واشنطن تغتال سليماني والعرب سيدفعون الثمن

إبراهيم أبراش

منذ أن رجع آية الله الخميني إلى إيران قادماً من فرنسا محمولاً على الأكتاف من ملايين المواطنين الإيرانيين بدون أن تحاول واشنطن حماية حليفها الاستراتيجي الشاه محمد رضا بهلوي ،ثارت الشكوك حول الثورة الإيرانية وأهدافها وخصوصاً بعد أن رفع الخميني فكرة تصدير الثورة إلى دول الجوار  ،وهي مرحلة تباينت المواقف والرؤى في تحليلها ،فبعض الأنظمة العربية تعاملت مع الثورة الإيرانية كحليف وصديق للعرب وبعضها الآخر وخصوصاً العراق ودول الخليج انتابتها الشكوك بل نظرت للثورة الإيرانية كخطر يهددها بل ويهدد (المشروع القومي العربي) واستقرار الدولة الوطنية ووحدة نسيجها الاجتماعي .

حتى الشعارات التي رفعها قادة الثورة الإيرانية حول معاداة الامبريالية الأمريكية (الشيطان الأكبر) وإسرائيل وتحويل السفارة الإسرائيلية في طهران إلى سفارة لفلسطين ثم احتلال السفارة الأمريكية ولاحقاً دعم حركات المقاومة في لبنان وفلسطين الخ ،كل ذلك لم يُقنِع كثيرين من العرب وخصوصاً القوميين وبعض الخليجيين بصدق نوايا قادة إيران الجُدد ،وفي واقع الأمر ،كما وظفت إيران الشعارات حول الإسلام والقدس ومعاداة إسرائيل وواشنطن لخدمه مصالحها القومية ،فإن أغلب الأنظمة العربية التي ناصبت إيران العداء وظفت قضية العروبة والمشروع القومي وحماية الدولة الوطنية لتحافظ على كراسي الحكم والحفاظ على مصالحها .

كانت دول الجوار ،التي بها أعداد كبيرة من المواطنين الشيعة ،أكثر الأنظمة العربية قلقاً من الثورة الإيرانية وخصوصاً بعد أن لوَّح قادة الثورة بتصدير الثورة وتحدثوا عن المظلومية الواقعة على الشيعة العرب .وكان من الطبيعي والمنطقي أن يكون الشيعة العرب الأكثر سعادة بالثورة الإيرانية وأن تبرز بوادر تفكك في رابطة الانتماء والولاء ،من الانتماء للدولة الوطنية أو للأحزاب العقائدية القومية أو الأممية إلى انتماء وولاء للمذهب الشيعي ولمرجعيته السياسية في إيران ،وهذا ما اعتبرته العراق ودول الخليج تهديداً مباشراً يستدعي مواجهته قبل أن يتعاظم خطره .

كانت حرب الخليج الأولى التي استمرت لثمان سنوات (من سبتمبر 1980 إلى أغسطس 1988 ) وأدت لمقتل حوالي مليون شخص وخسائر مادية تقدر 400 مليار دولار أول مواجهة مسلحة مباشرة بين الثورة الإيرانية ومعسكر عربي قاتل تحت عنوان قومي عربي سني بقيادة عراق صدام حسين ،وفي هذه الحرب اصطفت دول الخليج العربي إلى جانب صدام حسين ودعمته بالمال والسلاح وكان موقف واشنطن والغرب عموماً داعماً بطريقة غير مباشرة للاصطفاف العربي المؤقت الذي لم يستمر طويلاً ،حيث انقلبت دول الخليج على صدام حسين بعد احتلال الأخير للكويت ،وكان موقف دول الخليج في الحرب الأمريكية على العراق أكثر سوءاً من موقف إيران  .

بغض النظر عن صحة الأقاويل بأن إيران تريد نشر المذهب الشيعي في المنطقة ولها أطماع في دول الجوار وخصوصاً العراق والبحرين والسعودية ،فإن الثورة الإيرانية أحيت بقصد أو بدون قصد النزاعات والحروب المذهبية ،كما شجعت الشيعة على التمرد على السلطة القائمة مطالبين إما بحقهم في السلطة والحكم لأنهم يمثلون الأغلبية كما هو الأمر في العراق والبحرين ،أو لحقوق مساوية لمواطنيهم السنة ،كما أن الثورة الإيرانية وظفت الشعارات التي رفعتها حول معاداة إسرائيل والولايات المتحدة لكسب مزيد من الأنصار والمؤيدين في أكثر من بلد عربي وإسلامي بل وساعدت بالسلاح جماعات مقاومة في فلسطين ولبنان وأفغانستان والعراق واليمن ،وفي كثير من الحالات كان يتم توظيف هذه المساعدات والدعم العسكري ليس لمواجهة عدو خارجي بل لمواجهة السلطة القائمة والحلول محلها .

