هونغ كونغ شان صيني داخلي

د. وائل عواد

عندما أعادت بريطانيا إقليم هونغ كونغ للوطن الام الصين في الأول من تموز عام 1997  ،بعد قرن من الاستعمار،وأثناء تغطيتنا للحدث ،كان الانطباع السائد لدى الحكومة البريطانية  ووسائل إعلامها ان الأهالي لا يريدون العودة للوطن الأم .الحقيقة ان معظم السكان كانوا أكثر حماسا للانضمام للصين وان كان الشرط البريطاني تحت مبدأ “بلد واحد بنظامين” حتى عام 2047 ، بحيث تحتفظ هونغ كونغ بدرجة عالية من الاستقلالية نظام تشريعي خاص وتعددية حزبية ،حرية الرأي والتعبير ويتم انتخاب رئيسا” لهونغ كونغ من قبل مجلس يضم 1200 عضو  في المجلس التشريعي الذي ينتخب نصف أعضائه والنصف الآخر يتم اختيارهم من الخبراء ومجموعات اخرى وتشرف الصين على الخارجية والدفاع .وقام آخر حاكم بريطاني  كريس باتن بتسليم الإقليم للسلطات الصينية والدموع تغمر عينيه، وسط احتفالات شعبية عارمة وألقى الأمير تشارلز خطبة الوداع باسم الملكة إليزابيت قبل نصف ساعة من منتصف الليل في 30-7- 1997 وبعدها بدأت مراسم التسليم وأنزل العلم البريطاني من على سماء المستعمرة ليرفع  علم  هونغ كونغ المستقلة إداريا” .وأعلن الأول من تموز عيدا” وطنيا” ويوم عطلة في هونغ كونغ يحتفل بهذا اليوم  من قبل أنصار الوطن الأم والآخرون يقومون بمظاهرات من جهة ثانية  تطالب بحريات واستقلالية وديمقراطية مطلقة  باشراف جبهة حقوق الإنسان الوطنية.وكلما قرب الموعد النهائي ، زادت المجتمعات المدنية والجمعيات غير الحكومية المدعومة خارجيا” من مظاهراتها ورفضها المتكرر لفرض السيطرة من قبل الحكمة الصينية التي قد تبقي على بعض المزايا للإقليم ولكن ليس كلها بحلول عام 2047.وهذا ما يزيد من مخاوف بعض سكان هونغ كونغ  ، البلغ عددهم 7.8 مليون نسمة،الذين لم يحصلوا على الفوائد من الإقليم المستقل ويتم استغلالهم من قبل العديد من معاهد نشطاء حقوق الإنسان ومنظمات  تشجع على تنظيم المظاهرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثل كونفدرالية اتحاد العمال هونغ كونغ ورابطة الصحفيين وعدد من الأحزاب السياسية وتزداد دائرة الاحتجاجات الشعبية “المنظمة ديمقراطيا””لجذب الرأي العام العالمي حول محاولات بكين فرض سيطرتها بالكامل تدريجيا” .

من يقف وراء الحراك الشعبي؟

طالبت بكين لندن بوقف تدخلها  بشؤون هونغ هونغ وقالت إن ما يحدث هناك شأن صيني داخلي. العديد من الدول في عالمنا العربي تشهد مظاهرات وحراك شعبي تطالب بالديمقراطية وحرية الرأي والحكم المدني .هذه المطالب شرعية طالما حافظت على سلميتها واقتصر الدعم الخارجي لها معنويا”  وقد يبدو الأمر بسيطا” ،بعيدا” عن نظرية المؤامرة ودعما” للحراك السلمي في العديد من العواصم العربية التي لم تعد هذه الحراكات الشعبية تقتصر على الدول المعنية وإنما شأنا” دوليا” يدفع الدول العظمى للتدخل عسكريا”  فقط في الدول الضعيفة ،لتحقيق مآربها بعيدا” عن المطالب الشعبية الشرعية .

