والدي وذكرى الكرامة: بعد خمسين عاما على الانتصار.. هل اخطأ الخيار؟

د. محمد تركي بني سلامة

اكتب اليوم مقالا ضد رغبتي فقد جال في خاطري كثيرا، وترددت في كتابته لسنوات طويلة، وأنا أتساءل هل يكتب المرء لنفسه أو عن نفسه أو ذويه؟ ولكن هل تمر الكرامة دون أدنى التفات او توقف ؟

نحتفي هذه الأيام بالذكرى الخمسين لمعركة الكرامة، وهي ذكرى عزيزة على الشعب الأردني ، خصوصا وعلى الشعوب العربية عموما، وبالنسبة لنا فهي موعد وطني لاستذكار نضالات وتضحيات الجيش العربي والشعب الأردني، والمناسبات الوطنية الخالدة هي محطات في ذاكرة الشعوب الحية، تستلهم منها الدروس والعبر، وتراجع المسيرة والمواقف، فتعظم الانجاز وتصلح ما اعوج من أمرها، وتجعلها منارة تهتدي بها وهي تتطلع إلى المستقبل بثقة وروية.

قد يكون سرا اكشفه للكثيرين،  فأقول أن والدي السيد تركي محمد لافي بني سلامة الذي  يحمل الرقم العسكرس (71154) قد غيب لخمسين عاما، فهو احد جنود معركة الكرامة، وقد جرح فيها، وكرم وقتها بميدالية معركة الكرامة، وقبلها  كان قد حارب على أسوار القدس الغالية وفي باب الواد ، وتعرض والدي للأسر بعد معركة 1967 ، فغالية افراد كتيبة الحسين التي كانت تدافع عن القدس استشهدوا ووالدي أنقذته العناية الإلهية ، وسار من القدس الى نهر الاردن وكانت رحلته مليئة بالمشقة والأخطار أمل أن تتاح له الفرصة ليرويها للمهتمين في قادم الأيام   . وربما يكون والدي اطال الله في عمره من الإحياء الذين لا يزيد عن عدد أصابع اليدين  ممن شاركوا في حرب عام 1967. استأنف والدي بعد 1967 عمله في القوات المسلحة الأردنية حتى أحيل إلى  التقاعد بناء على طلبة في نهاية السبعينات.

 وفي مثل هذه الأيام من كل عام يراقب والدي ما تبثه وسائل الإعلام عن معركة الكرامة أو عن حرب 1967 واسمعه يصوب الأخطاء ويستغرب من بعض ما يسمع، فهو شاهد عيان يعرف أدق التفاصيل بشخوصها وأحداثها، فقد كان هناك في الزمان والمكان، وذاكراته لا تزال قوية نشطة. لقد حارب والدي يهود الخارج على ارض فلسطين وفي ارض الكرامة، وحمل الوطن على أكتافه رسالته في البناء والنضال والتحرر، إيمانا منه بان هذا الوطن لن ترفرف في سمائه إلا رايات العروبة والحرية والتقدم.

ومن منطلق حب الأردن والانتماء إليه والدفاع عن مصالح شعبه، فأننا تستأنف مسيرة الآباء والأجداد ، ونحارب يهود الداخل، فنحن لم نبدل الولاءات ، ولن نتنكر لتضحيات الآباء الأجداد ، ونسير على دربهم في حب الوطن الإيمان بوجوده وهويته ، والانتساب لمجتمعه، والإيمان بمشاعر القومية العربية الأصيلة،  والعداء لإسرائيل.

ونتيجة للمواقف التي اتخذناها ضد اليهود  في الداخل والخارج، ضد الفساد وضد نهج التبعية والإفقار للبلاد والعباد، وبالطبع ضد المعاهدة الأردنية الإسرائيلية عام 1994، فإننا ندفع الثمن بالتضييق والحرمان والتهميش.

إننا اليوم الطرف الأضعف في المعادلة، فالنخبة الحاكمة في البلاد لم تعد ترى إسرائيل عدو، ولم يعد والدي وأبنائه الجدار الداخلي الصلب الذي استند إليه النظام في كثير من الأيام في الماضي،  أن أجندتنا مختلفة عن أجندات من نعتقد أنهم أعداء الشعب والنظام والوطن،  من أصحاب الدكاكين وأشباه المثقفين الباحثين عن المكاسب والامتيازات والدنانير والدولارات ، فنحن في واد،  وهم  في واد آخر، والهم الوطني عندنا مقدم على كافة الاعتبارات.

نعم هناك تحالف مشبوه و شبه معلن بين يهود الداخل ويهود الخارج، فهم شركاء في المصالح والامتيازات وينهبون ثروات هائلة، فيما الغالبية الساحقة من أبناء شعبنا تدفع ثمن باهض ، وهو الحال الذي نحن عليه اليوم ولا يحتاج لشرح او تفسير.

