هل ينجح أردوغان في الهروب من المأزق الداخلي

أيهم الطه

من على منبر الأمم المتحدة  في نيويورك بدا الرئيس التركي وكأنه نصب نفسه متحدثا عن أكثر من مليار مسلم في العالم , متنقلا بين قضايا العالم الإسلامي .

من مينمار الى كشمير الى افريقيا متحدثا عما يتعرض له المسلمون و عن وصمهم بالارهاب وعدم التضامن معهم وهو أمر محمود .

ساعده في ذلك تصحر الساحة السياسية في العديد من دول المنطقة العربية والإسلامية وغياب القيادات والشخصيات الوازنة ذات الرؤية الواضحة والقدرة على القيادة والإدارة والتمثيل  وقد  سقط أغلب سياسيها بسبب مشاكلها الداخلية المتراكمة .

اردوغان ومن خلال تصدير صوره (كصوت الضعفاء ومن لا صوت لهم) على حد تعبيره اراد ان يبدو أحد الزعماء المؤثرين في العالم الإسلامي مستهدفا  تحقيق المزيد من المكاسب الشخصية والحزبية و القومية ، محاولا استغلال ذلك لتحقيق مكاسب أكثر في تدعيم وضعه خارجيا وتعزيز موقفه التفاوضي في الملفات المختلفة و تمكنه من الحصول على مزيد من التسهيلات والمنح الاقتصادية والمالية لتركيا  , وتعزيز وضعه داخليا كزعيم وسع قدرة التأثير التركي في الأقاليم والمحيط المجتمع الدولي.

لكن هل سيستفيد أردوغان من هروبه من أزماته الداخلية إلى المحيط العربي والإسلامي؟ لتحسين وضعه في ملفات صعبة يديرها إقليميا في ملفات قبرص وأرمينيا وسوريا ومصر  واليونان وأوروبا.

وهل سيبعده ذلك عن استحقاقات الشارع التركي المحتقن الذي  أخذ يعبر صراحة عن معارضته لسياسات حزب العدالة وتفرده بالسلطة وقمع الحريات .

سبق خطاب أردوغان في الأمم المتحدة حالة من الشغب والتوتر في ولاية أضنة التركية نتيجة مزاعم عن تحرش شاب سوري بطفل تركي تبين فيما بعد أنها رواية لا أساس لها من الصحة لكنها خلفت عشرات المتاجر السورية المحطمة في المدينة التي تم الاعتداء عليها كما تم الاعتداء على العديد من أملاك السوريين في المدينة كالسيارات والمنازل .

احداث اضنة تأتي ضمن سلسلة متواصلة من التوترات الداخلية والغضب نتيجة احتقان سياسي .

وهي حادثة تاتي ضمن التصعيد  المستمر  ضد السوريين الذي تشهده المدن التركية فاضنة ليست الأولى التي تشهد هذه التوترات  وقد سبقتها عدة ولايات مثل اورفا و عينتاب و اسطنبول وبورصة و ولايات اخرى شهدت احداث مشابهة وجه فيها الأتراك غضبهم نحو السوريين ,

الذين يشكل وجودهم بأعداد كبيرة تتجاوز 3.5 مليون على الأراضي التركية  أحد أسباب التوتر  لكن جذر هذا التوتر هو إعلان شرائح واسعة من الأتراك سياسيا وشعبيا عدم رضاهم عن سياسات الحزب الحاكم وزعيمه .

الحقيقة أن هذا الغضب وإن  توجه الى السوريين إلا أنه موجه في الاساس كرسالة الى الحزب الحاكم ان الأتراك قد ضاقوا ذرعا بسياساته .

ورغم الاستعراضات السياسية الناجحة  التي يقوم بها زعيم حزب العدالة والتنمية داخليا وخارجيا الا أنها لن تغير الكثير في المعادلة الداخلية التركية

والهروب إلى الأمام عبر محاولة صرف انتباه الأتراك الى قضايا خارجية لن تؤتي ثمارها فالاهتمام التركي الشعبي والسياسي موجه في معظمه الى الشؤون الداخلية ونادرا ما يبدي الأتراك اهتمامهم بالشؤون الخارجية.

استحقاقات جدية قادمة سيواجهها أردوغان تتمثل في تصعيد محتمل من الشارع التركي الذي شهد عدة محاولات من المواطنين للاحتجاج على الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتدهورة  ومنها محاولة بعض المواطنين في مناطق مختلفة من تركيا   حرق أنفسهم .

