وداعا … بول بالطا.. الصحافي الذي خسرته الجزائر

دكتور محيي الدين عميمور

كان الرئيس الراحل هواري بو مدين، فيما أعرف، من أكثر الزعماء العرب فهما لدور الإعلام في صياغة الرأي العام، داخليا وخارجيا، لينسجم مع توجهات البلاد وليساهم في حماية مسيرتها ودعم تنميتها وردع خصومها.

ومن هنا كان الرئيس يحرص على عقد لقاءات متواصلة مع الإعلاميين الوطنيين والأجانب، وكان من بين هؤلاء الصحفي المصري الفرنسي بول بالطا، الذي خسرت الجزائر بوفاته في الأسبوع الأسبق واحدا من أهم أصدقائها الإعلاميين بعد أن فقدت في العام الماضي الصحفي السوري الجزائري قصيّ صالح الدرويش.

كان بول قد عاش التجربة المصرية التي تألق فيها  الرئيس جمال عبد الناصر لكنه، عندما عُين في الجزائر قبيل مؤتمر عدم الانحياز وبعد وفاة الرئيس المصري، كان يُعطي الشعور بأن  هواري بو مدين قادر على ملء الفراغ الذي تركه ناصر، وبرغم أن الرئيس الجزائري كان يرفض تماما التجاوب مع تلك المشاعر، إلا أن بول كان يسميه “الرئيس الأكثر حضورا” إلى جانب عبد الناصر.

وبالطا من الكتاب القلائل الذي خصصوا كتابا هاما لمسيرة الرئيس الجزائري صدر بعنوان “استراتيجية بو مدين”، ووصفه قائلا: بأنه “كان صاحب فعل كما كان صارما وكان خجولا كما كان فخورا وكان إنسانيا”، وبهذا يُمكن أن يُقال أن الكتاب الفرنسيين هم وحدهم الذين أصدروا كتبا عن الرئيس بو مدين، ومن بينهم آنيا فرانكوس وجان بول سيريني.

وكان من أهم ما لاحظته أن بول كان يأتينا إلى الرئاسة وهو بالبرنوس، وأعتقد أن ذلك كان من باب التحبب للرئيس.

من أهم ما مكن بول من دراسة الوضعية الجزائرية بموضوعية كبيرة تكوينه المهني، وفي الوقت نفسه إلمامه باللغة العربية، بحيث لم يجد نفسه محصورا في سجن اللغة الفرنسية، وبالتالي أسيرا لأفكار معينة قد لا تعكس دائما واقع الجزائر بقدر ما تعبر عن خلفيات أصحابها، ومنهم من هم متزوجون بغير جزائريات.

وأحس الرئيس هواري بو مدين بأن هذا الإعلامي يمكن أن يكون ذا فائدة كبيرة للجزائر، وكنت، كمستشار مكلف بالإعلام على مستوى رئاسة الجمهورية،  أقوم بتنظيم لقاءات دورية له مع الرئيس ، تماما كما تم ذلك مع آخرين مثل جون دانيال ” نوفيل أوبزرفاتور”، وروبرت لامبوط “ليومانيتيه” وجورج مونتارون “الشهادة المسيحية” ، وبيير برنار “دار سندباد”، وكذلك صحفيون من التلفزة الفرنسية مثل جيرار سباغ، ومن المشارقة كان هناك لطفي الخولي وفؤاد مطر وأنيس منصور، كما نظمتُ عدة لقاءات للرئيس مع الأستاذ هيكل دامت عدة ساعات، كان الغريب أنه لم ينشر عنها حرفا واحدا، وقيل يومها أنه كان يخشى اندفاع البعض نحو عقد المقارنات.

ويكفي لتأكيد العلاقة التي نشأت بين بول والجزائر أن الرئيس قال له له في آخر لقاء له، والذي جاء إليه بالطا بالبرنوس: ليتك بقيت معنا لتعيش استكمال التجربة التنموية الجزائرية بعد إنشاء قمة الهرم التشريعي، أي المجلس الوطني الشعبي، والاستعداد لعقد مؤتمر الحزب الذي سيعرف إعادة تقييم الرجال والإنجازات،  وكان بالطا سعيدا بهذا التقدير ولم يُخفه عن زملائه في المركز الرئيسي، الذي كان قد اختار خليفة بول وهو الصحفي الفرنسي دانييل جنكا، الذي كان من المتيمين بالرئيس الجزائري الأسبق، أحمد بن بله.