اثنان وعشرون عاما” على إعادة هونغ كونغ والمسيرات تتوسع وتكبر من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لحشد أكبر عدد من الأهالي وتحفيزهم على التظاهر السلمي لتحقيق مطالبهم و ليصبح من الصعب جدا” على الحكومة الصينية قمعها بالقوة .وكانت المظاهرات الأخيرة بعد أن قررت حكومة هونغ كونغ  تسليم متهم للصين  سلمته تايوان بعد ان  قام بقتل صديقته  ولا يوجد قانون أو اتفاق  يسمح بذلك. وكانت حكومة هونغ كونغ قد طرحت مسودة قانون  يسمح بتسليم المتهمين باعمال اجرامية للصين الأمر الذي رفضه المتظاهرون واعتبروه تدخلا” في الشأن الداخلي ومحاولة  الصين فرض هيمنتها على هونغ كونغ. واشتعلت  المظاهرات ووقعت مواجهات  بين المتظاهرين والشرطة .وزاد المتظاهرون من مطالبهم باستقالة رئيسة هونغ كونغ كاري لام تشينغ يوت-نغر وفتح تحقيق مستقل لكشف ملابسات الاعتداءات بالقوة على المتظاهرين من قبل الشرطة في الثاني عشر من يوليو حزيران الفائت وإلغاء الحكم على خمسة من المتظاهرين تم اعتقالهم. ولذا فإن تصرف الشرطة في هونغ كونغ كان سليما” وصبروا لأكثر من عشر ساعات على المتظاهرين قبل ان يقتحموا  مبنى المجلس التشريعي والعبث به مما دفع بالشرطة للتدخل واستخدام الغاز المسيل للدموع لتفرقة وطرد المتظاهرين منه دون وقوع حوادث تذكر ،وسط تنديدات شعبية حتى من قبل قادة أحزاب سياسين  ورئيس المجلس التشريعي باعتبار أن مثل هذه الاعمال تسيء للحراك الديمقراطي وهناك من يتهم شرطة مكافحة الشغب بالانسحاب قبل اقتحام المتظاهرين المبنى للتخفيف من شعبية الحراك وسلميته.

تأثرت الحياة السياسية والاقتصادية في هونغ كونغ بسبب الاحتجاجات من قبل جيل من الشبان لم تتجاوز أعمارهم 22 عاما” عمر التسليم يشعرون بالخوف على مستقبلهم ويرفضون قانون تسليم المتهمين للوطن الأم كما هو معلن ولكن في حقيقة الأمر يريدون الحفاظ على استقلاليتهم والإدارة الذاتية حتى بعد مضي نصف قرن  على الاتفاق المبرم  بين الصين وبريطانيا وهذا ما دفع بالمجتمعات المدنية ونشطاء حقوق الإنسان لتجنيد أكبر عدد من الأهالي من جميع الاعمار لاعطائها طابع حراك شعبي بجميع طوائف المجتمع .

من يتابع ردود الفعل في واشنطن ولندن يجد الميل لصالح الشارع  أنصار الديمقراطية والحرية والليبرالية وحتى ان البعض أطلق عليهم جيش شبان متظاهرين ولم ينددوا باقتحام المجلس التشريعي وأعمال الشغب التي تسيء للحركات الديمقراطية السلمية وحرية التعبير .

ومع مرور الوقت الصين ماضية في عملها لفرض هيمنتها على هونغ كونغ وبريطانيا تعتبر نفسها مسؤولة أخلاقيا” للحفاظ على الاتفاقية الدولية التي وقعتها مع الصين لحماية المؤسسات الديمقراطية والنظام التشريعي المستقل في الإقليم  وربما هي ورقة ضغط تحاول استثمارها ضد بكين ضمن سياسة تحجيم الدور الصيني المتنامي ليس فقط إقليميا” بل عالميا” .

والصين تدرك ذلك و تتصرف بحزم وحنكة وحذر .

كاتب صحفي سورية مقيم في الهند

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here