فهل ستحاول المعارضة التركية استغلال هذه الأزمات لاسقاط حكم حزب العدالة والتنمية والإطاحة بزعيمه الذي تفرد بالساحة التركية لمدة تقارب العشرين عام  ؟

ربما فالإجابة على هذا السؤال تبقى رهينة بتقديرات الأحزاب السياسية المعارضة في تركية وعلى رأسها حزب الشعوب الديمقراطي الكردي  والحزب الجمهوري و هما الركيزة الأساسية التي تقوم عليها المعارضة اليوم رغم أنها تضم طيف واسع من الأحزاب الصغيرة الأخرى  بينها أحزاب اسلامية .

وربما تدفع المعارضة نحو انتخابات رئاسية وبرلمانية  مبكرة  مستعينة بالرموز الاجتماعية و الفكرية والأدبية من كتاب وصحفيين وفنانين وأغلبهم أصبح على مسافة بعيدة من حزب العدالة .

 هناك عدة عوامل أخرى تدفع المعارضة إلى التحرك الشعبي قبل موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة بعد عدة سنوات وعدم الانتظار حتى حلول موعدها وإعطاء اردوغان المزيد من الوقت و   من هذه العوامل

 استغلال  الزخم الشعبي  الذي تتمتع به المعارضة اليوم ,خاصة بعد شعورها بنشوة الإنتصار في الإنتخابات البلدية واسقاطها مرشح أردوغان بفارق كبير في اسطنبول اذار الماضي , فضلا عن شعور جميع الأطراف السياسية بضعف الحزب الحاكم وتفككه و كثرة الخلافات و المشاكل في داخله , يضاف الى ذلك جملة من  الظروف الدولية المساندة للمعارضة و العديد من الدول التي ترفض سياسة أردوغان داخليا في ملف الحقوق والحريات ومحليا في ملفات سوريا وقبرص واليونان وليبيا ومصر والسعودية وقطر  ودوليا في عدة ملفات تدخلت فيها تركيا بشكل أثار حفيظة الدول الأوربية وخاصة التقارب التركي الإيراني الروسي الصيني الذي لاتنظر نحوه الولايات المتحدة الأمريكية بعين الرضى  .

التحركات الشعبية التركية لإنهاء حكم اردوغان قادمة لامحالة وهي تنتظر الوقت المناسب وستكون بقيادة أسماء وازنة من المعارضة والمجتمع التركي ولكن ماهي الخيارات  اما الزعيم الذي وجد نفسه وحيد في الساحة رغم محاولاته إيجاد عدد من الشخصيات التي تحيط بها مثل بن علي يلدرم لكنها لا تتمتع بالشعبية الكافية لدعمه وتثبيت قواعد حزبه التي تخلخلت  ولذا فإن الحلول المطروحة أمام زعيم حزب العدالة والتنمية هي اللجوء الى قمع الحركات الاحتجاجية المعارضة عبر مزيد من القمع وتكميم الأفواه وقمع الحريات مستخدما تهم التعامل مع الخارج و التخوين  و الإرهاب و التواصل مع الانقلابيين والتواصل مع منظمة فتح الله غولن ،

هذه التهم التي يستخدمها منذ عدة سنوات لكنها لم تفلح في اسكات الأصوات المعارضة ولم تحفظ للحزب الحاكم شعبيته , التي انخفضت كثيرا واي انتخابات قادمة سيشهد حزب العدالة والتنمية تراجعا كبيرا يعيده الى حجمه الطبيعي في الساحة السياسية التركية لكنه سيبقى كأحد الأحزاب الأساسية في هذه الساحة أقله خلال الإنتخابات القادمة في حال بقي المشهد السياسي هادئ ومنتظرا حتى الإستحقاقات الإنتخابية بعد ثلاث سنوات .

وهذا ما بدا جليا في حوار دار  بين أردوغان و أمام اوغلو رئيس بلدية اسطنبول و منافسه المحتمل في الإنتخابات القادمة  وتناقلته وسائل الإعلام التركية على شكل مزحة وجهها زعيم حزب العدالة والتنمية لأمام اوغلو عندما سقط عن كرسيه في أحد الاجتماعات فقال له اردوغان” أنه تسبب بكسر كرسيه  وعليه دفع ثمن إصلاحه ” فرد عليه امام اوغلو بالقول ” أن الكرسي الثاني الذي يجلس عليه  سيكون أكثر ثباتا وصلابة”.

كاتب وصحفي سوري مقيم في باريس

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. السلام عليكم حياكم الله موقع الاستاذ عبدالباري عطوان المحترمون
    اولا ارجوا نشر تعليقي
    ثانيا اردوغان زعيم حقيقي ولايتصنع الزعامة ونصرة المظلومين مثل ما يفعل القادة الإيرانيون
    ثالثا انت كسوري كاتب المقال زعلان أن أردوغان اوى السوريين عجبا عجبا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here