ومن هنا مرت فترة كاد جنكا يحس خلالها بأنه غير مرغوب به في الجزائر، وكان عليّ أن أقنعه بأن وفاء الجزائر لبول بالطا هو موقف طبيعي تجاه من يحبونها، وأننا نتصرف بنفس الطريقة مع كل صديق تنتهي مدة عمله كمراسل إعلامي في بلادنا، وسيحدث هذا معه إن كان يحبنا.

والحديث عن بول يطول، ويكفي أنه، ومن قوة التزامه مع الجزائر، كان هناك من يسميه “محمد بالطا”،  لكنني أسجل له هنا وقفة رجولية ضحى فيها بالالتزام المهني لصالح  الرصيد الأخلاقي، عندما استجاب لطلبي في ألا ينشر شيئا عن قضية ماسكينو التي ورد فيها اسم المناضل الجزائري مسعود زقار، وهو مناضل جزائري كبير أساءت له الصحافة الكندية في قضية عائلية شائكة.

واستجاب بول لرجائي ولم يرسل حرفا واحدا إلى “لو موند” وانتظر حوالي ستة أيام، كان يهاتفني خلالها يوميا ليبلغني بأنه لم يتلق اتصالا من المعني بالأمر ليعرف القصة الحقيقية منه، وبأن إدارة الجريدة تضغط عليه ليكتب مراسلته.

وبعد نحو أسبوع اضطر بول إلى الالتزام بمتطلبات المهنة، وكتب سطورا استقى معظمها من الصحافة الكندية، وقال لي فيما بعد أنه تعرض للوم كبير لأنه اعتبر مُقصّرا، وكدت أفهم منه أن هذا هو سبب إنهاء مهمته في الجزائر.

رحم الله بول بالطا، وألهم زوجه السيدة كلودين رولو، شقيقة سفير فرنسا السابق في بيروت، الصبر والسلوان، ورزقنا بإعلاميين أجانب في نفس المستوى وبنفس الحب، وقبل ذلك، زاد من عدد الصحفيين الوطنيين الذين يفهمون معنى الوطنية.

Print Friendly, PDF & Email

7 تعليقات

  1. الأخ محمود الطحان
    أخشى أن أنسجم مع ما تصورته أنت من خشية هيكل اندفاع البعض للمقارنة بين الزعيمين ، قد تكون ، من الناحيةالاستراتيجية، لصالح الرئيس الجزائري …فأتهم بالانحياز، أنا أقول : كلاهما كان عظيما في إطار تجربته وممارساته ، وأضيف لهما الملك فيصل والرئيس بهوتو

  2. الدكتور عميمور يعيدنا الي زمن الرجال الرجال زمن العزه والكرامه والنخوه العربيه الاصيله وليس عصر الانحطاط الذي نعيشه بكل مآسيه ومصائبه “”” عبد الناصر وهواري بومدين رحمهم الله هم صفحه مضيئه في تاريخنا المعاصر لا اظن ان الزمن سيجود علينا بامثالهم “”مواقف هواري بومدين لا يمكن نسيانها تجاه العرب ومصر بالذات بعد النكسه وارساله معظم طائرات الجزائر الحربيه لمصر بعد ان تم تدمير سلاح الجو المصري بتلك الحرب الخاطفه وسفره الي موسكو غاضبا وطالبا من الاتحاد السوفياتي ارسال كل ماتحتاجه مصر من إعادة تسليح جيشها وارساله لواء من الجيش الجزائري البطل للمرابطه علي خط القناه “”” لا استطيع ذكر جزء بسيط من سيرة هذا الرجل العظيم بمواقفه
    سؤالي للدكتور محيي الدين عميمور لماذا تصرف هيكل بهذا الأسلوب وهو الذي كان ينشر كل لقاءاته مع أي زعيم عربي واجنبي ؟؟؟ كان الاجدر نشر مايقوله هذا الزعيم الكبير “” هل يندرج ذلك تحت حدوث مقاربه بينه وبين عبد الناصر !!ام انها كانت لمواقف مرتبطه بتغيير القياده في الجزائر وكان هناك نوع من التعاطف مع احمد بن بيلا ؟؟؟

