هل يَقبَل الشعب الليبي بِنَجل القذافي سيف الإسلام البريء والمَحكوم بالإعدام “رئيساً”؟.. لماذا لا نُؤمِن بمُعادلات الانتقام الربانيّة؟ ومتى يظهر “مُخلِّص” ليبيا للعَلن وأين هي أجواء الانتخابات النزيهة؟

خالد الجيوسي

يبدو الأمر فَرطْ تفاؤل، أو إيجابيّة مُفرطة، حين الحديث عن إمكانيّة عقد انتخابات رئاسيّة في “الشقيقة” ليبيا، والحديث عن عودة مُرشّحين بعينهم، في ظِل خلاف ونزاع بين السُّلطات المركزيّة والمُتمثّلة في حُكومة الوفاق الوطني ومقرها طرابلس، والحُكومة الأُخرى في شرق البلاد، ويجري الحديث عن إجراء انتخابات عامّة العام الجاري بدعمٍ من الأُمم المتحدة.

مُنظّمة “هيومن رايتس واتش” دعت في تقريرها الأُمم المتحدة، إلى حث الأطراف المُتصارعة على “تهيئة الظروف المُناسبة”، لأجواء انتخابات “حُرة ونزيهة”، قبل إجراء هذه الانتخابات، وهذه الأجواء بحسب المُنظّمة يجب أن تكون خالية من الإكراه والتمييز، أو الترهيب في حق الناخبين، المُرشّحين، والأحزاب السياسيّة، كما يجب وفق التقرير على القضاء أن يكون مُستعدّاً لحل خلافات الانتخابات، وضمان وصول المراقبين إلى أماكن الاقتراع.

وبالنَّظر إلى حال الأمن والاستقرار المُتردّي في البلاد، وانتشار الفوضى، لا نعتقد أن أحداً من الأطراف المُتصارعة قادر على تحقيق “مُتطلّبات” أجواء هذه الانتخابات، والاتفاق الذي تم بين رئيس الوزراء الليبي عن حُكومة الوفاق الوطني، وخليفة حفتر قائد قوّات الجيش الوطني في الشرق، قائم من حيث المبدأ برعاية فرنسيّة، ولكن تغيب عنه الضمانات والخُطّة الشاملة بحسب ما ورد في تقرير المُنظّمة المذكورة ذاتها.

اللافت، أو العجيب في كل هذا، أن إجراء هذه الانتخابات غير معلومة الموعد الدقيق في أجواء نزيهة، لو تم بين الأطراف المُتصارعة المُتّفقة على إجرائها، سيسمح ربّما بعودة رموز نظام العقيد الراحل معمر القذافي، وتحديداً نجله سيف الإسلام القذافي، والذي ينوي الترشُّح لرئاسة البِلاد، فور فتح قوائم التسجيل للترشُّح، من أجل “إنقاذ ليبيا”، ويُراهِن البعض على سيف الإسلام، وفوزه، لتمتّعه بدعمٍ كبير من القبائل الليبيّة.

خُلاصة كل هذه الحرب، والتشرّد، والمُعاناة، التي عاناها، ويُعانيها الشعب الليبي إذاً، هي عودة القذافي الابن إلى السلطة، تحت عناوين “الإنقاذ” وليس الطمع في السلطة كما يقول أيمن بوراس، المُكلّف بالبرنامج السياسي، والإصلاحي لنجل العقيد، وهو ذاته الرجل الذي خرج أمام الليبيين حين ثاروا العام 2011، ضارباً في مطالبهم عرض الحائط، مع الإشارة إلى أنه لم يظهر للعلن مُنذ مُحاكمته، وإطلاق سراحه، وهو المُلاحق من المحكمة الجنائيّة الدوليّة بتُهمٍ لا تَسقُط بالتقادم، إلا أن بلاده ليست عُضوةً فيها.

