الذي يطرحه كثيرون قد يجد جوابا فيما كتبت ووصفت ، هل كان فصل وديع حداد أمرا متفقا عليه بين التوأمين ؟

هل وافق وديع حداد حتى لايحرم الجبهة من علاقاتها مع دول يهم الجبهة الشعبية أن تقيم معها علاقات ؟

آخر العمليات كانت اختطاف أكثر من مائة اسرائيلي الى عينتيبة في اوغندا ، ولولا خيانة عيدي أمين وارتهانه لاملاءات اسرائيل لما كانت اسرائيل قد نجحت في القيام بتلك العملية التي شاركت فيها الولايات المتحدة ، ولو أن اوغندة تجاوبت مع مقترحات وديع حداد لما استطاع المهاجمون من تخليص رهينة واحدة .

تفاصيل ماجرى في كتابي الجديد الذي سيصدر في نهاية العام – أسرار عملية عينتيبة.

كاتب وسياسي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. لقد فقدت القضيه الفلسطينيه خيرت قادتها بغياب حكيم الثوره و بديع الثوره رحمهم الله ورضي الله عنهم فلاول سيد الحكمه الثوريه والثاني قمه في الابداع الثوري

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here