وجيدة حافي: كرة القدم وتأثيراتها المختلفة على السياسات والدول.. الجزائر مثالا

 

 

حافي وجيدة

       يعود تاريخ كرة القدم الى أزيد من 2500 سنة قبل الميلاد، مارسها الصينيون القدامى كانوا يكافئون الفائز ويجلدون المنهزم،  اللعبة في شكلها الممارس ظهرت بإنجلترا، ومنذ ذلك الحين والجماهير عاشقة لها وتعتبرها الأفضل والأحسن، فمقارنة برياضات أخرى تحتل الصدارة  وفي البرامج الرياضية تأخذ الحيز الأكبر من الاهتمام، وشيئا فشيئا تطورت وأصبح لها اتحاد وأنشئت الفرق المحلية والوطنية، البطولات بمختلف أشكالها وصيغها حتى وصلنا الى اقامة بطولة كأس العالم كل أربع سنوات حيث يجتمع العالم كله في دولة ما ويتنافس على اللقب،  هذا دون نسيان كأس افريقيا كل سنتين والخاصة بالأفارقة.

مصر أم الدنيا تحتضن الطبعة الثانية والثلاثين بمشاركة 24 فريقا افريقيا منها خمس دول عربية، طبعة حسب المختصين والمتابعين ناجحة وميزتها أنها وحدت المشجعين العرب بعدما فرقتهم السياسة والسياسيون، ولأني لن أخوض في الجانب التحليلي للمباريات والفرق، وسأترك المجال للمحللين الرياضيين لكي يعلقوا  على الطريقة الفنية والتكتيكية لكل فريق مشارك، لكن على العموم المشاركة العربية كانت متوسطة وغير مشرفة، فالفريق المصري اقصاؤه كان مفاجئة وفاجعة للمصريين، فاخوتنا هناك كانوا يتمنون الفوز للفرح والزغاريد، وادخال شيئ جديد على حياتهم التي غلبها الروتين والملل، وغلاء الأسعار والمعيشة الصعبة، لكن القائد محمد صلاح ورفقاؤه خيبوا الأمال والظنون، ومرة أخرى ساهموا في حزن هذا الشعب المهموم أصلا، مصر هذا البلد الجميل والرائع الذي تحس بتاريخه العريق وأنت تتجول بين أهراماته، للأسف وقع في شباك الغدر والخيانة، توالت المصائب عليه لدرجة أن مواطنيه لم يعد باستطاعتهم الاحتجاج وقول لا  بسبب حكم العسكر المستبد، طبعا الكثير سيُكذب ويقول من أنت لتتكلمي عنا وعن حياتنا، لكن للأسف هذه هي الحقيقة المرة، وعروبتي هي التي تدفعني في كل مرة الى ذكر هذه الأشياء، وكما يقول المثل نحن في الهوى سوى ولا نختلف عن بعضنا البعض كثيرااا.

تونس الجارة فازت على مدغشقر بثلاثية  نظيفة لصفر،  فرياضيا المنتخب التونسي لم يلعب بطريقة باهرة وهو حامل اللقب في بلده سنة 2004 بالعكس كل مبارياته كانت صعبة صعد الى الدور السادس عشر رغم تعادله في كل المباريات مع أنغولا ومالي  وموريتانيا، أما سياسيا فتونس الخضراء تعاني من عدة مشاكل والأمر أنها جاءت وراء بعضها البعض، فبعد انفجار العاصمة  مرتين في السابع والعشرين من جوان الفارط في شارع ديغول وقرب السفارة الفرنسية، يأتي خبر نقل السبسي على وجه السرعة للمستشفى اثر تعرضه لوعكة صحية مفاجئة أخلطت الحسابات ودفعت بأصحاب القرار لاتخاذ اجراءات استعجالية في حال موته، فتونس كما نعرف بعد الثورة لم تنشئ مجلسا دستوريا يبث في مثل هكذا قضايا، المهم أن الفوز التونسي جاء في وقته ليُخفف من التوتر ولو لمدة قليلة، فالتوانسة ملوا وضجروا من الوعود الكاذبة والمعيشة الصعبة، الخوف الذي يعتريهم كل دقيقة، فالتونسي أصبح يخاف من الموت في حادث انفجاري وتجدهم حريصون كل الحرص في تنقلاتهم ومعاملاتهم، والقانون الجديد الذي طبقوه دليل قاطع على رهبتهم، فالسلطات التونسية قررت منع النقاب في المؤسسات العامة حفاظا على سلامة وأمن المواطن والمرافق، قرار لقي استهجانا وسخطا من عدة جهات وأحزاب اسلامية، لأنه سيضر بمصلحة العديد من المواطنين والسياحة التي هي أصلا في تدهور، وسيفتح  شهية السلفيين والمتشددين ليفتوا فتواهم للمرأة التي مازالت في نظر الكثيرين عورة لا يجب أن تُرى من طرف الأجانب، طبعا فتواهم قائمة على أحاديث للرسول الكريم ، مدى قوتها وضعفها.

