هناء مهدي: السيف البتّار والمنشار العسار

هناء مهدي

 ما السيف وما المنشار؟ سألت عنهما الشيخ غوغل فقال: السيف سلاح أبيض وقطعة وأداة حربية دفاعية وهجومية، له قائمة ونصل وغمد ومقبض، تغَنَّى به العرب وغازلُوه، ومجَّدَه الرِّعاع منهم وبَجَّلوه…وشبَّهَه عنترة بن شداد بثَغْر حبيبته الباسم حين قال:

“فَوَدِدْتُ تقبيل السيوف لأنها  ** لمعت كَبَارِقِ ثغرك المتبسمِ”

وأنشد أبو تمام فيه أبياتا فخرية أبطل فيها ما أرجف به المنجمون ودحض زعمهم وفضح كتبهم، بعد نصر حققه الخليفة المعتصم حينما فتح عمورية. فصدح أبو تمام منشدا:

 “السيف أصدق أنباء من الكتب       **   في حده الحد بين الجد واللعب

بيضُ الصفائح لا سُود الصحائف في  **   متونهن جلاء الشك والريب”

وحين طاب لأبي الطيب المتنبي أن يفخر بشجاعته، استحضر السيف وقال:

” الخيل والليل والبيداء تعرفني     **   والسيف والرمح والقرطاس والقلم “

حقيق إذن أن نعترف ببطولات وانتصارات تحققت بحد السيف، وحقيق أن نقر كذلك ببسالة العرب وشهرة سيوفهم ونبالهم، لذلك لا جرم أنهم أشد القوم به اعتزازا وفخرا، وقد جعلوه شعارا ورمزا وامتشقُوه مبارزةً واستعراضا. ثم أسبغوا عليه ما طاب لهم من الأسماء.

فهو الصمصام والأصمعي والبهار، وهو الفاروق والقشيب والدائر والبتار، وهو القاطع والحازم والحسام والعسار…

ولذلك جعلته نجد رمزا لقوتها وشعارا لبسالتها. وظل يرفرف على علم مملكة آل سعود منذ  القرن الثامن عشر. لكن، عيب على أهله إكرامهم للبتار دونا عن شقيقه المنشار، وهو الذي   قطع على يد سيدهم اللحم والعظم، ولعب في مسرح الجريمة كل الأدوار.

فيا أسفا عليك يا أبا منشار، رغم بسالتك وقوة سلاحك الغدار، اتفق الشرق والغرب للمرة الأولى عليك فنالوا منك ومما حققته من انتصار.. وأمطروك بوابل من اللوم والتهم.. ببنط عريض تصدَّر الأخبار..

وسار الشيخ “غوغل” على سُنَّة أسلافه فشح في تعريف المنشار وقصر.. فهل كان منشارا حقا أم هو سيف ديموقليس اللعين الذي أسقط الخوف على رأس ابن الأكرمين؟ أم هو كيد كائدين، تكالبوا على الأمير الشاب الوسيم؟

هي ضجة إعلامية لا شك استهدفتك يا أمير، وعلى قدر أهميتها، على قدر كشفها لشراهة القتل عند المستبدين. ففيها مع ذلك كثير من التضليل لتركيزها على جريمة بعينها وإغفالها جرائم أكثر بشاعة وهَوْلاً. سواء تلك التي تورطت فيها بلد الأمير بمباركة من الدول الغربية (الحرب ضد اليمن وما يتعرض له الأطفال من تجويع…دعم المجموعات المسلحة في سوريا.. واختطاف رئيس وزراء لبنان سعد الحريري وإجباره على الاستقالة. وتمويل الانقلاب العسكري في مصر.. وما سبق كل تلك الجرائم من دعم للتدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط واجتياح العراق..)

أو تجاهل الإعلام الدولي المكشوف للجرائم والمجازر التي يرتكبها العدو الصهيوني في حق الشعب الفلسطيني.. أو ما يقع من حروب إبادة واضطهاد لمسلمي الروهينغا في ميانمار…

ومن التضليل أيضا أسطوانات الغرب الصادحة بالحرية وحقوق الإنسان التي بتنا نرددها وندبج على متنها قوانيننا الداخلية.. بينما تحت مظلتها يتفنن  الغرب في رسم المخططات والمكائد وارتكاب مزيد من الجرائم ضد الإنسانية، تترجمتها ،بشكل سافر، سياساته الخارجية الكولونيالية.

ولم تستهجن وسائل إعلامه بجرائم فرنسا التي لطخت يدها بدماء الشهداء في الجزائر، وتورطت في المستنقع الفيتنامي، ناهيك عن جرائم كثيرة في القارة السمراء، آخرها تدخلات عسكرية سافرة في الكوت ديفوار وليبيا ومالي…

كذلك لم يستبشع الإعلام “الحر” -على حد تعبيرهم-  جرائم العم سام ونزعته العنصرية، ولا حروب الإبادة ضد سكان بلاده الأصليين، ولا القصف الذري على هيروشيما و ناغازاكي ولا حروبا تجوب العالم بحرائقها ولا يخمد لها وطيس… لم تشجب جرائم بريطانيا وما أراقته من دماء في كل البلدان الأسيوية التي استعمرتها، ولم تندد الأبواق الإعلامية بوعد بلفور المشؤوم، ولا بالعدوان الثلاثي على مصر، وما أعقبه من اعتداء على ليبيا…ولا المجازر التي ترتكبها بدون حساب ولا عقاب، الخليلة المدللة إسرائيل.

في  كتابه “روزمانة جرائم فرنسا في عالم ما وراء البحار”، لخص عالم الرياضيات والناشط في حقوق الإنسان “جاك مورال” السياسة الدولية حين أماط اللثام عن جرائم فرنسا وتورطها في أعمال الإبادة التي وقعت في رواندا عام 1994 جاء فيه: “إن الاستعمار وبغية أن يفرض نفسه ويدوم، اقترف العديد من الأعمال الإجرامية التي ظلت بلا عقاب، إن الإفلات من العقاب يسمح لفرنسا حاليا بمواصلة سياستها المخزية في أفريقيا  دون أن يثور لذلك المدافعون الفرنسيون عن حقوق الإنسان”. والدافع لذلك حسب المؤلف هو: “نشر الحضارة والمسيحية وحقوق الإنسان التي استخدمت كذريعة مشرفة للغزو الاستعماري وسمحت بإخفاء تلك الجرائم”.

فالإعلام الغربي لا يخدم في الحقيقة إلا أجندات ومصالح بلاده واللوبيات المتحكمة في موازين القوى العالمية، بما يضمن مصالح إسرائيل خاصة وحليفها “اليانكي”.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. شكرا، سيدتي هناء، على الإضاءة لمسرح الجرائم : الإستممارية، الإقليمية، والوطنية، عالميا ومحليا، وأدواتها في حالة دور البطولة أو تنفيذ الجريمة، جالبة الخزي والعار،ولله في خلقه شؤون !

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here