هناء مهدي: المغرب: حريات على المقاس

 

هناء مهدي

المغرب بلد السلم والحريات! جملة تتردد على مسامعنا ويستهوينا سماعها، وأحيانا نفخر سهوا بما تحمله من معان سامية قد تميزنا عن شعوب أخرى ليست بالبعيدة، خصوصا عندما تصلنا ممهورة بتصريح فنان عالمي مشهور، أو سياسي معروف، أو بختم وزير يستهوينا خطابه، فنستهلكه كما هو دون تقييم أو تحليل. فالشعار براق يثير شغاف السامع أيا كانت هويته، ومن منا لا تستهويه الحريات؟ من منا لا يحب الأمن والسلام؟ لذلك فليعذرونا إن رددنا الشعارات كالببغاء! وقد صيغت على مقاس عقولنا باحترافية صانع ماهر، فالجملة الإسمية تلك؛ تحتمل من الحريات نوعا مثيرا..وإن تجاهلت ماعداه! شعار مافتئ أن تبناه سياسيونا لغاية في نفس يعقوب. والغاية حسب ميكيافيلي تبرر الوسيلة؛ لذلك لاحرج على الجهات المسؤولة إن وضعت مساحيق التجميل والعطور العالمية والمنكهات.. لإضفاء جمالية ومصداقية على شعاراتها.

لكن !عندما يكشف المرء عين الحقيقة، ويسبر ما استبطنته المعاني السطحية والمفردات البراقة، يخيب ظنه ويفقد الثقة في مؤسسات بلاده ومنتخبيها..؛ عندما يلمس يقينا أنها شعارات جهزت للتصدير خاصة، وأنها لم تصنع إلا على مقاس رغبات تغري الأجنبي…سائحا كان أم مستثمرا، شرقيا كان أم غربيا.. فمهما كانت هويته لابد أن يفتنه العرض! لابد أن يستهويه ما قدم له على طبق من حريات! في بلد جميل آمن، لابد أن يشعر بالطمأنينة بين ربوع أرض تضع متع الدنيا و كل الحقوق بين يديه، وأحضان شعب مضياف يستوعب الاختلاف، وصدقا.. لا يشعر الزائر لهذا البلد أيان حل بالضجر ولا بالاغتراب؛ خصوصا والبلد موسوم بجمال طبيعي لا يقاوم، وخصوصية معمار فريد، ناهيك عن كرم أهله ومرونة طبعهم، وقدرتهم على احتواء الثقافات والمتناقضات، والناس فيه مهما كان شكلهم ولونهم يعيشون على أرضه بسلم وأمان.

 على قدر أهمية هذا الشعار، وبقدر ما يسيل لعاب الأجنبي الذي يجد فيه هواه… حانات ومراقص.. مساجد ومعابد.. مظاهر انفتاح وحياة على الطراز الأوروبي، وتدين على اختلاف درجاته، تقاليد وعادات صارمة.. علمانية وحداثة وتحرر.. سلفية وأصولية وتشدد.. كل المتناقضات مباحة، وكل فيه يغني على ليلاه…وبنية المجتمع المغربي المركب تجعله يستوعب كل الثقافات؛ فهو مجتمع متعدد المشارب، متباين العادات والتقاليد، متنوع الإيديولوجيات والروافد….

 لكن المصطلحان: (السلم والحريات)، بقدرما يغريان أجانب يحجون إلى مراكش وأكادير والدار البيضاء وطنجة …. فالمواطن المغربي لا يلمس لكليهما أثرا بعدما أضحى لا يشعر بالأمان حتى مع هاتفه النقال، ولا مع حاسوب مكتبه، ولا مع دفتر مذكراته، ولا مع مفكرة أرقامه.. بات لا يثق في القوانين المعدلة التي جاءت لتمنحه مزيدا من الحقوق وكثيرا من الحريات، ولا في حكومة انتخبها واستبشر بها خيرا عندما حملت إليه نسائم الإصلاح، وفي النهاية.. أجهضت كل أحلامه.