وفي ذكرى أيام الانتصار، وبعد خمسين عاما أتساءل هل أدى والدي مهامه كما ينبغي أم انه أخطاء تصويب البندقية؟ ونحن من بعده ، هل تاهت بنا  الخطى وضللنا الطريق ، وان علينا أن نمحى ذاكرتنا ونقول وداعا للكرامة والقدس والحلم الوطني ؟ هل من صحوة ضمير ونهاية لهذا النكران المؤلم وعدم الاعتراف واللاقبول؟ أم ان ذلك كثير وأننا نطلب المستحيل؟

Print Friendly, PDF & Email

10 تعليقات

  1. مقاله رائعه
    لك مني كل الشكر والامتنان.
    والدي رحمه الله رقمه ١١٩١٥
    من الخليل
    من النكسه إلى الكرامه وحرب تشرين…
    من الحرس الوطني للواء حطين إلى اللاسلكي الملكي فرقه الدروع الثالثه.
    حماك الله يا أردن وشعب الاردن
    ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ا مواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون.

  2. ياسيدي واجلنا دون ان ننتظر مكاسب او مناصب ان نحافظ على بلادنا زحماية اعراضنا .. كل اباءنا في الاردن قدموا تضحيات .. ورحم اااه شهداء الاىدن .. انا اردني لا انتظر مكاسب

  3. بداية نشكر صحيفة راي اليوم المنبر القومي العربي الاصيل الذي ينشر ما يعبر عن ضمير المواطن العربي والشكر موصول للقامة الوطنية الكبيرة الدكتور محمد تركي بني سلامة الذي يتحفنا دوما بمقالات هادفة تعبر عن نبض المواطن بارك اه فيك ومتعك بموفور الصحة وطول العمر

  4. رحم الله شهدائنا في معركه الكرامه وتحيه اجلال لكل شارك وساهم فيها ويسلم ثمك يا دكتور ع كلام رائع وجميل وحسبنا الله ونعم الوكيل باليهود الداخل
    راحوا الرجال اللذين روو تراب الوطن راحوا وهلا طلعوا أشباه الرجال اصحاب الجعجعهه والوطنيه الفاضيه

    وبالختام ربي يحفظ هالبلد
    ويحفظ الرجال الرجال شرواك

  5. مقال يحمل في طياته الكثير من الرجل الوطني الكبير الدكتور محمد بني سلامه، لقد جسدت الواقع الأردني في هذه الكلمات والسطور فكثير من الأردنيون زرعوا ولم يحصدوا والقليل لم يزرع لكنه حصد أموال الشعب وثروات البلاد والعباد فنحن اليوم في حال لا نحسد عليه، أما بالنسبة لوالدكم فهو رمز من رموز العزة والكرامه فهو وغيره الكثير من الأردنيين قدموا لوطنهم كل ما يملكون لكن وللأسف لم يلقوا اي اهتمام من النظام السياسي الذي عمل على طمس سيرة ومسيرة رموز وطنية أمثال والدكم كان الباعث من ذلك هو تدمير الهوية الأردنية والقضاء عليها… أيها الكاتب والباحث والمحلل السياسي انت سليل أسرة وطنية مخلصة أحبت الأردن والعروبة فقدمت الكثير وما زالت تقدم… نضرع للعلي القدير أن يمد في عمر والدكم وان يمتعه بموفور الصحة والعافية انه سميع مجيب الدعاء❤?

  6. بداية اطال الله في عمر والدك وأكثر الله من امثاله لانه اذا رحل ذاك الجيل ربما نبقى بلا كرامه…
    انا استغرب ان الذين حفرو لنا الكرامه وسطروها في التاريخ الاردني لا يحسب لهم اية حساب بل لم يحافضو من بعدهم على هذه الكرامة فقد كانت أماكن بيع الكرامه منتشرة في أرجاء الوطن في وادي عربه في عمان وفي شتى ارجاء الوطن
    عن اية كرامة نتحدث!!
    نحن الان نرتكز على رائحة الرجال الرجال الذين دافعو وناظلو عن الوطن وفلسطين دون اي اعتبار
    وتحياتي الحارة لك دكتور محمد على هذه الكلمات الرائعه المعبره

  7. تحية اجلال وإكبار للسيد تركي بني سلامه ولكل الابطال اللذين شاركو في معركة الكرامه والذين سطروا فيها اروع التضحيات وسالت دمائهم الطاهره لتروي تراب فلسطين الابيه
    رحم الله شهدائنا واطال الله في عمر الباقين ويجب ان يكون هناك لفته كريمه من قيادة القوات المسلحه وتواصل مع البواسل اللذين نسجوا للاردن مجدآ في معركة الكرامه

  8. الله يطول بعمره و رحم الله شهداء معركة الكرامة من الاردنيين وجميع الشهداء في سبيل تحرير القدس من العرب والفلسطينيين
    ولا نقول تعليقا عن الجزء الأخير في المنشور
    الا ما يرضي الله لا حول ولا قوة الا بالله العظيم
    دكتور محمد بني سلامة كفاك فخرا ان الوالد كان من المحاربين القداما في اخر معركة من اجل الشرف واستعادة الكرامة . ولا يتحمل ادنى مسؤولية عن انحياد من بعده عن الهدف الاساسي لقضية
    (الشرف و الكرامة)
    اذا غيب و من معه عن سرد وقائع المعركة وما قبلها وما بعدها
    فهذه هي خصال بعض ( العرب ) يتكلم عن الشرف من ليس عنده شرف وعن الكرامة من لا كرامة له

  9. لا فض فوك يا كتور ولكن والدك كما هم الكثير من الجنود الاردنيين صوب البندقية وفق ما املاه عليه ضميره

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here