  الله أعلم فقط الفقهاء ورجال الدين من يحق لهم مناقشة هذا الموضوع. المغرب الذي أُقصي كذلك لكن طعم الاقصاء لم يكن شديدا كالمصريين، ربما لأن المغاربة يعرفون أن منتخبهم ليس بالقوة الكبيرة ومازال يحتاج لكثير من العمل، المغاربة الذين لا تعرف لهم طريقا محددا، المخدرات وجرائم الاغتصاب في ارتفاع ، مشاركتهم في صفقة القرن، والمشاكل الأخرى التي يتخبط فيها أغلب العرب. أما منتخب بلادي ثعالب الصحراء والأفناك، الخضر الذين قدموا مباريات رائعة وفي القمة بشهادة كل المتتبعين والمناصرين، منتخب لم يتأهل للمربع الذهبي من سنة 2010، وهاهو أمام منتخب الفيلة ينجح في الصعود والوصول اليه، صحيح المهمة لم تكن سهلة أمام الخضر بسبب  تحايل التحكيم الذي صراحة لم يكن في المستوى، كثير من الأخطاء وتساهل مع لاعبي المنتخب الكوت ديفواري لدرجة كبيرة، فبرافوا لكل من ساهم في هذا الفوز الجميل الذي أبكانا وأخرجنا للشارع مرة أخرى لكن ليس للمطالبة برحيل فلان وعلان وانما للاحتفال ببونجاح وبن سبعيني وكل لاعبي المنتخب تحت قيادة المايسترو جمال بلماضي، هذا الأخير الذي  جاء في الوقت المناسب وغير موازين اللعب.

استطاع أن يفعل ما لم يفعله أسلافه وهو تلميذهم، صادق اللاعبين وأفهمهم أنهم كلهم سواسية ولا فرق بين محلي ومُغترب، وهذا ساهم كثيرا في تلاحمهم واتحادهم، بلدي كذلك لم يسلم من رياح الثورات التي مرت عليه مرور الكرام، وكلنا شعبا ومسؤولين نعمل لتنظيف القذارة التي خلفها النظام السابق وعصابته، دموع بونجاح البارحة كانت غالية وبرهنت أن حب الوطن ليس بالكلام والشعارات المزيفة الرنانة التي كنا نسمعها من أويحي وجماعته،  فألف وترليون مبرووك للجزائر وتونس فوزهما وبلوغهما النهائي، وان شاء الله تتوج بلدي بالكأس بعد غياب طويل جدا ونصنع الفرجة في جزائر المليون والنصف مليون شهيد، واذا حدث وكان نهائي افريقي عربي نقول من الان مبروووك للفائز والمثابر، فالمنافسة مستمرة ونيجيريا لن تكون لقمة سائغة لنا، لذا وجب العمل ووضع الأرجل فوق الأرض لبلوغ القمة، ومهما تكن نتائج المباريات القادمة نقول شكرااا للمنتخب ومدربه على هذه الروح القتالية، منتخب موريتانيا الاسلامية يشارك لأول مرة في كأس افريقيا  استطاع أن يوحد كل الموريتانيين بمختلف توجهاتهم واعتقاداتهم وأعراقهم، ويفعل ما عجزت عنه السياسة.

وفي الأخير نقول أن المنافسة الافريقية جاءت في وقتها لإدخال البهجة الى شعوب اشتاقت لها، نعرف أن هناك من بكى وذرف دموع الألم على خروج بلده، وهناك من فرح وقفز لتأهل منتخبه، لكنها في نهاية المطاف لعبة تنتهي بانتهاء الوقت المحدد لها،  وتبقى تأثيراتها كبيرة على الشعوب العربية على المستوى النفسي أكثر، فالمواطن العربي متألم داخليا ومحطم نفسيا، محاصر بصراعات وعادات تمنعه من التصريح بما يجول في داخله، الطغيان من طرف قادته وحكامه جعلاه يفضل الصبر والصمت، ولا يُخرج كل هذا الا في المظاهرات السلمية كما يحدث عندنا في الجزائر، فصبرنا عشرين سنة على السرقة والظلم جعل أحفاد المليون والنصف مليون شهيد يثورون على كل فاسد مستبد دون كلل وملل، أو أثناء فوز منتخباتهم الوطنية في مختلف المحافل الدولية، لكن  للأسف بعض أشباه الساسة تمكنوا من استغلال الفوز لصالحهم ولعبوا على عقول شعوبهم ليمكثوا  أكبر فترة على كرسي الرئاسة،  أين هم الان ذهبوا وما بقى الا الصح، فألف مبروك للمتأهلين وصاحب الكأس حتى ولو كان افريقيا والسلام عليكم.

كاتبة من الجزائر

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here