هذا الموقف الملتبس للسياسة الإيرانية تجاه الدول العربية أثار ،كما سبقت الإشارة ،شكوكاً فيما إن كانت إيران صديقاً للعرب أم عدواً لهم ، وخصوصاً أن كثيرا من سياساتها كانت تتقاطع مع السياسة الأمريكية بل وتخدم هذه السياسية ولو بطريقة غير مباشرة .

مثلاً موقف إيران أثناء حرب الخليج الثانية ثم احتلال العراق 2003 ،ففي هذه الحرب كان الخاسر الأكبر الدولة الوطنية العراقية الواحدة والموحدة بينما كان الربح صافياً لإيران وواشنطن وإسرائيل . كذا الأمر في الحروب الأهلية في سوريا والعراق واليمن ،فهذه الحروب عززت من حضور إيران في هذه الدول مقابل إضعاف الدولة الوطنية بهويتها العربية ،كما أنها استدعت تواجد عسكري أمريكي وتركي وروسي فيه انتهاك لسيادة هذه الدول ،بالإضافة إلى استغلال واشنطن ما تعتبره الخطر الإيراني لاستنزاف الموارد المالية لدول الخليج بشكل فج ووقح .

ويمكن القول بأن شكلاً من توازن المصالح أو تقاطعها كان يحكم العلاقة بين إيران والغرب وعلى رأسه واشنطن .أحياناً يكون توافقاً ضمنياً في بعض القضايا مثل ،عدم المس بأمن إسرائيل بشكل مباشر وعدم الاستهداف المباشر للقواعد الامريكية في المنطقة وعبر البحار والقبول بحروب محدودة بالوكالة ،وحيناً آخر يتم التصعيد لدرجة حافة الهاوية كما جرى بالنسبة للملف النووي أو المواجهات البحرية والمواجهات في سوريا ،والملاحظ أن كل هذه المواجهات كانت تجري خارج حدود الدولة الإيرانية وخارج حدود الولايات المتحدة وقواعدها المنتشرة عبر العالم ،وفيها كان العرب والمشروع القومي العربي الخاسر الأكبر .

إقدام طائرات حربية أمريكية صباح يوم أمس الثالث من يناير  على اغتيال الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني قد يكون نهاية مرحلة ملتبسة في العلاقات يبن الطرفين منذ الثورة الإيرانية الخمينية في فبراير 1979 ،وقد تؤدي إلى الانزلاق من حالة (حافة الهاوية) إلى الحرب إن ردت إيران عسكرياً ومست بأرواح جنود أمريكيين ،وإن كنا نعتقد أن الأمور لن تصل لحالة حرب مباشرة ومفتوحة لأن المصالح الاستراتيجية المشتركة غير المعلنة بينهما أكبر من نقاط الخلاف الظاهرة ،وبغض النظر عن طبيعة وحدود الرد الإيراني والرد الأمريكي المقابل فإن العرب وخصوصاً دول الخليج ستكون الخاسر الأكبر ،وقد يتم تهدئة الأوضاع وحل قضايا الخلاف على حساب العرب ،من أموالهم وأراضيهم .

Ibrahemibrach1@gmail.com

كاتب ووزير فلسطيني سابق

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. اكيد لازم يدفعوا الثمن لانهم متآمرين مع الامريكان والاسرائيليين، وبلادهم منصة ووكر للامريكان للاعتداء على بقية الشعوب… ممالكهم مملوكة للامريكان وما هم الا نواطير عند الامريكان…امة الذل…

  2. عندما خرجت الدولة التريكة من البلاد العربية خلفت وراءها فراغا رهيبا في كل مجالات الحياة الجهل والتخلف والضعف وغياب الوعي ووحدة الوجدان الاجتماعي سهل على أعداء العرب والمسلمين التاريخيين في ملء هذا الفراغ . جزء المستعمر الصهيوصليبي البلاد ورسم الحدود وفق مصالحه ونصب على الناس أراذلهم كحكام تحكمهم . من اركان استراتيجية العدو محاربة أي ظاهرة نهضوية تقدمية ووأدها في مهدها والتاريخ الحديث مليء بالأمثلة . آخر حركة تمرد على الظلم والاستعباد كانت خلال الثورة الإسلامية في ايران . بدون تلكؤ وتباطؤ انبرت أبواق الصهيوصليبية وعملاؤها بالنعيق لشيطنة الثورة الإسلامية . ارتفع النهيق بالتحذير من الخطر الإيراني … وغسلت الأدمغة وبثت سموم النعرات الطائفية تحقيقا لغايات ومصالح الصهيوصليبيين . نعم هناك خطر إيراني .. لكن من واجبنا أن نسأل على من .. الجواب الصحيح الخطر الإيراني يهدد عروش ومناصب الأنظمة العميلة المأجورة التي تستعبد الشعوب لصالح ساداتها المستعمرين . لهذا شرع سيدهم بمجابهة الثورة الإسلامية لأن مصالحه تنهار بزوال عملائه ومأجوريه الذين يحرص على حماية عروشهم وسلطانهم . لقد خافوا على انفسهم ان يكون مصيرهم كمصير حليفهم الشاه محمد رضا البهلوي . الخطر الإيراني ما هو سوى خطر الإسلام على الظالمين المتجبرين الطغاة الأشرار

