هيفاء اسعد: خصوصية فلسطين.. ورفاهية التكنولوجيا في زمن الكورونا

 

هيفاء اسعد

في ذاكرتنا البعيدة والقريبة، في أيامنا الحاضرة وحياتنا الآنية، لم تزل لنا خصوصيتنا نحن كشعب فلسطيني في معاناته وعلاقته مع كل حدث في هذا الكون. فمن ناحية نشارك العالم حصته من اثار فايروس كورونا.. كوباء.. ولكن نحن لدينا وباء آخر لطالما كان وما زال أخطر علينا من كورونا ومن  كل فايروسات الدنيا…فوباءنا الذي عانينا منه كفلسطينيين، والذي لم تنجو من اثاره المنطقة العربية بكاملها على مدار عشرات السنين، هذا الوباء لا زال يمارس انتهاكه لكل حقوقنا وانسانيتنا بفرض الحصار واجتياح المدن والاعتقال وفرض السجن على آلاف الأسرى من ابنائنا متجاهلا حقهم في الحماية وتوفير البيئة الصحية في ظل انتشار الكرونا. ولم يزل يستغل حاجة عمالنا للعمل والى لقمة العيش، والتي دفعتهم لقبول شروطه كاحتلال للبقاء بعيدا عن منازلهم في ظروف سكن ومعيشه متدنية داخل حدود دولته طوال فترة الاغلاق والعزل، والتي تم تطبيقها ما بين دولة الاحتلال وما بين مناطق السلطة الفلسطينية بفعل الكورونا.. وها هم العمال الفلسطينيون يتركون لمصيرهم داخل حدودها للعمل بدون أية حقوق حماية ولا وقاية. فلا سكنهم ولا شروط العمل تضمن لهم عدم الإصابة بالفايروس او اي مرض اخر.. وتحمل كل من تشك بإصابته ولو بنزلة برد وتلقي بهم على الحواجز على مداخل المناطق الفلسطينية، متخليةً عن كل ما طرحته الإنسانية والمواثيق الدولية من حقوق وقوانين تحملها المسؤولية في حمايتهم وتوفير العلاج لهم، ليس فقط كعاملين في ورشاتهم ومصانعهم، بل أيضا كمتضررين من الوباء والكارثة الكونيه خلال تواجدهم ضمن حدود سيطرتها. وهي بفعلتها هذه لا تتركهم لمصير مجهول دون علاج فحسب، وانما تعيدهم لمناطق دون تنسيق او إشعار للسلطة الفلسطينية غير آبهة بنقل الوباء ونشره في مناطق السلطة الفلسطينية، والتي تعاني ما تعانيه من نقص في الإمكانيات الصحية، والذي أصلا حصل بفعل الاحتلال ومجهوده على مدار سنوات من التدمير التاريخي والمتواصل والذي لا ينتهي.

ففي فلسطين كل شيء مختلف، لا الحجر ولا منع التجول ولا الحصار ولا عزل المناطق ولا كل المسميات التي يعيشها العالم حاليا، يشبه لا من قريب ولا من بعيد، ما يتواجد في الذاكرة الفلسطينية من سنوات الاحتلال الطويلة، والذي ما زال يعربد من حولنا ويفرض بعضها على واقعنا وتفاصيل حياتنا…فقد عايشنا الحجر والعزل ومنع التجول وامور عديده أخرى، وها هو التاريخ يعيدها للعالم ولكن بصور ومعاناة تختلف. فالأجيال في فلسطين على تعاقبها عايشت وما زالت تعيش العنصرية الاحتلالية لإسرائيل وتشوهاتها وفقدانها لأدنى الأسس في التعامل مع الفلسطينيين ضمن مقاييس الحضارة الإنسانية والأطر القانونية والحقوقية. فما بين سنوات أواخر الستينيات من القرن المنصرم وحتى البدايات لسنوات القرن الحالي، تمرسنا نحن الفلسطينيون، مرغمين، على كل المصطلحات المتداولة عالميا بسبب وباء كورونا، ولكن بوباء آخر… اسمه اسرائيل. فذاكرتنا من سنوات الطفولة والصبا والشباب وبكل مراحل العمر، عامره بكل التدابير التي يتخذها العالم الآن لمقاومة الجائحة الكورونيه والتي ترهب وتهز كل مكوناته الى تشكيلة لن نعرف ملامحها الا عند نهاية الازمه..

 فالحصار والاحتلال على الفلسطينيين في (دولة فلسطين) * والذي يزيد على الخمسين عاماً، لم يمر على الشعب الفلسطيني مرور الكرام…فإلى جانب الاختبارات لكل انواع الفقدان، الموثق منه والغير الموثق، للإنسان والأرض والبيت والهوية، اختبرنا نحن في فلسطين (ولا زلنا) كيف يكون الحرمان من كل حقوقنا الإنسانية بانتهاك وبعنصريه وبدون اي اعتبار لا لمواصفات دوليه ولا حقوقية لكل ملامح الحياه. ففي غياب الفضائيات والإنترنت والمقاييس وعلى مدار عشرات السنين مُورست علينا كل المصطلحات والاجراءات المتداولة حاليا، سواء في السجون الفعلية المغلقة او في حصارنا الطويل، في تجمع سكننا في المخيمات والقرى والمدن أو حتى داخل بيوتنا. فالحجر والعزل ومنع التجول وحظر التجول وإغلاق المناطق والحصار، كلها كانت معنا وجزء من يومياتنا ويوميات اطفالنا، كبرنا عليها وتمرسنا على تفاصيلها بأقسى الوسائل وبأقل الإمكانيات. فشتان ما بين ما يحصل عليه مريض الكورونا في يومنا هذا في العزل، وما بين ظروف الآسير الذي تسوء حالته في أقبية التحقيق والذي ينقل بآخر رمق للمستشفى ليعزل وليستكمل معه التحقيق دون رحمه ولا مراعاة لأي مواثيق حقوقيه أو لحالته الصحيه. أو ما بين المحجور المشكوك بإصابته بكورونا، وما بين سجين الزنزانة الذي يحجر في سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث لا مواصفات صحية، لا لأرضيه ولا لطعام ولا لسرير ولا حتى لوسيله صحية للتخلص من فضلاته. وكذلك الأمر في الحجر الفردي في البيوت او في القرية او المخيم، والتي عرفت بالإقامة الجبرية، تبدأ بستة أشهر وقد تمتد إلى بضع لسنوات.

