وجيدة حافي: الجزائر: مناظرة أم محاكمة

وجيدة حافي

اليوم يوم عطلة إستدعاني مديري على وجه السرعة لأوافيه في مكتبه،بسرعة البرق في غضون ساعة وصلت المكتب ودخلت لأجد رئيس التحرير هناك يبتسم ويدعوني للجلوس، لم أفهم شيئا فالبارحة فقط كنت من بين المهددين بالإيقاف والطرد، ماذا تغير الله أعلم؟ مباشرة بعد جلوسي رمقني المدير بنظرة فيها إبتسامة وطلب مني تحضير نفسي للمناظرة التي ستجمع الفرسان الخمس ببعضهم البعض ليلة الجمعة، أخبرني أنها فرصتي للترقية وبلوغ العُلى، فالسيد المدير وعدني بأشياء كثيرة إذا ما نجحت في الإختبار، بالفعل بدأت التحضير وإستعنت بخبرات الأصدقاء والصديقات المحنكين ذوي الخبرة في هذا المجال، وعرضت كل شيئ على رئيس تحريري الذي أُعجب بعملي وشكرني، جاء اليوم الموعود ودخلت الأستديو لأرى الخمسة وخمسة في عيون الحساد جالسين أمام بعضهم البعض يتجاذبون أطراف الحديث، سلمت عليهم وأعتليت مقعدي منتظرة المباشر.

رحبت بالمشاهدين والمشاهدات والضيوف الكرام ودون مقدمات توجهت للسادة بسؤال أربكهم وغير لون وجهوهم المُزينة بخداع المؤمنين، قلت لهم أن يُخبروني عن سر عودتهم للسباق الإنتخابي وهم المحسوبون على النظام السابق بسلبياته وإيجابيته، ورجاء لا تقولوا لي خدمة للوطن، فأنتم كنتم في هرم السلطة ولم تخدموه، بالعكس منكم من تهرب وهرب وألقى بالمسؤولية على غيره، ومن لم يستطع التخلي عن الدلال والعيشة الكريمة أبدع في النهب والسرقة على طريقته، وإستغل منصبه لأغراض أخرى، قبل أن أُضيف كلمة أخرى إذ بالمُخرج يصرخ فيا ويطلب مني الإنتقال إلى السؤال الثاني، طبعا كتمت غضبي وبإبتسامة مُزيفة طرحت عليهم سؤالا أخر يتعلق ب الوعود التي أطلقوها ووعدوا بها المواطن البسيط، هل ستكون حقيقية أم مجرد وهم، كلام وبس للوصول إلى سدرة المنتهى، خصوصا وأن إقتصادنا مبتور ومُنهك، فكيف يا سيد بن قرينة ستُخصص راتبا للمرأة الماكثة في البيت ونصف شبابنا المُثقف المُتخرج من الجامعة لا يعمل، كيف ستمحو يا سيد تبون قروض لونساج وهي بالملايير؟

وماذا عن الخبر السيئ الذي سمعته اليوم عن إستدعاء نجلك “تبون خالد” للتحقيق معه، مرة أخرى أسمع  كلاما من مُخرجي يدعوني إلى الإنتقال إلى أخرولكن هذه المرة دون تهكم وسخرية، إمتثلت لأوامره فهو قائد الأوركسترا والخروج عن رأيه يعني مشاكل ومشاكل، في لمح البصر سألت المرشحين عن الأفامي  وسياستهم المالية إذا ما وُفقوا وإعتلوا عرش المرادية، كيف ستكون وهل سنستدين من البنك الدولي ونرضخ لقراراته، هل سنتبع نفس النهج والسياسة أم سيكون هناك قانون مالي جديد، ماذا سيكتبون على صفحات الدستور الجديد ملكية باسم الديمقراطية أم ديمقراطية بحتة؟