ومما لا يتناطح عليه كبشان في المغرب، أن رياح الربيع العربي جاءت بردا وسلاما عليه، بل أسهمت في خلق طفرة نوعية في المشهد السياسي لم يتوقعها حتى المحللون السياسيون؛ باستجابة سريعة من الملك لمطالب شعبه، وتنازله عن بعض صلاحياته لرئيس الحكومة، وإقرار دستور جديد يكفل الكثير من الحقوق والحريات.

لذلك لاريب أن الحريات الشخصية وحرية التعبير وحرية الفكر والعقيدة وحرية الانتماء، وحرية المرأة والمساواة…هي حريات مكفولة دستوريا وإن اعترتها بعض النقائص والقيود، خصوصا أثناء تنزيلها. لكن بالمقابل، هناك إجماع من الحقوقيين أن النص والواقع لا ينسجمان على أرض الواقع في المغرب مادام المشهد يفشي فسادا وخروقات قانونية لا يكتنفها غبار.

وهي حقيقة نلمسها من ردود المسؤولين كلما سألوا عن جدوى كل تلك الإصلاحات التشريعية، مادامت لاتكفل واقعيا ماسطرته الوثيقة الدستورية من حريات.. وهكذا كان رد وزير حقوق الانسان مصطفى الرميد لوكالة المغرب العربي للأنباء براغماتيا لما سألوه عن الحريات في المغرب وعن حرية المعتقد على وجه الخصوص، فأجاب قائلا:” لا يمكن أن نصادر حرية المعتقد، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فالأمر بينه وبين ربه، شرط احترام ضوابط المجتمع”. لذلك نلاحظ أن محاكمة كل من غيروا دينهم ارتكزت على نصوص قانونية متعلقة بالنظام العام، مادام لا يوجد نص قانوني صريح يجرمها.

 وعلى عكس جواب السيد مصطفى الرميد الذي أقر بحرية لم يجرمها القانون، وعلقها بضرورة احترام ضوابط المجتمع، جاء تصريح وزير العدل “محمد أوجار “لمنبر “هسبريس” في العام الفائت فيما يتعلق بالعلاقات الجنسية الرضائية مصبغا المشروعية على فعل مجرم بصريح القانون: “هذه العلاقة بين راشدين إن كانت بدون عنف لا تعني المجتمع ما اجتنبوا الأماكن العامة”. جوابا فيه مغازلة للجمعيات الحقوقية المطالبة بإلغاء المادة 490 من القانون الجنائي ورفع التجريم عن العلاقات الجنسية الرضائية تعزيزا للحريات الفردية.

أما فيما يخص حرية الرأي والتعبير التي كفلها الدستور الجديد فقد شهد تطبيقها خروقات وتجاوزات خطيرة ومصادرة لحرية الإعلام والاحتجاج السلمي والحق في التظاهر.. وقد احتل المغرب رتبة 135 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2018 حسب الترتيب الذي أصدرته منظمة مراسلون بلا حدود. وتم إدراجه ضمن الدول ذات الوضع الصعب لكونه لا يفصله إلا القليل عن القائمة السوداء لأسوء البلدان ممارسة لحرية الصحافة.

لذلك، إذا صدقنا جدلا بكينونة الحريات على أرض الواقع في المغرب، فإنها حريات مقصورة على كل من لا يشير للسياسة بالبنان، حرية منتقاة؛ يتم استخدامها على المقاس، أو حصرها فيما يغري ثلة من السياح الذين يبحثون عن المتع، أو لجلب المستثمر، أو ليسكتوا أبواق جمعيات حقوقية تدافع عن الحريات الفردية.

نجزم ختاما أن الحريات في المغرب موجودة.. لكنها “حريات على المقاس”! يلمسها من تستهويه “لعبة الغميضة” ويراها من يفتح عينا ويغمز بأخرى.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here