  3. الأخ فوزي
    ما أقوله هو ما أشعر به فعلا، ووحدة المغرب العربي كانت أمل جيلنا والأجيال قبلنا، ولكن الوحدة لها ثمن، وهو التخلص من الاعتبارات الشوفينية، وهذا غير متوفر الآن
    الأخ تابوكار
    أعتز بمتابعتك ، وأمثالك هم من يشجعون المثقف على عدم الاستسلام للإحباط
    الأخ علي الحاج
    هناك أمران متناقضان، الأول هو أن الرئيس هواري بو مدين كان من العقبات أمام المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة، ولقد تناولت في بعض كتاباتي بعض التهديدات التي تلقيناها ، ولا يمكنني أن أقسم بأن وفاته كانت طبيعية.
    لكن الثابت لدي هو أن سقوط طائرة الفيتنام لم يكن لها أي دور في محاولات التخلص من الرئيس الجزائري، وهذه حدود علمي، وشكرا على كريم الاهتمام. وستقدم قناة النهار الجزائرية يوم 8 مارس القادم ملفا أرجو أن يشفي غليلك

  4. مقالات الأستاذ محي الدين عميمور دائما مهمة، تماما مثل أحاديثه وتدخلاته الإذاعية أو التلفزية، كما أن مؤلفاته العديدة تضم بين صفحاتها الكثير الكثير من حقائق الأيام، وحكمة الفكر، ولذلك فأنا وكلما وجدت كتابا أو مقالا أو حوارا إذاعيا أو لقاء تلفزيونيا مع الأستاذ محي الدين عميمور إلا وتابعته بإهتمام……..ثمة أمر واحد يحزنني في كتابات ومواقف الأستاذ، وهو يأسه شبه الكامل من مستقبل الوحدة المغاربية، وهو الرجل والسياسي والمفكر، الذي من المفروض أن يكون مصدرا قويا ونبعا متدفقا من الأمل للأجيال الصاعدة، فيما يخص وحدة المغرب العربي الكبير…….

  5. ____ ’’ إستراتيجية بومدين هي مجتمع الحرية و العدالة ز المساواة و التربية و التعليم و الصحة و الصناعة و الزراعة . سياسة من التحرير إلى التحرير . الجزائر كونت جيل نوعي رفيع الكفأة و المستوى ’’…/ لم أقرأ كتاب بول بالطة . لكن هذه كانت مقتطفات من كلامه عن الجزائر .

  6. الدكتور اعميمور من الرجال القلائل الذين حفظوا حقبة معينة عاشتها الجزائر فكانت له هذه الدقة فيما يروي من أحداث وقد واكبها بنفسه كان له أن يرويها للقراء كما هي وكما وقعت بالفعل، لاشك أنه لايبخل علي القراء بأحـداث أخري وهي كثيرة مــختلفــة متنوعة نرجوه أن يتفضل بالكشف عنها من بينها تفجير الطائرة الرئاسية بالفيتنام راح ضحية التفجير إعلاميون شبابا من خيرة ماجادت به الجامعة الجزائرية يوم كان للحرف قيمته وشأنه، ماهو مفترض شبه اليقيني أن الرئيس الراحل بومدين رحمه الله كان المستهدف الآول في هذا التفجير، كيف تمت المؤامرة ومن هم المدبرون والمخططون لها ملاحقة للرئيس ومحاولة يائسة للنيل منه وتصفيته جسديا قصد التخلص منه ن ومن أفكاره ؟؟ مع الأسف الشديد تاريخ بلادنا المعاصر منه علي وجه التخصيص مغيب في ذهن أبنائنا لايعرفون منه ولو النزر القليل إن كان التاريخ هو الحاضر وهو المستقبل وفق النظرية الخلدونية لوجه التاريخ وفائدته،

  7. ____ بارك الله فيك دكتور محيي الدين عميمور . لقد عدت بذاكرتنا إلى زمن الوطنية الجميل . إلى زمن كانت فيه الصحافة الورقية نور على نور . كنا طلبة نمر على الأكشاك و المكاتب و كانت أمامنا العناوين من كل حدب و صوب . العربية ، الفرنسية الإنكليزية . من مصر . لبنان . الكويت . السعودية . روسيا . باريس . لندن . و كل الأصقاع . رحم الله بول بالطا . مثل هؤلاء قد لا يعوض و أما ’’ خير خلف لخير سلف ’’ مبني على الشك .. و هذا الإعلام المتردي لا زال يتحسس طريق الجادة و الصواب .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here