هناء مهدي: شهر ديسمبر في ذاكرة فلسطين

هناء مهدي

يرتبط شهر ديسمبر في فلسطين بسلسلة من الأحداث والمآسي التي وثقتها الذاكرة الفلسطينية في سجلات ممهورة بالدماء؛ أبطالها قتلى وجرحى وأسرى كتبوا شهاداتهم على مسرح وطن مغتصب، ولعل أهم تلك الأحداث وأكثرها إيلاما ما وثقته سنة 1987 الموسومة بانتفاضة عظيمة شارك فيها أطفال لم يكملوا حينها سنواتهم العشر، تحت قيادة شباب فلسطينيين استخدموا الحجارة سلاحا وجعلوا الموت أيقونة حياة، وبعدها بسِت أيام تكللت المساعي بإعلان قيام حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في 14 ديسمبر من نفس السنة.

 يوثق الشهر نفسه أيضا في الذاكرة الفلسطينية لخطب جلل، يوم أعلن بن غوريون أول رئيس وزراء العدو الصهيوني سنة 1949 بأن القدس ستكون عاصمة “لإسرائيل” في بضع سنين، حلم تحقق كذلك في شهر ديسمبر، وبالضبط عندما فاز في الانتخابات الأمريكية “مهديهم المنتظر” الرئيس “دونالد ترامب”  ليحمل مشعل بني صهيون ويطوي لأخلائه ما تبقى من مسافات انتظار.. فوقع “سيد البيت الأبيض” على قرار نقل سفارة بلاده إلى القدس -قبل سنة واحدة فقط من الآن- وكان ذلك اعترافا رسميا بكون القدس عاصمة “لإسرائيل”.

عودة إلى الوراء، وتحديدا  قبل واحد وثلاثين سنة. الثلاثاء 8 دسمبر1987 وهو يوم يؤرخ لواقعة لن ينساها شعب فلسطين الأبي، حين تم دهس مجموعة من العمال الفلسطينيين على حاجز ” إيرز” الذي يفصل قطاع غزة عن بقية الأراضي الفلسطينية؛ وكان بطل الحادث سائق شاحنة صهيوني حيث أودى الحادث بحياة أربع فلسطينيين وتسبب في جرح آخرين، فكانت تلك هي القشة التي قسمت ظهر البعير، حيث اعتبره الفلسطينيون قتلا متعمدا وترجموا استياءهم باحتجاج عارم يوم الجنازة، قاموا يومها بإلقاء الحجارة على موقع للجيش الصهيوني الغاصب في مخيم جباليا.

 وجاء الرد سريعا من العدو الصهيوني؛ إراقة مزيد من الدماء، وإطلاق وابل من الرصاص على فلسطينيين عزل، لينضاف إلى المحصلة عدد من الشهداء، وكثير من الجرحى والمصابين…

واشتعلت فلسطين برمتها، كانت الانتفاضة في بدايتها عبارة عن احتجاج عفوي؛ عصيان مدني، مظاهرات، إضراب عن العمل ومقاطعة بضائع المحتل للمطالبة بإنهاء الاحتلال وحق تقرير المصير وعودة اللاجئين، ثم تسلح جنود الانتفاضة بالحجارة، أطفال وشباب لا يخشون موتا ولا أسرا، وكانت مواجهتهم حامية الوطيس، حملة من الاعتقالات، وإطلاق الرصاص، وتكسير الأيادي، وحضر التجول، وقطع الماء والكهرباء..

ومما لا يتنازع فيه اثنان أن الأوضاع المزرية التي كان يعيشها الفلسطينيون وسياسة “القبضة الحديدية” التي نهجها وزير الدفاع الصهيوني إسحاق رابين ثم سياسة “تكسير عظام” المتظاهرين الفلسطينيين أذكت وطيس الانتفاضة لتتوسع دائرة الاحتجاج بانضمام كل الفصائل الفلسطينية، وسكان الضفة الغربية، وقطاع غزة ليدخلوا وللمرة الأولى -منذ مرور أربعين عاما على الصراع العربي الاسرائيلي- في مواجهة مباشرة مع العدو الصهيوني.