ما هي مدة العهدات قصيرة أم طويلة ؟ لم يفهم السادة شيئا وفضلوا الصمت وتجنب التسرع، أما المشرفون على البرنامج فقد أخذوا فاصل إعلاني للملمة الأمور، دخل المدير ومعه المخرج لتهدئة الضيوف ولتوبيخي أمام الملأ على هته الأسئلة، لضمان سيرورة البرنامج بقي الفرسان الخمس لكي لا يُقال عنهم هربوا لكن بضمان واحد وهو تغيير الأسئلة الاستفزازية. عدنا والعود أحمد وواصلت أسئلتي في كامل مجالاتها وهذه المرة عرجت على الدعم الذي يعيش منه نصف الجزائريون، سألت ضيوفي إذا كانوا سيتخلون عنه أم سيواصلون نفس السيرة، أم سيقلدون أوروبا في دعمها للفقراء مع فارق إقتصادي ومالي كبير، فالتشبه بالأخر يتطلب منا أن نكون مثله أو أحسن ، إستفسرت عن شعورهم وهم يُحسون بالنبذ والكره، وهل هم مع سياسة التشبيب أم أنه مجرد حبر على ورق؟

حكومتنا ستعتمد على الشباب المُهمش أم الشياب ذوي الخبرة، قوانين الفترة السابقة هل ستكون نفسها أم سيُجرى عليها تعديل وخاصة قانون المحروقات والغاز الصخري؟ ما محل اللغة الأمازيغية من الإعراب في قاموسهم، هل ستكون الرسمية بعد اللغة الأم، أم أنه سيكون هناك إستفتاء حولها؟، ما هي وجهاتهم التجارية المُستقبلية، وهل ستكون فافا في أجنداتهم، وماذا عن الملفات الثورية وإعتراف فرنسا بجرائمها، كيف ستتعاملون مع الموضوع بجدية وندية أم تعتبرونه مجرد وسيلة للضغط على فافا ، ختمت بإبتسامة لكي أُعطي للضيوف الوقت الكافي للإجابة، لكن لأسف ليس كل مرة تسلم الجرة، فالمتنافسون على كرسي المُرادية إستشاطوا غضبا وغادروا القاعة رغم محاولات طاقم العمل تهدئتهم، أما أنا فقد تنفست الصعداء وحمدت الله على هذه الفرصة التي صحيح ستُكلفني الكثير وربما تقضي على عمري المهني في مهنة المتاعب، لكنها في نفس الوقت منحتني حيزا من الحرية لم أكن أحلم به طيلة مشواري، فأنا في نهاية المطاف بشر وعندي طاقة تحمل محدودة، مواطنة جزائرية تتعايش يوميا مع مشاكل هذا البلد، وشهدت على حراكه وتقلباته السياسية، وبينما أنا في نشوتي وفرحتي إذ بواحد من المرشحين يتوجه نحوي ويقول: “هل هذه مناظرة أم محاكمة ” فضحتينا وبهدلتينا الله يبهدلك ربي، كالعادة صمتت وتوجهت إلى القاعة المُجاورة لتغيير ملابسي والعودة للبيت، قبل أن يُفاجئني مديري بورقة طلاق من المؤسسة وبختم الوزير نفسه. نظرت إليه وضحكت حتى الثمالة وإنسحبت من المكان بهدوء وكأن شيئا لم يحدث، فأنا لم أقم إلا بالواجب وما يُمليه عليا ضميري إتجاه وطني وشعبي، فلوكنا صُرحاء من الأول وكان هناك جسر يربط المواطن بالدولة والعكس صحيح لما وصلنا إلى كل هذا. إستيقظت من نومي لأجد كل أفراد أسرتي حولي وهم مُتعجبون من كل ما قُلته وفعلته طيلة فترة النوم، سألوني عن معنى مناظرة أو محاكمة وماذا كنت أقصد بها، ضحكت وتكورت في فراشي منتظرة الجمعة ولقاء الفرسان.

كاتبة من الجزائر

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. أسلوب جميل واستعراض مشوق وتعبيرات طريفة ( ضحكت حتى الثمالة، والثمالة هي بقايا الكأس فيما أعرف) ولكن، ما هي علاقته بالتحليل السياسي لعملية بالغة الخطورة تعيشها البلاد

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here