أما في حجر وعزل القرى والمخيمات وفصل المناطق ومنع التجول في فلسطين، فأبدا لم يكن شبيهاً بالمتداول حالياً. فإذا كنّا نلتزم بيوتنا مرغمين التزاماً بأوامر الاحتلال العسكري، ما كان ذلك يعفينا من مداهماتهم لبيوتنا والتكسير والتنكيل والاعتقال والانتهاك لكل حقوقنا وحرياتنا الشخصية والقانونية، وتفريغ نهاراتنا من الهدوء وليلنا من النوم بالقصف احيانا او بكل ما استطاعوا اليه سبيلا من وسائل ازعاج.

في تجاربنا وتمرسنا نحن الفلسطينيون للحجر ولتقطيع وصال المناطق عن بعضها لم يكن بالإمكان اختراق الأوامر العسكرية، فكل مخترق لا بد ان يصيبه شيء من وباء الاحتلال، قتل او جرح او ابسط الامور الاعتقال والسجن. وحتى في بيتك لا مناص لك من صاروخ قد يودي ببيتك بمن فيه، او رصاصه طائشة، والتي ان لم تأخذ أحد الأحباب، تفعل ما تفعل في تركيبة نفسية أطفالك وذاكرتهم، قد يكون ما بمقدور كورونا ان يفعله قليل مقارنةً به…

في ذاكرتنا نحن الفلسطينيون، منع التجول والحصار لم نتعرف عليه ببيان حكومة او عبر مكبر صوت لسيارة شرطه وجيب أمن وطني، ما اختبرناه كان ُيفرض بالدبابات والمجنزرات وجيش مدجج بالعتاد وبكل انواع الأسلحة، جيش أُعد خصيصاُ لاجتياح المناطق الفلسطينية بمشاة والويه وقوات خاصه ومظليين، ويحضرني هنا سؤال “ما حاجة الجيش للمظليين لفرض حظر تجول وإغلاق مناطق على شعب اعزل”؟؟!!!

في الايام والليالي الطويلة لحجرنا كشعب، كان وجود الماء والكهرباء يوم عيدنا، وفي سنوات الانتفاضة الثانية ما بين ال2000 -2003 كان الامتنان والشكر للخالق على النجاة بالنفس والابناء كبيرا.. وحتى البيت والحجر اعتبرنا نجاته بونص حظ. أما غزه بقطاعها الذي ما زال ينتظر العيد، فلا مدفعيه هدأت ولا صلاه صمتت وكانت مناجاة الحظ مضيعة للوقت…

في الثمينينات والتسعينيات ما كان لنا في حجرنا وحصارنا، الا اجهزة الراديو وبعض المحطات التلفزيونية ان تيسر وجود الكهرباء، والكثير من الكتب بلا أدوات او تجهيزات منزليه تخفف عبأ العمل المنزلي او توفر التسلية وتملء ساعات التواجد الطويلة في البيت برفاهية التكنلوجيا وتعدد وسائلها وأدواتها….لا انترنت ولا فضائيات نتواصل بها مع العالم، لا موبايلات ولا مواقع تواصل اجتماعي نتبادل عبرها مع العالم همومنا وأفكارنا وتفاكرنا.. وحتى خلال الانتفاضة الثانية وفي أسوأ اوقات منع التجول والحصار والاستفراد بالتنكيل بكل منطقه من مناطق الضفة وغزه والقدس، كان شعار ” يا وحدنا” هو سيد الموقف. وما كان الا لوسائل الإغاثة من صليب وهلا ل احمر ومؤسسات دوليه كمنظمة الامم المتحدة لتشغيل وإغاثة اللاجئين (الأونروا) ان يصلوا لأبواب المناطق المحاصرة والمفروض عليها حجر ومنع تجول، بدون كورونا او فايروس خطير…

هذا التاريخ والمسميات سيئة الصيت والسمعة في واقعنا الفلسطيني تجعل ما نعيشه بمعية العالم من التزام بالبيوت وبتوفر كل وسائل الاتصال والتواصل والفضائيات والانترنت، وما توفره المواقع من معلومات وقنوات للتعلم والتسلية والترفيه، والامكانيات للدراسة عن بعد بمؤسسات دوليه ومحليه وممارسة الرياضة وإدارة العمل وحتى إدارة دوله من البيوت…وووو، كل هذه الوسائل تجعله يبدو رفاهيه إذا ما قورن بما اختبره الشعب الفلسطيني، في الضفة والقدس وبشكل خاص في غزه…مسميات عايشناها ولا زلنا نعيش بعضها ….فالفلسطيني يشارك العالم أزمته بما له من حصه في زمن الكورونا ….وعايش ويعيش وحده المعاناة من وباء إسرائيل في زمن الاحتلال …ولم تنجح لا قوى التحرر ولا المؤسسات الدوليه في توفير اللقاح المطلوب….

*(والذي يطلق على المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية منذ توقيع اوسلو)

 

كاتبة فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here