  3. مع الاسف انت فلسطيني ولكن كتبوا عنك وزير سابق فاكيد كنت وزير عند فتح وليس حماس ولكن دعني مع من انت وتعال نحكي بما قلته .
    الثورة الايرانية كانت ضد الشاه والشاه كان صديق امريكا واسرائيل وكان سيد الكيانات العربية بالخليج وكان شيعيا على فكرة ولكنه كان صديق اسرائيل . اتى السيد الخميني وهو شيعي ايضا لكنه قال الموت لامريكا ولاسرائيل فجأة تغير الحكام العرب واصبحت القضية فرس وعرب واطلقوا صدام بقادسيته ومولوه ونتوقف هنا لحظة اوك كيانات الخليج كان عدها مشكلة مع الخميني فما كانت مشكلتهم مع جمال عبد الناصر سوى انه ايضا عادى اسرائيل ? اوك جمال بعد مو على المرام ما مشكلتهم بحماس? سوى انها عادت اسرائيل ورفعت السلاح بينما فتح سلمت بالعشرة ? اوك حماس بعد اخوان ومو على المرام طيب الخلايجة اعطونا بديل? كم جندي سعود استشهد على حدود فلسطين? او اي من كيانات الخليج ? انا اقولك لاني اعرف الاحصائات حسب ذاكرتي .big 0 . المهم نكمل مشروع ايران الفارسي وين لقيته بالضبط كي نحذر منه ? يعني بقنواتهم العربية لو بمسابقات القران الي يستضيفون فيها كل دول العالم . اوك يقولك لا المد الشيعي اوك بالله ادخلي باي مسجد سني وطلعلي الكتب الشيعية المغرقة دولكم او الشيوخ والمبلغين الشيعة الي اكتسحوا دولكم .
    اتيت على سيرة البحرين واليمن والعراق . اخي اليمن ايران طلبت من السعودية هجموا عليهم وقصفوهم من اجل ان ندعمهم ? البحرين ايران طلبت من السعودية ارسلوا اليها جيشكم لتقمعوا مضاهراتهم? البحرين ٨٥ بالمية شيعة وهم مهمشين طلعوا طالبوا بحقوقهم . لا لا هذول جماعة ايران . انت مقتنع بالي تقولة ? اكيد انت تبغض ايران وهذا ليس بيدك ولو ولعتلك ايران اصابعها العشر شمع . ايران لما يحاربها الغرب وامريكا ? لان عندها مشروع فارسي او شيعي? لا امريكا نفسها الي تتهم ايران بمليون تهمة لم تكن منها هذه التهم . طيب تقول لا ايران وامريكا متفقين اوك متفقين اذا لما دويلات الخليج تدعم امريكا لو كانت امريكا متفقه مع ايران ?طيب امريكا الداعم الاول لاسرائيل بالعلن وهم يصرخوا ليل نهار احنا مع اسرائيل ومع ذلك ربعك لسى يركضو وراها ويقدموا لها المال والدعاية والارض يا اخي عاملو ايران مثل ما تعاملو امريكا دامهم متفقين .
    ايران سبب عداء امريكا لها هو دعمها للفلسطينيين وحربها لداعش فقط وايران تدفع ثمن وقوفها معنا ومعكم وانت تتشمت بها وتقول متفقين مع امريكا !!!! انا كعربي اخجل من منطقك واتبرأ من كل كلمة بمقالك وانت تمثل اعلام السعودية ومن دار في فلكها ولا تمثل الفلسطينيين
    ولكنك لست اول من يشتم ايران ويتهمها ولن تكون الاخير لكن الحق واضح كوضوح الشمس والي بعز الظهر ويريد اثبات على وجود الشمس اعتقد تضيع وقتك معه ولا فائدة لاقناعه

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here