لا نعلم، كيف ستتم عمليّة التزاوج والمَنطق في الموقف المُتناقض هذا، فالرجل الذي ينوي الترشُّح لرئاسة كل ليبيا مشمولٌ بالعفو وأفرج عنه من قبل مليشيات الكرامة التي تتبع الجنرال حفتر، وفي ذات التوقيت، صدر بحقّه حُكماً بالإعدام عن محكمة طرابلس العام 2015، لاتّهامه بارتكاب جرائم حرب ضد مُحتجّين ثورة فبراير، وفساد مالي وإداري، ومن ثم تبحث المُنظّمات والأُمم المتحدة عن أجواء نزيهة للانتخابات!

لن ينسى الشعب الليبي “الشقيق” باعتقادنا “الفوقيّة” التي تعامل بها سيف الإسلام ووالده مع المُحتجّين، ولن ينسى أيضاً هذا الشعب المُتآمرين عليه من دول حلف الناتو والأشقاء العرب، واكتشافه حقيقة هذه “الثورة” التي افتعلت لتدمير وتقسيم ليبيا، ونهب خيراتها، وهو ما حذّر منه الراحل القذافي ونجله أيضاً في خطاباتهم خلال الاحتجاجات، وقد أصابا في هذه النقطة بلا شك.

لعلّ الشعب الليبي أو بعضه “يترحّم” على أيّام معمر القذافي، لكن ليس لأفلاطونيّة هذا النظام، وإنما لحنينه لأيّام السِّلم والأمن والأمان، وربوع ليبيا الخضراء، ولاعتقاده أن رموز الماضي قد تُعيد الماضي “الجميل” للحاضر والمستقبل، وحتى وإن انتخب هذا الشعب سيف الإسلام، فهو خاضع لنظريّة المُضطر، وانعدام البُدلاء.

ربّما حالة الانقسام، والصراع الدموي التي تسود ليبيا، تجعلنا نضع علامات استفهام حول مدى صِحّة الحُكم الصادر بالبراءة بحق سيف الإسلام، ويجعلنا نتوجّس من عودته، تحت عناوين برّاقة تقول أنها تحفظ وحدة البِلاد، لكن في حال اجتماع الليبيين جميعاً على اختيار هذا الرجل، وبراءته بحُكم القضاء النزيه العادل، لا المليشاوي، فنحن مُجبرين على احترام الشعب والقضاء.

لا نُؤمن كثيراً، بهذه المُعادلات الانتقاميّة، التي تقوم على مبدأ الانتقام الربّاني في الأرض، ولكل ظالم عِقاب حتماً، والحديث هُنا عن الحالة الدنيويّة فقط، إلا أننا نُؤمن بالحقائق، وأحكام القضاء العادل الذي يجلب الخارجين عن القانون، وهو حقيقة ما جرى مع الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، وهو يُواجه تُهم تمويل حملته الرئاسيّة من الرئيس معمر القذافي، وإمكانيّة حبسه، وهذا عقاب فعلته المُخالفة للقانون الفرنسي، لا عُقوبة تآمره على ليبيا، فمثلاً العقيد الراحل قُتل شر قتلة، فهل هذه نتيجة أو عُقوبة لمُغامراته غير السياسيّة، ربّما لهذا لا نُؤمن بتلك المُعادلات الانتقاميّة!

أخيراً، سننتظر ظُهور سيف الإسلام في خطاب علني جماهيري، مُعلناً فيه ترشّحه الرسمي، وبرنامجه الوطني لإنقاذ ليبيا، أمّا في غير هذا سيبقى الرجل بنظر حتى من يراه “المُخلّص”، هارباً من العدالة، ومُتوارياً عن الأنظار، وهذه صفات رئيس مهزوم انتهى وقته وزمانه، نحن بالانتظار.

كاتب وصحافي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. أستاذ خالد
    عبارتك الأخيرة تلخص الموقف كله ، انتهى وقته وزمانه ، فهو شريد هارب من العدالة ومتواريا عن الأنظار ، يتمنى ألا تسلط عليه الأضواء ، لا يريد زعامة ولا رئاسة ، فالشعب قال قولته فيه منذ 7سنوات ، وأظن كوابيس الكلبشة والقفص لا تفارق أحلامه ، فدعوه يا مماليك المدينة .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here