لاشك أن رحى المواجهات كان ساخنا، استشهد على إثره العديد من الشباب وجرح آخرون أو أسروا.. لكنها أسهمت في توحيد صفوف المقاومة؛ فتم على إثرها إنشاء لجان محلية داخل المخيمات لتنظيم الغضب غير المسلح للشارع الفلسطيني ضد الاحتلال، فتكتلت اللجان في هيئة تضم فتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية والحزب الشيوعي، ليتم بعدها تطوير الاستراتيجيات والوسائل من أجل استهداف عمق العدو الصهيوني برمته، فتحولت ثورة الحجر إلى ثورة السكاكين، وتطورت ثورة السكاكين إلى عمليات أكثر نجاعة وإيذاء للعدو؛ ومنها عملية ديمونا سنة 1988 التي استهدفت مفاعل ديمونا الذري في النقب ، وقتل بسببها البطل أبو جهاد في تونس، ومنها أيضا سياسة الاختطاف التي أسرت بفضلها المقاومة الكثير من الجنود الصهيونيين لتتم عملية التبادل مع الأسرى الفلسطينيين، إضافة إلى ملاحقة وقتل العملاء وسماسرة الأراضي… ..

كما شكلت العمليات الاستشهادية إحدى أهم أشكال المقاومة، وأسست لمرحلة أكثر نضجا في تاريخ النضال الفلسطيني، وتعزى أهمية هذا النوع من العمليات في كونها تستطيع التحكم بوقت ومكان الانفجار، ناهيك عن إيقاعها بأكبر عدد من القتلى في العملية الواحدة، فأصبحت هي السلاح الأبرز في مواجهة الآلة العسكرية الصهيونية الغادرة.

وفشل الجيش الصهيوني في استيعاب موجة الانتفاضة الفلسطينية التي استمرت ست سنوات، فاضطر المستعمر الصهيوني إلى الجلوس على طاولة المفاوضات والتوقيع على اتفاقية “أوسلو” سنة 1993 درءا للمزيد من الخسائر، وتم الاتفاق على الحكم الذاتي الفلسطيني، أعقبها مصافحة تاريخية بين الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الصهيوني اسحاق رابين، تلقى على إثرها نشطاء المقاومة أوامر مباشرة من ياسر عرفات بوقف كل العمليات العسكرية ضد جيش العدو.

لكن المقاومة الفلسطينية لا تطفئ جذوتها وإن تكالب عليها الأعداء والمتواطئون، ولا يكاد يخمد موقدها إلا وتخرج من رماده عنقاء شامخة أظهرت بسالتها في انتفاضة الاقصى الانتفاضة الثانية سبتمبر 2000 (. كذلك كان حالها   في الرد على الهجوم الصهيوني الغاشم في الضفة الغربية المحتلة َفي (مارس 2002 ) وما تلا ذلك من عمليات أذهلت العدو المستوطن خصوصا بعد أن تمكنت من تطوير قدراتها العسكرية والانتقال إلى أهداف صهيونية جديدة لم يعتقد في يوم من الأيام أنها ستكون هدفا سهلا للقوى الفلسطينية.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. مقال رصين يؤرخ لفترة مهمة من الصراع الفلسطيني – العربي / الاسرائيلي ،انطلاقا من مدخل تاريخي زمني متنقل في شهر دجنبر.
    وهي مرحلة بئيسة أسست لها عدة محطات بارزة التاريخ العربي ،ولها الأثر العظيم على الانسان العربي بشكل عام ،حيث ابانت عن فشل الأنظمة العربية في تدبير الصراع العربي الاسرائيلي ،وكيف صارت الغلبة لاسرائيل بعد جملة من التنازلات التي تقدم بها العرب لصالح العدو حفاظا على خدمة وسلم مفتعلين معه ( مؤتمر كامب ديفيد .اتفاق اوسلو …..حرب 56 .حرب 65 .حرب 73 .حرب 81 .. وكيف تكمنت اسرائيل من وضع اليد على كل من صحراء سيناء وخليج العقبة ونهر الاردن وهضبة الجولان و…وكيف سمحت هي لاصحاب الأرض ان يستجدوها تواجدا مدنيا فقط .حييت أستاذة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here