وداعاً للتضامن العربي!

ali-abu-mrahael.jpg66

 

 

علي أبو مريحيل

لا يخفى على أحد أن التضامن العربي لم يتجاوز على مدار الثلاثة عقود الماضية حدود العواطف الإنشائية التي تقتصر على عقد المؤتمرات وتقديم المبادرات الإنهزامية التي كان آخرها مبادرة السلام التي قدمت في القمة العربية التي عقدت في العاصمة اللبنانية بيروت عام 2002، وهي القمة التي منع فيها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من إلقاء كلمة مسجّلة له حين كان محاصراً في مدينة رام الله من قبل قوات الإحتلال الإسرائيلي.

فقد كان القرار الشجاع الذي اتخذه وزراء النفط العرب بالإجماع، بحظر الصادرات النفظية إلى الولايات المتحدة الأمريكية في التاسع عشر من أكتوبر عام 1973، هو آخر قرار يحفظ للأمة العربية وجهها وحقها في الإستقلال والحرية، قبل أن تنحرف البوصلة من جديد، أو بالأحرى قبل أن تعود المياه إلى مجاري الذل والهوان والتخاذل!

فبعد الحرب التي شنتها كل من إسرائيل وفرنسا وبريطانيا على مصر عام 1956، وهي الحرب التي تعرف بالعدوان الثلاثي، أدركت اسرائيل أن العرب لن يعترفوا بها إلا بمنطق القوة وسياسة الردع التي تحتم عليها توجيه ضربات قوية لجيرانها العرب، وجاء ذلك على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غريون الذي قال:”يلزم اسرائيل عدة حروب ضد العرب كي تجبرهم على الإعتراف بها وبحقها في الوجود”.

لقد كانت هذه الجملة نقطة التحول في الصراع العربي الإسرائيلي، والمنعطف الأول في مسار التضامن العربي مع القضية الفلسطينية، ففي الخامس من حزيران عام 1967 قامت اسرائيل بتوجيه ضربة مفاجئة للعرب، فاحتلت سيناء والجولان بالإضافة إلى قطاع غزة والضفة الغربية، وكان الهدف من الحرب تجزئة الصراع مع العرب تمهيداً لدخولهم في مفاوضات قصيرة الأمد تفضي إلى تسويات ثنائية مع الأقطاب الثلاثة المجاورة (مصر، سوريا، الأردن)، وبالتالي ضمان تحويل الصراع القائم مع هذه الأقطاب من صراع وجودي أساسه دحر الاحتلال وعودة اللاجئين الفلسطينيين، إلى صراع حدودي لا علاقة له بالقضية الفلسطينية.

وهذا ما حدث فعلاً، فمع وقوع سيناء في قبضة المحتل الإسرائيلي، لم تعد القضية الفلسطينية هي القضية المركزية بالنسبة للمصر، وأصبحت قضيتها الأولى هي تحرير سيناء، بهذه الكيفية استطاعت اسرائيل أن تفكك الهوية القومية لمصر (الشقيقة الكبرى للعرب)، كما استطاعت أن تخرجها من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، وما حرب أكتوبر سوى دلالة واضحة على محدودية الهدف الذي وضعه الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي وجد نفسه مضطراً فيما بعد لتوقيع معاهدة سلام مع اسرائيل، كي يستعيد أرضه، فقام بالإعتراف باسرائيل مقابل استرجاع سيناء بشروط وإملاءات إسرائيلية!

في غضون ذلك استشعر العرب خطورة الموقف، فقامت كل من الجزائر وليبيا وسوريا والعراق ومنظمة التحرير الفلسطينية، بدعوة من الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، بتشكيل جبهة الصمود والتصدي، لإسقاط المخطط الإسرائيلي، وقد تمكنت الجبهة من أخذ الموافقة من جامعة الدول العربية على قرار ينص على طرد مصر من الجامعة ونقل مقرها من القاهرة إلى تونس، في ذلك اليوم، عنوت مجلة التايم الإمريكية على صدر صفحتها الأولى “وداعاً للتضامن العربي”!

في ذات السياق أيضاً وأثناء المفاوضات السرية الغير مباشرة بين سوريا وإسرائيل لم تتطرق سوريا للقضية الفلسطينية مطلقاً، وكان همها الأول استرجاع الجولان المحتل، كما قامت المملكة الأردنية بدورها بالتوقيع على إتفاقية سلام مع اسرائيل في السادس والعشرين من أكتوبر عام 1994، حيث تناولت المعاهدة النزاعات الحدودية بين البلدين، وبهذا نجحت اسرائيل وبجدارة في إدارة وتجزئة الصراع، فأصبح اللاجئ الفلسطيني ضيفاً ثقيل الظل على جيرانه العرب، وأصبح على سبيل المثال لا الحصر، فتح معبر رفح – البوابة الفاصلة بين مصر وقطاع غزة – منّة من السلطات المصرية، يتم إسداؤها وفق المزاج المصري الرسمي، كما أصبحت كافة القضايا المتعلقة بالقضية الفلسطينية مجرد عواطف ومشاعر ترتفع معدلاتها وتهبط وفق حرارة القصائد الشعرية، وكم الأخبار العاجلة على شاشتي العربية والجزيرة!

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. التضامن العربي يذكرني بالسبعينات وكريكاتير لمجلة الحوادث حول مؤتمر قمة عربي الصورة الامامية القاده متراصين كتف بكتف وابتسامات والصورة الخلفيه كل ايد حامله سلاح وتهدد الاخر.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here